في رحاب الفن وضيافة عشاقه بفضاء مدينة الصويرة، نسعد بين الحين والآخر بلقاء فنانين أصيليين ومتمكنين –مغارب أو أجانب- وننعم بالاستفادة من هده المصادفة السعيدة. سعد خضر عباس هو فنان عراقي مقيم بكوبنهاك، بالدانمرك، خريج كلية القانون والسياسة, قسم السياسة بجامعة بغداد. بعد مشاركته في معارض جماعية أقام عدة معارض بالدانمرك، قبل أن تجلبه أرض المغرب وطبيعته وأناسه وتراثه الثقافي، حيث شارك في معارض مختلفة، وحيث أنهى استقراره بمدينه الصويرة، دلك المرسم الشاسع الملائم لاستقبال هوسه الفني بين مبدعين آخرين، يتقاسمون معه هده اللغة الإنسانية الأخرى. بأسلوبه الفني الانطباعي الذي يلامس نكهة تجريدية فريدة لا يتمكن القلب من مقاومة قوة اللون التي تدخله له بشاعرية تؤسس لموسيقى صامتة، سولفيجها كتابة الألوان للانطباع الوجودي أمام الطبيعة والكائن والمجتمع والتاريخ. وفي حديث فني حميمي – بمناسبة معرض له بالصويرة-، تمت مساءلة سعد في غيرته الفنية وهوسه التشكيلي-اللوني إلى جانب همومه وانطباعاته الفكرية والاجتماعية، فكانت حصيلة دلك تفاعلات هدا التحاور الإنساني.
< بداية، أنت كفنان من أصول عراقية اتخذت لغة التشكيل كلغة للتعبير عن قضايا الوجود والإحساس والجمال، بماذا يمكنك أن تعرف لنا وتميز تعريف الفنون التشكيلية كلغة أخرى و أداة لدى الإنسان من أجل التعبير – تقنيا وفكريا – للتحاور مع الآخر؟
> الفنون التشكيلية ومنها الرسم يمتلك عدة مستويات من اللغة. فهي لغة بصرية وحسية وفكرية وأيضا نفسية.. هي كلها مجتمعة في حدود العمل الإبداعي ..الرسم يمكن أن يكون متعة جمالية تستطيع أن تنقل للأخر معالم جمالية صرفة ..وحسب تجربة المتلقي البصرية يمكن خلق حوار جمالي قد يمتد ليعطي تفاصيل فلسفيه تتحول إلى رؤى، هذا من حيث البعد الجمالي للغة العمل، أما الحسية منها فانه يأخذ ذاك التأثير المادي المرتبط بمعطيات حسية متنوعة، فان الأحمر لم يعد مجرد لون عندما يذهب به الفنان ليعبر بلغة حسه الخاص حيث المفردة المعبرة عن تأريخه الإنساني وثقافته وأسلوب تعامله مع كل العناصر الحسية الأخرى التي تتفاعل معا لتعطي للعمل الإبداعي خصوصية حسية . وهذا الحال مع البعد الفكري لان العمل الإبداعي لابد أن يكون ناقلا حيا لفكرة ما، حتى العمل التجريدي يحرك الذهن فكريا وتبدأ لغة أخرى غير لغة الكلام المسموع لتبدع فكرة ما وحوار وقد يحدث جدل بسبب لوحة فنية، وهنا أجد العمل الفني يمتلك قدرة الحوار فكريا مع المبدع أولا والمتلقي ثانيا. وأخيرا البعد النفسي الذي يقود لغة العمل فهي أيضا تعتمد على المبدع وكيف استطاع اللاوعي ان يدخل عالم اللوحة مثلا بكل تفاصيلها اللونية والتشكيلية ويترك صوت خفيا أحيانا وظاهرا أحيانا أخرى ليبدأ حوارا ببعد أخر يجر المتلقي إلى حيث خباياه أو يؤثر فيه نفسيا بشكل ما، فقد تستجيب اللوحة لحاجة نفسية لونيا أو عنصرا أخر في العمل التشكيلي وقد تبقى هي بفعل تأثيرها النفسي لغة ما تخلق هذا الحوار حيث تتشكل نهاياته حسب المتلقي وكيف تتفاعل مع هذا الصوت الداخلي.. أرى أن لغة الفنون التشكيلية هي غنية بكل ما تمتلك أي لغة أخرى وقد نجد بأنها تتفوق حتى على اللغة الكلامية بفعل أساليبها في التعابير المتنوعة وقابليتها على ابتكار لغات أخرى بشكل دائم…
< اعتبارا لكون اللغات الإنسانية الأخرى، الأدبية منها أو الفلسفية أو العلمية أو التكنولوجية تتبنى فحص الوجود الإنساني المجتمعي واقتراح ما يجيب على أسئلته وحاجياته في هذه الدنيا، فبماذا يمكنك أن تميز لنا اللغة الفنية عن ذلك وما هي القيمة المضافة التي تقدمه انجازات ومعارض هذه اللغة لضروريات الحياة الاجتماعية و الروحية؟
> تقدم الفنون التشكيلية الكثير، ومما تقترحه بشكل دائم على القيمة الاعتبارية للحياة والإنسان في هذا الوجود أبعد من كون الفعل المادي المستنفذ في الحياة، وبكل تفاصيلها هنا نرى أن الإبداع يخلق التوازن النفسي والفكري بين البعد المادي للحياة والمعنوي.. أن يمتلك بيكاسو أهمية كاسم وعلم موازي لأهمية لأي عالم وملك وربما يحتل أهمية اكبر حتى عند شريحة واسعة من الناس، هذا يجعل الإنسان قبل الحديث معه يخلق أهمية للبعد الاعتباري لأشيائه وأولياته، فهو يتأثر مأخوذا بهدا الاسم أو ذاك من الأسماء المبدعة ومن الاهتمام الرسمي والشعبي بالمنجز الإبداعي خصوصا في حياة الشعوب ومنذ القدم.. هذا بشكل عام أما على البعد الفردي فتأثير الفن والإبداع يبدأ جماليا حتى ينتهي بموقف فكري اتجاه الحياة، وهنا أرى الفن يشكل رافدا أساسيا في بناء الإنسان وتحديد مسارات الانجاز الحضاري.. شعوب عرفت بمنجزها الإبداعي التشكيلي كاليونان، ايطاليا, السومريين والمصريين ..الحياة بلا وردة فهي صحراء جرداء إلا من صدى الحياة.. الربيع دائما أجمل والإبداع هو الذي يخلق ربيعا دائما للنفس الإنسانية التواقة للجمال والجنة..
