المؤسسات الفكرية الوطنية تطلق “الميثاق الوطني للديمقراطية والتنمية والمواطنة”

1- إن المطلوب من وجود ميثاق وطني هو تحقيق نوع من التماسك والتعبئة المشتركة، تفضي إلى إنجاز مصلحة عليا لها أسبقية على كل شيء، وهذا الاختيار يقتضي الاعتماد على علاقة بين المواطنين والحاكمين تتسم بالثقة، والشعور باقتسام المسؤولية. ولذلك فإن هذا الميثاق فضلا عن كونه يجب أن ينبثق من حوار وطني واسع، فإنه لابد أن يستحضر أولاً المكتسبات التي تحققت لبلادنا بمجهود أبنائها، وأن ينطلق ثانياً، من نقد واضح للتجارب التي أدت إلى فشل النموذج التنموي، ومن الاعتراف بالأخطاء التي تضمنتها، لا يتعلق الأمر هنا بمحاكمة هذا الطرف أو ذاك، بل فقط بامتلاك جماعي لوعي نقدي يجنبنا تكرار التجارب الخاطئة.
إن الميثاق مطالب بأن يخرج من الالتباس الذي وقع فيه التقرير، عندما اكتفى بسرد أعراض الأعطاب الكبرى، دون أن يقوم بتشخيص دقيق للأسباب، وفي الجو الذي نعيشه والذي يتسم بانعدام الثقة من جهة، والحذر من عدم مطابقة الأقوال للأفعال من جهة أخرى، فإن الميثاق يجب أن يؤكد على اعتماد الحوار كآلية لا محيد عنها لتحديد الاختيارات الكبرى للبلاد، وأن يتضمن إشارات قوية إلى القطائع التي يجب أن نقوم بها لفتح صفحة جديدة، إذ في هذه الإشارات القوية والشجاعة، توجد الخطوة الأولى لاسترجاع الثقة، بين المواطنين والحقل السياسي، على أن تتعزز هذه الخطوة في أرض الواقع بإرساء قواعد الحكامة الجيدة، ومحاربة الفساد، وضمان نزاهة واستقلالية القضاء، والكف عن تبخيس دور الأحزاب السياسية، بل مساعدتها على الاضطلاع به كاملاً في النظام الديموقراطي.

