عزيز بلال: نموذج للمثقف الملتزم

نخلد اليوم الذكرى 39 للوفاة المأساوية، لمفكر كبير، ومناضل ملتزم بخدمة القضايا العادلة للشعوب، فمن الصعب الحديث عن السي عزيز في بضع سطور، لأن حياته كانت مليئة، حيث لم تكن فيها أية مساحة فارغة، بالنظر لانشغالاته ومسؤوليات المتعددة، والتي تحملها بكل براعة.
فقد كانت لكاتب هذه السطور “الحظوة” في معرفة الأستاذ الراحل عزيز بلال، على ثلاث مستويات، المستوى الأول كطالب أتيحت له فرصة لمتابعة مقرره الدراسي الذي كان يلقيه في مدرجات الجامعة حول “الإشكالات البنيوية للتنمية” طيلة السنة الأخير من الإجازة خلال الموسم الجامعي 1974 – 1975، وبفضل ذلك المقرر، أصبحت لنا معرفة بالمشاكل الكبرى في تلك المرحلة، خاصة تلك المشاكل المرتبطة بالتخلف، والتبعية، والتحرر، وهي المشاكل التي لا تزال مطروحة إلى اليوم.
عرفت أيضا عزيز بلال كزميل في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، منذ يناير 1980، وبهذه الصفة كانت لي الفرصة للاستفادة من خبرته وتجربته بالعمل إلى جانبه على مستوى الشعبة، وعلى مستوى النقابة الوطنية للتعليم العالي، لقد أدهشني تواضعه، وتفكيره المنفتح، كما أدهشني سلوكه اتجاه زملائه، حيث أنه لم يكن يحاول فرض وجهة نظره، على الرغم من اقتناعه بصحتها، فقد كان متشبثا بروح الفريق والعمل الجماعي.
وعرفت عزيز بلال أخيرا، كرفيق في حزب التقدم والاشتراكية، حيث كنا نجتمع بشكل منتظم سواء على مستوى خلية أساتذة التعليم العالي بكلية الحقوق والتي كانت تضم ما لا يقل عن عشرين مناضلا، أو على مستوى اللجنة الاقتصادية للحزب التي كان يرأسها. وبفضل تشجيعاته، وخبرته، تألقت الخلية على مستوى الإنتاج الفكري، مشكلة بذلك مركزا حقيقيا للتفكير،”تنك تنك” داخل حزب التقدم والاشتراكية.
لقد شكلت وفاته المفاجئة، عن سن الخمسين سنة، خسارة كبيرة لحزبه، وللجامعة المغربية، وللبلد ككل، لكنه ترك لنا كنزا لا ينضب معينه، وإرثا علميا لا يزال ذا راهنية إلى اليوم.
كما أن إستراتيجية التنمية التي يطمح لها المغرب، قد تمت بلورتها من طرف الراحل عزيز بلال في أطروحته لنيل دكتوراه الدولة، والتي لم تفقد راهنتيها. في الوقت ذاته، كان الراحل رائدا في تحديد العوامل غير الاقتصادية في التنمية، من خلال كشف الحدود بين الاقتصادي والتفكير التكنوقراطي الذي يضع نفسه فوق التناقضات الاجتماعية، ويعتبر الإنسان مجرد كائن بسيط معزول وسط جزيرة مهجورة، كالصورة التي رسمتها رواية روبنسون كروزو، الشخصية الخيالية التي عاشت في عزلة طويلة بإحدى الجزر المهجورة بالقرب من نهر “أورينوكو” في أمريكا الجنوبية.
