المغرب الجديد…

الأزمة المغربية الإسبانية كشفت للجميع عمق المعضلات التي تلف هذا الجوار الصعب مع الجار الشمالي للمملكة، وفرضت العودة لطرح نقاط الاستفهام من البداية على المنطلقات المؤسسة للعلاقات بين البلدين.
والكثيرون عادوا هذه الأيام للتساؤل عما إذا كانت إسبانيا بلدا شريكا للمغرب أو صديقا أو حليفا، أو أنها تماما هي عكس كل هذا بالمرة.
إن هذا التطور وحده يكفي للتأكيد على أن الأمر اليوم يختلف عن كل ما سبقه، وأن وضعا جديدا يجب أن ينجم عن الأزمة الحالية.
لقد صرح وزير خارجيتنا ناصر بوريطة أن الأزمة ستستمر ما لم تتم تسوية سببها الحقيقي، ونبه السفير المدير  العام للشؤون السياسية بالوزارة فؤاد بزوغ إلى أن مفاجآت جوهرية وصادمة ستفضحها هذا الأزمة، داعيا سلطات مدريد إلى فتح تحقيق قضائي شجاع ونزيه في ما حدث، كما نبهت سفيرة المغرب بمدريد كريمة بنيعيش إلى أن اللجوء إلى إخراج المدعو إبراهيم غالي من إسبانيا بنفس الطريقة التي تم إدخاله إليها سيكون اختيارا للركود، ولن يزيد الأزمة الديبلوماسية بين البلدين إلا  تفاقما.
وأضافت بنيعيش أن الأزمة بين المغرب وإسبانيا، على خلفية استقبال زعيم الانفصاليين على التراب الإسباني بشكل سري وبهوية منتحلة، تعد اختبارا لقياس مدى موثوقية وصدق الخطاب السائد منذ سنوات بشأن حسن الجوار والشراكة الإستراتيجية بين البلدين، وهي كذلك تشكل اختبارا لاستقلالية القضاء الإسباني، وأيضا لعقلية السلطات الإسبانية في ما إذا كانت تريد أن تختار تعزيز العلاقات مع المغرب أو التعاون مع أعدائه.
تصريحات المسؤولين المغاربة الثلاثة تعرض إذن معالم مقاربة ديبلوماسية وسياسية مغربية تصر على ضرورة توضيح كل النقاط في العلاقات بين الرباط ومدريد، وعلى إعادة صياغة منطلقات مؤسسة جديدة، وترفض منطق الاستعلاء والاستخفاف المتعامل به من طرف الجار الشمالي.
المشكلة الأساسية فيما يحدث اليوم هي هنا بالذات، أي في تغيير واقع ومرتكزات وأفق العلاقات المغربية الإسبانية، والتجييش الإعلامي الذي عمدت إليه مدريد، ولعبة تحريف الحقائق، كل هذا تم لتغيير قصدية الكلام الحقيقي، وللإصرار على عدم الخروج من العقلية العتيقة التي لا زالت تتحكم في الطبقة السياسية والأمنية والعسكرية الإسبانية في علاقتها بالمغرب الجار.
إن المقاربة المغربية اليوم تنطلق من قناعة مركزية تقوم على أن المغرب بدوره، وعلى غرار كل العالم، بصدد التغيير، وأن جيو استراتيجية جديدة هي قيد التشكل بحكم ما يشهده العالم من تحولات مهولة منذ سنوات، وأيضا بسبب ما نجم عن زمن الجائحة، وكل هذا لا يمكن أن يحدث من دون أن يشمل التغيير والتحول إسبانيا أو علاقتها بالمغرب، أو كذلك علاقات المغرب بالاتحاد الأوروبي…
لا يمكن أن تستمر إسبانيا ممسكة بعقلية القرون الماضية وأن لا تدرك أن المغرب تغير ولم يعد هو مغرب بداية القرن الماضي، أو من دون أن تأخذ بعين الاعتبار انتظارات المغرب المستجدة وتطلعاته الحالية، وأساسا مصالحه الوطنية والإستراتيجية وحقوقه المشروعة…
لا يمكن لإسبانيا أن تواصل العيش في زمن اليوم وهي تصر على استمرار عقليتها الاستعمارية والاستعلائية القديمة، وأن تتعامل مع المغرب باستخفاف، وبسلوك يخلو من أي احترام.
إن المغرب الذي تتمثله الطبقة السياسية والأمنية الإسبانية لم يعد قائما، ويجب أن تنظر إلى مغرب اليوم كما هو، وتتعامل معه على أساس ذلك، أي مع دولة حقيقية ذات سيادة واستقلال، ولديها مصالح وحقوق، وأن تقوم الشراكة بين البلدين على المساواة والندية واحترام الالتزامات المشتركة.
هذا الأفق، ليس مقاربة مغربية فقط، ولكن عدد من العقلاء في إسبانيا صاروا بدورهم مقتنعين به، وإن كان الإعلام هناك يطفئ عليهم الأضواء هذه الأيام، لكن في نهاية الأمر إسبانيا مدعوة للسير على هذه الطريق، أي اتجاه الوضوح، ولكي تتغير، وتلج الزمن الحالي بأدواته ومقارباته بلا عقلية متكلسة وغارقة في الماضي الاستعماري والهيمني الذي انتهى ولن يعود.
أما بالنسبة لبلادنا، ففعلا، وترتيبا على الوارد أعلاه، المغرب صاحب حقوق مشروعة، والدفاع عنها والتمسك بها مشروع، ولكن الأزمة الأخيرة مع إسبانيا كشفت لنا تعقيدات هذا الجوار الصعب، وعرت الموقف الأوروبي الذي سارع لمساندة مدريد ضد الحق المغربي المشروع والثابت، ومن ثم تأكد من جديد أهمية الاعتماد على ذاتنا وإمكانياتنا الخاصة في عالم تحكمه المصالح والحسابات، ويعني هذا ضرورة تقوية جبهتنا الوطنية الداخلية، وتمتين مسارات التنمية الداخلية والبناء الديمقراطي وإنجاح الإصلاحات، وتعزيز ثقة شعبنا وشبابنا في وطنه وفِي المستقبل، والقضاء على ما تعانيه البلاد من هشاشة اجتماعية ومشكلات ديمقراطية وخصاص في الحكامة الجيدة…
مغرب آخر يجب أن ننجح كلنا في بنائه من الآن.

<محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

الوسوم , ,

Related posts

Top