لقد عرف العام المنصرم استمرار تداعيات جائحة»كوفيد-19»في كل مناحي حياة الشعوب والدول والأفراد، وتزامن مسلسل التعافي منها مع دخول القوات الروسية أوكرانيا وما أحدثه ذلك من آثار استراتيجية وإنسانية، وأيضا اقتصادية، وخصوصا في قطاعي التزود بالحبوب والمحروقات…
وبالنسبة لبلادنا، لم تنج، هي كذلك، من انعكاسات هذا الوضع الجيو استراتيجي الدولي وتداعياته المعقدة، وأضيف إلى ذلك الجفاف وشح الأمطار وتضرر الفلاحة من الندرة المائية، وأيضا توالي موجات الغلاء في مواد وخدمات مختلفة، والمضاربة في الأسعار، وكل هذا نجمت عنه أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة تعاني منها فئات واسعة من شعبنا.
من المؤكد أن السلطات العمومية قامت بإجراءات ومبادرات للتصدي لكل هذه الصعوبات، وخصوصا بفضل الحرص الملكي السامي على تأمين السير العادي للحياة المجتمعية، ولكن الحكومة فشلت في التواصل المنتظم مع الرأي العام الوطني، وفي الحضور السياسي الفاعل والمطمئن والمنتج والمحفز داخل المشهد الوطني العام، كما أنها فشلت في التجاوب مع الإنتظارات الكبرى لشعبنا، وفي تحقيق انشغالاته وتطلعاته، ويتواصل إلى اليوم ترقب التغيير في السلوك، وفي العقلية، وفي المقاربة، وأن تدرك الحكومة حدة المخاطر والرهانات المقترنة بالعام الجديد، وما قد تتسبب فيه الأوضاع الدولية والإقليمية من انعكاسات على حياتنا الوطنية، وأن تقدم الحلول لذلك، وأن تنجح في إقناع وطمأنة المغاربة على مستقبلهم.
أمام كل ما تحمله شعبنا في العام المنصرم من صعاب، يحق لنا أن نعتبره»شخصية السنة»، وفق العرف المعتاد عليه في مثل هذه المناسبات.
لقد تحمل شعبنا صعوبات الظرفية الاقتصادية والاجتماعية في العام المنصرم، وأيضا في الذي سبقه، وساهم في إنجاح التصدي المغربي لتداعيات»كورونا»، في تناغم مع مبادرات جلالة الملك وقراراته ذات الصلة، كما تحمل شعبنا موجات الغلاء وتكبد أضرارها في حياته اليومية والمعيشية، وبقي المغاربة يحرصون على استقرار بلدهم، وملتفين من أجل ضمان تعافي اقتصادهم، وخروج البلاد من كل الامتحانات الوبائية والاقتصادية والاجتماعية بسلام، وبما يكرس الوحدة والأمن والاستقرار، والسير إلى الأمام من أجل التقدم والتنمية والنجاح.
وحتى عندما أبدع المنتخب الوطني لكرة القدم، وتفوق في مونديال الدوحة، كان آلاف المغربيات والمغاربة سندا للاعبين والمدرب، وسافروا إلى قطر متحملين كل المصاريف والصعاب، ثم خرجوا إلى شوارع مدن المملكة يرسمون الفرح بمنجز فريقهم الوطني، ويحتفون بالعلم الوطني وبالانتصار المغربي، ونسوا، من أجل ذلك، ظروفهم الاجتماعية الصعبة، وتوحدوا من أجل صورة المملكة وإشعاعها، ومن أجل… الوطن.
هنا أيضا شعبنا المغربي هو»شخصية السنة» بامتياز، وهذا الالتفاف الوطني الواضح، الذي برز احتفاء بالانتصار الكروي بالدوحة، هو نقطة قوة المغرب في كل الميادين، أي في تقوية بناء الدولة واستقرار المجتمع، وفي الدفاع عن الوحدة الترابية، وفي تطوير الديمقراطية، وفي تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، أي صيانة وتمتين الجبهة الوطنية الداخلية.
درس العام المنصرم يبقى إذن هو هذه الروح الوطنية التي أبرزها شعبنا في التصدي للصعاب الاقتصادية والاجتماعية، وفي الفرحة بالانتصار الكروي المغربي، وفي المساهمة في تعزيز استقرار بلادنا، ومن ثم على الحكومة التقاط إشارات ودلالات هذه الروح الوطنية العالية، واستيعاب المعنى منها، والانطلاق من ذلك، في العام الجديد، لتقوية التفاعل والتجاوب مع انشغالات شعبنا، والاهتداء بنداء مدرب المنتخب(سر… سر) نحو تحقيق المطالب الاجتماعية للفئات الفقيرة والمتوسطة، ومن أجل العدالة الاجتماعية والتقدم الاقتصادي وتحسين ظروف العيش، وإعمال المساواة والإنصاف ومحاربة الفساد وانعدام الكفاءة التدبيرية، وتقوية استقرار مجتمعنا، ومضاعفة مؤشرات إحساس المغربيات والمغاربة بالثقة في وطنهم، وفي المستقبل، وجعل بلادنا تعانق نفسا انفراجيا في كل المجالات الاجتماعية والديموقراطية والاقتصادية.
شعبنا الذي يستحق أن يعتبر»شخصية العام» بامتياز، يستحق كذلك الإنصات لانتظاراته وتطلعاته، والتجاوب الحكومي معها، وأن تبقى المملكة دائما معانقة للتفوق والتتويج والتميز في كل المجالات…
<محتات الرقاص