بالإضافة إلى كل ذلك، لازلت أتذكر خلال إحدى الملتقيات الفكرية التي نظمتها كلية الحقوق، عندما رد على أحد المتدخلين الذي اتهمه باستعمال الخطاب الأيديولوجي، وقال له فيما معناه “أنا لست من المتثقفين الذين يفكرون في برجهم العاجي، فأنا أفكر في مشاكل شعبنا، وأحاول أن أجد لها الحلول الممكنة، واضعا نفسي، بشكل متواضع ضمن إطار علمي”. وهذا تحديدا ما يميز عزيز بلال باعتباره “مثقفا عضويا” بالمفهوم الكرامشي، أو بالمعنى الديالكتيكي في ربط النظرية بالممارسة، حيث تغني الواحدة الأخرى، وتثريها، ولذلك فإن عزيز بلال لم يفصل بينهما، أي لم يفصل بين النظرية والممارسة، ولذلك كان يشتغل على عدة واجهات، حيث كان يشتغل كأستاذ جامعي بالعديد من المؤسسات الجامعية، وكان يشرف على العشرات من الأطروحات، وفي الوقت ذاته كان رئيسا لشعبة الاقتصاد، ورئيس جمعية الاقتصاديين المغاربة، ورئيس جمعية خريجي كلية الحقوق بالدار بالبيضاء، وعضو بالنقابة الوطنية للتعليم العالي، بالإضافة إلى عضويته بالديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، ورئيس اللجنة الاقتصادية للحزب، ونائب رئيس جماعة “عين الذياب” بالدار البيضاء.
وبتلك الصفات والمسؤوليات، كان الراحل دائم الحضور ، وكان نشيطا في العديد من المؤتمرات والملتقيات الدولية، حيث كان يحرص على الحضور، وعلى عدم الغياب، كما أنه كان يشرف على تنظيم العديد من الملتقيات العلمية، والتي كان يشرك فيها جميع الأعضاء وذلك لأيمانه بالعمل الجماعي. فوحده، رجل مثل عزيز بلال بقدراته الفكرية الكبيرة، قادر غلى أن يضطلع بتلك المهام بنجاح.
فقد انخرط عزيز بلال في وقت مبكر في العمل السياسي، وعاش مرحلة النضال من أجل الاستقلال، وتبلور لديه الوعي بضرورة تحقيق التنمية الاقتصادية، لأن الاستقلال السياسي بالنسبة إليه، غير كاف، إذا لم يكن مرفوقا بتحول حقيقي على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، بل أيضا على المستوي الأيديولوجي والثقافي. وفي نظر عزيز بلال، فإن الشعوب تواجه ” أربعة أنواع من المشاكل أساسية وهي مشكل التحرر الوطني، ومشكل الثورة الاجتماعية، ومشكل التنمية، ثم مشكل الحضارة” وبالتحديد فإن الأمر يتعلق “بأربع مكونات أساسية للحركة الاجتماعية التاريخية” والتي يتعين فهمها في شموليتها، عكس البعض الذي يحاول اختزالها في مشكل التمنية.
وقد سبق لعزيز بلال أن تطرق، في أطروحته، لهذه الطريقة في طرح المشاكل، وهي الطريقة التي تم صقلها على مستوى تجربة البلدان “المستقلة” آنذاك، لأن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء التخلف تكمن، تحديدا، في الجهل بالحقائق الاجتماعية في تعقيداتها وتناقضاتها.
ويرى عزيز بلال أن الدول التي اختارت التوجه الرأسمالي التبعي، باستيراد نماذج من الخارج، دون إعادة النظر في علاقة الهيمنة التي تربطها بالرأسمالية العالمية، (يرى) “أن الحقائق الحالية، التي تؤكدها تجربة المرحلة الأخيرة، تؤكد حقيقة هامة وأساسية لمن يريد أن يكلف نفسه عناء فهمها: يتعلق الأمر باستحالة إعادة إنتاج، على مستوى واسع في “البلدان النامية”، وعلى أساس حركة سوسيو اقتصادية وسوسيو اجتماعية تشمل المجتمع برمته، “نموذج” الرأسمالة المتطورة الذي يميز حاليا التطور الاجتماعي الغربي”.
وعلى نفس المستوى، انتقد عزيز بلال، بشدة، التدخل العسكري للاتحاد السوفياتي في أفغانستان، لأن الاشتراكية أو الشيوعية لا يمكن فرضها عن طريقة الدبابات، بل يجب أن تكون نتيجة عمل بناء واع، وخيارا تتبناه الشعوب بكل حربة.
إن نتيجة هذا الخرق لقوانين التطور التاريخي، معروفة: وهي الإفلاس التام لهذه التجارب، حيث أن البلدان تظل دائما، تحت رحمة الرأسمال العالمي، من خلال إعادة إنتاج “التخلف”. من هنا فإن حركة طالبان، بطبيعة الحال، حلت محل الشيوعيين بمباركة القوى الإمبريالية. لا نتحدث هنا عن انهيار جدار برلين أو ما يسمى بالأنظمة “الاشتراكية”.
