> بقلم: الحسين الشعبي
منذ مساء الجمعة 5 فبراير 2016، ساد السواد في كل المسارح برحيل الفنان الفذ أحد ملوك المسرح الحديث والمعاصر، في المغرب وفي العالم، الأيقونة الطيب الصديقي.. ستائر الحداد تكسو كل الخشبات ودور العرض، هنا بالمغرب وخارجه.. كل الملابس والديكورات والأكسسوارات والستائر وأبهاء الكواليس وجنبات الحديقة والساحة بكل أشكالها وألوانها وكائناتها وأرواحها تعرفه جيدا، وهي الآن تغرق في بحر من السواد ويملؤها الأسى ويطبعها الحزن جراء فقدان أحد فرسانها المعاصرين الذي كان يركض ببهاء في كل فضاءاتها، وكان يملأها ويغطيها بالكلمة الصادقة الحرة، وبالجسد المطواع الناطق بالجمال والتعبير السلس، وبالألوان التشكيلية والحروفية والصورية التي تهيمن في كل المشاهد التي يوقعها المبدع الخلاق والمهندس العملاق الفنان الطيب الصديقي…
كشافات الإنارة تأبى أن تشتعل، وأسطوانات الموسيقى أصيبت بالبكم، كل اللغات انخرطت في صمت مهول، ووقف الممثلون وحدهم يصلون قداس الوداع في مشهد مسرحي لم يوقعه الراحل.. كانت صلاة بالروح والجسد في خشوع ملحمي صامت..
كل الأركان والمساحات الركحية تتذكر وتستحضر وتتمثل حوارات ومشاهد من الريبرتوار الغني والمتميز للراحل، فهو الممثل الذي يملأ الخشبة زئيرا كأسد منتفض، وهو المخرج الذي يمسك ويحرك بسلاسة وذكاء خيوط الحكاية، وهو السينوغراف الذي يهندس معمار الحقل المرئي للمتفرج، هو المايسترو الذي يقود الجوقة بعصا سحرية في تناغم منقطع النظير… وهو أولا وأخيرا فيلسوف المسرح المجتهد الجريء الذي خلخل مقاييس الفرجة وزعزع سكونية المشهد السائد في المسرح العربي، وتجاوز التكريس بالتغيير، وسافر بنفس طويل في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية والإنسانية..
منذ أن صار يعي دور المسرح وانجذب لساحريته بشكل لا رجعة فيه، وهو في ريعان شبابه، انتبه الطيب الصديقي إلى ضرورة القيام بزيارة للمسرحيين الكبار في العالم، فقرأ نصوصا وتشبع بأساليب واكتشف تقنيات الدراما.. فكان موليير، وكان غولدوني، وكان بومارشي، وشكسبير، ويوجين يونسكو، وصامويل بيكيت ـ وغيرهم كثير ـ “مدرستي الأولى في معرفة المسرح، ومعرفة أشكال بناء الحوار والشخصيات والفرجة”، كما يقر بذلك الراحل في أحد استجواباته الموثقة.
لكن هذا الارتواء من معين المسرح الغربي لم يكن ليستهويه كثيرا، ولم يكن ليغريه إلى درجة الاستيلاب، إذ أصر المبدع الصديقي على أن يخوض غمار البحث في إمكانيات تأصيل المسرح المغربي والعربي بعيدا عن التقليد.. “أيقنت، يقول الراحل، أنه لا يمكن إنجاز مسرح مغربي وعربي بالتقليد، أو البقاء تحت رحمة المعرفة المسرحية الغربية بشكل مطلق”.. وكأنه يحذر المغاربة بأنه لا يمكن لهم أن يتقنوا التعامل مع موليير أحسن من الفرنسيين، ولا أن يحسنوا التعاطي مع شكسبير أكثر من الإنجليز.. من ثمة، وانطلاقا من هذه القناعة، انكب على سبر أغوار المتن الثراثي المغربي والعربي والإسلامي في مختلف الأشكال السردية والحكائية والأدبية والتاريخية، من مقامات وأشعار وقصائد الملحون وفلسفة المتصوفة.. فجاءت وتولدت نصوص وعروض مسرحية من العيار الثقيل من قبيل “ديوان سيدي عبد الرحمان المجدوب”، و”مقامات بديع الزمان الهمداني”، و”الفيل والسراويل”، و”الحراز” و”الإمتاع والمؤانسة”، و”مومو بوخرصة”، و”جنان الشيبة” وكل “البساطات” التي استلهمت فنون القول والحكي واللعب من البساط وسلطان الطلبة والحلقة ومختلف التعبيرات الدرامية المستقاة من الفرجات الشعبية التقليدية..
