تاريخ الحروب.. -الحلقة 15 –

تدفع الحرب الروسية – الأوكرانية التي تدور رحاها بأوروبا الشرقية، والتي أججت التوتر بين الغرب وموسكو وتنذر باتساع رقعتها نحو، ما وصفه مراقبون، “حرب عالمية ثالثة” لها تكاليف باهظة ليس على المنشئات والبنية التحتية فقط وإنما على مستوى الأرواح وعلى ملايين الناس الذين تنقلب حياتهم رأسا على عقب، إلى تقليب صفحات الماضي، لاستحضار ما دون من تفاصيل حروب طاحنة جرت خلال القرن الماضي، وبداية القرن الحالي.
في هويات متداخلة، كما في روسيا وأوكرانيا، لم يبق أحد خارج الحرب. انتهت الحروب وحفرت جراحا لا تندمل وعنفا لا ينسى. وفي هذه السلسلة، تعيد “بيان اليوم” النبش في حروب القرن الـ 20 والقرن الـ 21 الحالي، حيث نقدم، في كل حلقة، أبرز هذه المعارك وخسائرها وآثارها، وما آلت إليه مصائر الملايين إن لم نقل الملايير من الناس عبر العالم..

حرب الخليج الثانية.. العراق يجتاح الكويت وتحالف دولي يرد بـ “عاصفة الصحراء” 1/2

مباشرة بعد انتهاء حرب الخليج الأولى التي دارت رحاها بين إيران والعراق بين 1980 و1988، بدأت سلسلة من المناوشات والتصريحات العدائية بين كل من العراق والكويت والسبب الرئيسي كان حول النفط.

مناوشات بسبب النفط

أدت التصريحات العدائية التي أطلقها صدام تجاه الكويت إلى توتر شديد في العلاقات ما بين البلدين، وتجلى ذلك في القمة العربية الاستثنائية التي عقدت في بغداد يوم 28 ماي 1990 واتهم فيها صدام حسين الكويت بسرقة نفط حقل الرملة العراقي على الحدود بين البلدين.

وفي 16 يوليوز من نفس السنة، سلم العراق مذكرة إلى جامعة الدول العربية تتضمن شكوى رسمية بالكويت، حيث اشتكت بغداد أن الكويت زادت إنتاجها النفطي على الحصة المقررة لها من طرف منظمة أوبك، معتبرة أن الخطوة الكويتية ستؤثر على اقتصاد العراق وستؤدي إلى انخفاض أسعار النفط، التي كانت بغداد تطمح لارتفاعها إلى 25 دولارا للبرميل، لكي تجني موارد مالية أكبر تمكنها من إعادة إعمار ما دمرته الحرب الطويلة مع إيران.

واستمرت التصريحات العدائية بين الجانبين، واتهم صدام الكويت من جديد بالضلوع في ما وصفه “مؤامرة نفطية” ضد العراق، وهدد باستخدام رد مناسب ضدها، في الوقت الذي نفت فيه الكويت اتهامات الرئيس العراقي وطالبت بلاده بسداد الديون التي أقرضتها إياها خلال الحرب مع إيران والمقدرة بمليارات الدولارات.

مباحثات جدة

بعد اتساع رقعة الاتهامات ووصول الطرفين إلى قمة التوتر التي كانت تنذر بأن الأمور ستسوء بشكل أكبر، دعا الملك السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز كل من العراق والكويت إلى الجلوس على طاولة المفاوضات.

واحتضنت مدينة جدة السعودية في يوليوز 1990  مباحثات العراق والكويت أملا في طي الأزمة العالقة بين البلدين، وترأس الوفد الكويتي ولي العهد حينها الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح فيما ترأس الوفد العراقي نائب الرئيس العراقي عزة الدوري.

انطلقت المفاوضات وانتهت بمدينة جدة السعودية بدون تحقيق أي أهداف دبلوماسية، كما لا تؤدي المفاوضات حتى للتقليل من حدة التوتر، وخرج الطرفان معا بتصعيد أكبر، كما لم تتمكن السعودية من رأب الصدع بين جيرانها وفشلت بالتالي جميع المساعي الدبلوماسية.