وقد كتب عزيز بلال “إن العراقيل التي تعاني منها مجتمعاتنا، ليست فقط، عراقيل ذات طبيعة سوسيو- اقتصادية (…) لكن أيضا، على مستوى البنية الفوقية، هي عراقيل ذات طبيعة سياسية، وأيديولوجية وثقافية”.
إن تحقيق التغيير والتقدم، يمر بالضرورة غبر تجاوز تلك العراقيل، من أجل تحرير المبادرات، لأن جزء مهما من الساحة الأيديولوجية والثقافية، لازالت تستحوذ عليها تيارات ذات جوهر سلبي والتي اختزلها عزيز بلال في ثلاث تيارات: التيار “الماضوي” الذي يدعو للعودة إلى المصادر. التيار الحداثي التقنوقراطي الذي يدعي محاكاة العالم الرأسمالي. التيار “العدمي” الذي لا يتقن سوى الإسهاب في الكلام.
مع الأسف، نلاحظ بقوة أن التيارات الرجعية والماضوية باستفادتها من الأزمة الرأسمالية، ومن فشل نظام التعليم، ومن “الربيع العربي”، اكتسبت المزيد من المساحات على المستوى الأيديولوجي، وهو ما يفرض مسؤولية جسيمة على القوى المتنورة في المجتمع.
إن مهمة تحقيق التنمية الحقيقية التي تكون في خدمة الإنسان، والتنمية كما حددها عزيز بلال، أصبحت مهمة مستعجلة وآنية. فقد قدم لنا الراحل، في نفس الوقت، نظرية وممارسة ثورية. ويبقى لنا، أن نكون في مستوى تحقيق تطلعاته.
لكم من المؤسف، أن منشورات عزيز بلال غير معروفة بالنسبة للأجيال الجديدة من دارسي العلوم الاقتصادية، لأن كليات العلوم الاقتصادية تحولت إلى كليات للتدبير دون أن ترك المجال لدراسة نظريات التنمية، ولا لدراسة تاريخ الفكر الاقتصادي، بالإضافة إلى فسح المجال لدراسة الحقائق الاقتصادية والإبستيمولوجيا.
وإذا كان هناك من إصلاح للتعليم العالي، فيتعين، أن يبدأ بالضرورة، بإعادة النظر في تلك المواد “المحظورة” من المقرر الجامعي والتي تشكل مهدا للأيديولوجية الظلامية والرجعية !! ، على اعتبار أن ذلك ينعكس على جودة تكوين خريجي الجامعات الذين باتوا منفصلين عن واقعهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
إن الجامعة المغربية، ستستفيد كثيرا، من خلال التعريف بأعمال عزيز بلال، وتدريسها للطلاب، ليس فقط، مساهمته العلمية، ولكن أيضا، التزامه السياسي، باعتباره مفكرا قدم خدمات لوطننا ولشعبنا.
أليس من المفيد، في هذه الأوقات المتسمة بعدم اليقين، وفقدان البوصلة، إعادة الإشعاع لمفكرينا والاستلهام من قوتهم الفكرية، من أجل السير على النهج الذي رسموه، ومن أجل إثراء هذه التجربة الجماعية على نطاق واسع.
إلى جانب عزيز بلال ، يتبادر إلى الذهن العديد من المفكرين البارزين والمرموقين، في مختلف التخصصات والمجالات، ألا تستحق هذه الشخصيات العلمية والأكاديمية، أن توضع أسماؤها، على الأقل، على مداخل المدرجات الجامعية، والقاعات الدراسية، ومراكز البحث، كما هو معروف بالنسبة للدول التي تحترم علمائها؟ ليس لنا الحق في نسيانهم، لأن الأمر يتعلق بالذاكرة الجماعية لشعبنا.
. وإذا كان هناك أي إصلاح في التعليم العالي ، فلا بد أن يبدأ بإعادة تأهيل المواد المحظورة من البرامج الجامعية ، مما يجعل السرير من أيديولوجيات الظلامية والرجعية !! وقد كان لذلك تداعيات على جودة تدريب الخريجين المنفصلين بشكل أساسي عن واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

<بقلم: د عبد السلام الصديقي

Related posts

Top