2- من المهم أن يتضمن الميثاق العناوين الكبرى لاختيارات المستقبل، على أن تتكفل السياسات العمومية بوضع القرارات المرتبطة بها موضع التطبيق، وعند ذلك فإن التنافس بين الفاعلين السياسيين سيكون حول مضامين السياسات العمومية وحول مدى ملاءمتها للاختيارات التي تحقق حولها الإجماع الوطني.
وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة مما جاء في تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، من أفكار وتوصيات واقتراحات عملية في بعض الأحيان، سواء تعلق الأمر بضرورة الاستثمار في الإنسان المغربي، بإعطاء الأسبقية للتربية والتكوين وللقطاعات الاجتماعية الأساسية، والاشتغال على سلامة البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية ومواجهة التحولات المناخية، أو تعلق الأمر بالاستثمار في قطاعات المستقبل، كالاقتصاد الرقمي والفلاحة والطاقات النظيفة، كما يمكن تدقيق بعض الاختيارات المتعلقة بدور ومكانة القطاع العمومي، بما يؤكد أحقيته بقيادة استراتيجية التقدم في بلادنا، وبقضايا المساواة بين النساء والرجال، وبالقضايا المتعلقة بمحاربة الفقر والفوارق الفاحشة، والفساد، وتضارب المصالح، واقتصاد الريع.
على أن إعداد الانسان المغربي لتحديات المستقبل، لا يمكن أن يتخذ فقط بعداً ماديا يتعلق بتحسين الأوضاع المعيشية، وتحقيق نمو اقتصادي وتكافل اجتماعي يحافظان على استقرار البلاد وتماسكها، بل من الضروري أن يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الثقافية والروحية للتقدم الذي ننشده، من هنا ضرورة إيلاء أهمية قصوى لحق كل الأطفال المغاربة في ولوج المدارس العمومية، والتعلم فيها وجوباً بإحدى اللغتين الوطنيتين، وتمكينهم إلزامياً من تعلم اللغات الأجنبية الضرورية.
وفي نفس الوقت فإن الاهتمام بالهوية الوطنية المتفتحة والمتعددة المشارب، يقتضي استثمارا قويا ومستداماً في الإنتاج الثقافي الوطني، وفي المؤسسات الثقافية، والمهن الثقافية، والتعليم الفني، وفي تمكين المواطن المغربي من استهلاك المنتوج الثقافي بكل تعبيراته. وأخيراً فإن تكريس هذه الاختيارات الجوهرية وضمان نجاعتها، يستوجبان بلورة سياسة شجاعة للقضاء على الأمية، وللتربية على المواطنة، وللتأهيل الرقمي.
على أن الإعداد الثقافي والروحي للإنسان المغربي، يتطلب كذلك العمل على ترسيخ إسلام متفتح ومتسامح، يؤمن بالعقل وبالحرية، وينبذ كل أساليب التعصب والتطرف والغلو.
إن التوجه نحو دولة قوية، أمر ضروري، لكن الدولة لن تكون قوية إلا إذا كانت ديموقراطية، حامية لكل مواطنيها، وكذلك فإن التوجه نحو مجتمع قوي هو أمر وجيه، لكن المجتمع لن يكون قوياً إلا بتوسيع فضاء العلم والمعرفة، وتحقيق المساواة، وتوسيع الحريات الفردية والجماعية، ووضع آليات للإدماج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للشباب، وإصلاح المنظومة الصحية وتجويد خدماتها وتوفير رعاية اجتماعية فعالة، ودعم البحث العلمي والقدرات التكنولوجية للقطاع الطبي.
غير أن الدولة القوية تعني كذلك التخلي عن العمودية في العلاقات بين المؤسسات وبين الدولة والمجتمع، وتوسيع المشاركة الأفقية والاعتماد على تنظيم جهوي ناجع وعلى ديموقراطية محلية معبئة للطاقات.
بهذا الاختيار لدولة قوية ولمجتمع قوي سنضمن مشاركة كل الطاقات في بناء مغرب متقدم، قادر على الاستجابة لتطلعات مواطنيه، في مناخ تطبعه الثقة والمصداقية، وتسود فيه قيم الاستحقاق والكفاءة والنزاهة.
3- على أن أهمية الميثاق الوطني لا تكمن فقط في تحديد الاختيارات الكبرى، وفي رسم المعالم التقنية لتنفيذها، بل تكمن أساساً في الأفق السياسي الذي تفتحه، والذي من شأنه أن يبني جسوراً قوية من الثقة في الحياة العامة، ويمكن البلاد من نموذج سياسي جديد، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتأكيد على التلازم البديهي بين الديموقراطية والتنمية، من خلال التأكيد:
– على مركزية الدستور في الحياة العامة وعلى تغليب التأويل الديموقراطي لأحكامه.
– على الملكية الديموقراطية البرلمانية الاجتماعية من خلال التكريس الفعلي لمبدأ الفصل بين السلط وتوازنها وتعاونها، والاحترام التام للمؤسسات المنتخبة.
– على الإصلاحات الجوهرية، السياسية والدستورية والمؤسساتية التي من شأنها أن تعيد المصداقية والنجاعة للحقل الحزبي والنقابي، وتمكن المجتمع المدني من آليات المشاركة والمبادرة الخلاقة.
-على انفراج حقوقي، وتصفية للأجواء السياسية، من خلال مبادرات ملموسة من الدولة تجاه المجتمع، كمقدمة لعودة الثقة، بدء بإطلاق سراح الصحفيين ومعتقلي الحراك الاجتماعي.
-على حماية الحقوق والحريات الأساسية والالتزام بمنع كل حد منها،والاعتراف بها كجزء لا يتجزأ من البناء الديموقراطي.
بهذه الرؤية سيعمل الميثاق على تجديد القيم الوطنية، وعلى تحفيز الشباب على الانخراط في التزام جماعي يتسامى على المصالح الفردية والفئوية، وعند ذلك، فإن هذه الروح الجديدة وهذه الوطنية المتجددة ستطلب من الجميع ابتكار سياسات عمومية للتعبئة، هدفها تحضير الأجيال الجديدة للمساهمة في تحقيق المصالح العليا للبلاد.

Related posts

Top