تهديد بالحرب

أطلق الرئيس العراقي صدام حسين سلسلة من الاتهامات للكويت، وتوعدها بالكف عن إلحاق الأذى بالعراق، مهددا باللجوء إلى الحل العسكري للدفاع عن مصالح بلاده في حالة استمرار الكويت في التعنت ورفض المطالب العراقية.

ويرى مراقبون حينها، أن الولايات المتحدة الأمريكية ساهمت في إشعال الحرب بين الجانبين وتغذية الصراع المرير بين الكويت والعراق، حيث قال متتبعون حينها إن واشنطن اتخذت سياسة مزدوجة لاستغلال هذا التوتر، حيث شجعت ضمنيا السفيرة الأميركية لدى العراق يومئذ أبريل غلاسبي صدام حسين على تنفيذ تهديداته للكويت، وذلك حين قالت له، خلال لقائهما يوم 25 يونيو 1990، إن حكومة بلادها ليس لها رأي بشأن الخلافات العربية/العربية، في الوقت نفسه الذي كانت تدعم فيه الولايات المتحدة الأمريكية الكويت بشكل كبير.

اجتياح الكويت

في الساعات الأولى من فجر يوم 2 غشت 1990 نفذ صدام وعيده تهديده للكويت، وأرسل ما يزيد عن 20 ألف جندي إلى الحدود العراقية – الكويتية، وبدأت حينها تكهنات ما يريده صدام من تلك الخطوة، لكن حينها لم يتوقع الكويت ومعه عدد من البلدان العربية أن يتطور الأمر إلى حرب شاملة.

في غضون نحو ثلاث ساعات كان ما يزيد عن 20 ألف جندي عراقي قد عبروا حدود الكويت فعلا ووصلوا إلى إلى حدود العاصمة، فيما فر أمير الكويت جابر الأحمد الصباح إلى السعودية، في حين قُتل شقيقه الشيخ فهد، ولم يتمكن الجيش الكيويتي الذي لا يتجاوز عدده 16 ألف عسكري من صد الهجوم العراقي البري الذي كان مدعوما بتغطية سلاح الجو.

مع بلوغ مساء اليوم الأول من الاجتياح، كانت العراق قد سيطرت بشكل تام على الكويت، وبعد يومين أعلنت بغداد بشكل رسمي ما قالت إنه “تحرير الكويت من حكم آل الصباح”، وقامت بتنصيب حكومة جديدة للبلاد موالية لها دامت أربعة أيام وكانت برئاسة العقيد الكويتي علاء حسين الخفاجي، الذي جرى اتهامه بالخيانة والتآمر مع العدو في زمن الحرب، وحكم عليه حكم غيابيا بالإعدام عام 1993، ثم خفف بعد عودته إلى البلاد مطلع 2000 إلى السجن مدى الحياة عام 2001.

إدانة دولية

عقب الاجتياح، أدانت مجموعة من الدول، في مقدمتهم السعودية، الخطوة العراقية، وعقد مجلس الأمن جلسة طارئة في نفس اليوم لبحث غزو العراق للكويت، وأصدر قراره رقم 660 الذي طالب فيه بانسحاب القوات العراقية من الكويت من دون قيد أو شرط، ثم أتبع ذلك بجلسة أخرى يوم 6 غشت 1990 أقر فيها عقوبات اقتصادية شاملة على العراق بقراره رقم 661، ثم تتابعت القرارات الأممية بعد ذلك في تشديد الخناق على العراق.

تطورت الأمور في اتجاه أكثر تصعيدا، وذلك حينما أرسلت أميركا قواتها إلى السعودية بطلب منها لحماية حدودها مع الكويت والعراق وذلك بعد احتشاد القوات العراقية على الحدود السعودية الكويتية في السابع من غشت من نفس السنة.

في اليومين التي تلي هذا القرار، أعلنت العراق بشكل رسمي ضم الكويت وأنها أصبحت المحافظة العراقية التاسعة عشرة، وأغلق كل السفارات الموجودة فيها وألغى كل سفاراتها في العالم.

> إعداد: توفيق أمزيان

Related posts

Top