< تقدر القيمة الفنية لإبداع أو لأسلوب تشكيلي ما في علاقة مع قيمة و نوعية النقد الفني الذي يصاحبها ويسائلها فكريا ومجتمعيا. على ضوء هذا و مع اعتبار أن الفنان – من أي أصل كان – يسعى إلى السمو بلغته الفنية إلى الكونية كأي إنسان فنان – عربي أو أوربي أو أمريكي أو إفريقي-، اعتبارا لهذا كله، ما هو انطباعك حول الحركة التشكيلية بالمغرب؟
> الحق أني غير مؤهل للحديث عن الفن التشكيلي المغربي إلا أني وجدت بعض الانطباعات أخذتني إليها مشاهداتي المحدودة لبعض الفنانين المغاربة.. أولها أن البعد الحياتي الاجتماعي والاقتصادي بالإضافة إلى السياسي قد ترك أثرا واضحا على المنجز.. فان الفنان بين خيارات قليلة على اختلاف التعبير عنها، أولها الهوية حيث وجدت الكثير من الفنانين هنا يستخدم مفردات التعبير ليؤكد هويته الوطنية أو العرقية ولربما حتى الدينية.. وثانيا وجدت أن التأثير البيئي الصحراوي قد اخذ على الفنان ألوانه وصار الفنان لا يملك الا القليل من الألوان فمعظم المنجز ألوانه مشتقه من ألوان الصحراء، وكأن مراكش في كل مكان.. وثالثا لم الحظ تحديا ينطلق بالفنان إلى الفضاء المفتوح، حيث اغلب الفنانين مرتبط بواقعه السياسي حيث محدودية الأحلام، وهذا يؤثر بشكل مباشر على روح المبدع، فصارت المسارات بشكل أو آخر محدودة الأفق ..، على مستوى التقنيات هناك مهارات مبدعة وهناك فنان طموح مغربي منشغل بتحقيق هويته وأثره ومساحته الخاصة وهذا حراك صحي ولكن قد يتعب الفنان إنسانيا، وممكن أن يؤثر سلبا على حياته كفنان وعلى روحه كمبدع ..
< في الحياة اليومية والطبيعية، يعيش الفنان بابتسامة الحب والجمال والإلهام، ورغم ذلك نحن نعيش الآن في عالم تسوده الحروب و الاديولوجيات الظلماتية والعنصرية والحقد، ما هو تقديرك لهذا، وبتعبير آخر بماذا يلزم على الفنان أن يجيب اتجاه ذلك بتعابيره وبمواقفه وسلوكه اليومي؟
> هذه الحرب اليوم هي فعل مألوف في كل العصور لم يبتكرها الإنسان المعاصر، هي فعل طبيعي وجد من وجود الإنسان الأول، هناك حاجة ملحة لوعي إنساني أرقى وفهم مشترك على أن الحياة هي فرصة رائعة ومؤقتة، على الجميع العمل لاستثمارها بشكل أفضل وإلا خسر الجميع.. الفنان يملك خيارا في أن يكون متقدما على الآخرين في هذا الفهم حيث موهبته تقوده لمكان أنقى وأكثر وضوحا ليرى القيم الجمالية والإنسانية، فعليه أن يختار دوره المميز ويدعو الآخرين لهذا المكان أو أن يذهب ويبقى حيث الآخرين ويمسى رقما مضافا للكم الهائل الذي يساهم بشكل أو بآخر في انهيار جماعي كما هو الحال والحادث المتكرر عبر كل العصور..
< ختاما ، أنت الآن تقيم و تشتغل بمدينة الصويرة، حيث إحساس الطمأنينة و الهدوء و حوار الثقافات المختلفة، ما هو شعورك داخل هذا المرسم الشاسع وما هي آمالك الإنسانية من أجل المستقبل؟
> الصويرة هي مشغلي المفضل أحببت المكان بكل تفاصيله هنا منذ اللحظة الأولى، ولهذه المدينة فضلا لن أنساه ما حييت لأنني هنا رسمت بكل شغف وحب وحرية.. أقول للصويرة شكرا ملئ روحي وامتنان دائم، واني أحلم لها أن تكون يوما مركزا إشعاعيا للعالم تضيء كل الأمكنة من مكانها هذا فكرا وإبداعا وجمالا..
> أنجز الحوار: احمد حروز