ولم ينحصر بحثه المتواصل والجريء في حدود النص المنطوق فقط، بل تعداه إلى النبش والحفر في الذاكرة البصرية للمتفرج المغربي والعربي.. على مستوى الأزياء والأكسسوارات والمعمار، فأنشأ الطيب مدرسته القائمة الذات باستحضاره للأيقونات والعلامات الجمالية والفنية القديمة من رسومات ومنمنمات وزركشات وأقواس وقبعات.. واستنطق فن الحروفية والكاليغرافية العربية والنحث والفنون التشكيلية.. بالإضافة إلى حرصه على التنويع في رسم معالم مختلفة للفرجة إلى جانب التمثيل واللعب… بحيث كان مصرا على إدماج عنصر المرح والسخرية والكوميديا، وكذلك فرجة الغناء والموسيقى والإنشاد والرقص، ناهيك عن إيمانه الراسخ بأن المسرح عالم من الدهشة والعجائبية.. انطلاقا من مفهومه للمسرح المرتكز أساسا على عنصر المشاهدة، لأن “العين، في نظره، هي أساس النظر، والنظر في المسرح أهم من السمع”..
هذه المدرسة التعبيرية التي أنشأها الطيب الصديقي، جعلته بالفعل مرجعا يعتد به من طرف الجميع، فأغلب الممثلين والمخرجين خرجوا من معطف الصديقي، وأغلب النقاد والباحثين تناولوا مسرح الصديقي بالدراسة والتحليل، ويعد الصديقي المسرحي العربي الأكثر تداولا في العالم العربي والعالم.. فلا غرابة إن علمنا أن خيرة الممثلين الرواد اشتغلوا تحت إدارة المعلم الطيب الصديقي، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر أسماء من طراز ثريا جبران، ومصطفى سلمات، وعبد اللطيف هلال، ومحمد مفتاح، ونعيمة المشرقي، وحسن الصقلي، وحميد الزوغي، ومصطفى الزعري.. كما أبى الصديقي، وهو في عز مجده، إلا أن يتعامل مع الممثلين الشباب من خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ويحتضنهم على عكس آخرين الذين نصبوا أنفسهم أعداء لهذا المعهد وأساتذته وخريجيه..
مدرسة الصديقي جعلت كثيرا من المخرجين والفرق المسرحية من خارج المغرب يتزاحمون على أجندته ليحظوا بتوقيعه وصداقته والتعامل معه فنيا.. فأخرج مسرحية “رسالة الغفران” للكاتب التونسي عز الدين المدني، ومسرحية “النقشة” للجزائري أحمد اكومي، ومسرحية “الفيل والسراويل” لمسرح بيت الكرمة من فلسطين، ومسرحية “ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ” مع فرقة “الممثلون العرب” مع الفنانة نضال الأشقر، كما تعامل مع الفنان التونسي سمير العيادي، ورجاء فرحات، وشريف خزندار، والفريد فرج وكرم مطاوع.
الصديقي، الشاعر والممثل والكاتب والمخرج المسرحي والسينمائي والفنان التشكيلي.. هو مجذوب هذا العصر الذي صنع مسرحا مغربيا حقيقيا، هو رمز للعز والكرامة والشموخ، فيه تلتئم كل عناصر الجنون الإبداعي، وفيه تجتمع كل مواصفات العبقري اللامع، هو المغربي الذي استطاع تمثل عمق الإنسية المغربية “تامغربيت” التي أهلته ليحلق بالمسرح المغربي في سماء العالمية..
ربما لا يسع المجال، في هذا الحيز، لذكر كل شيء.. لكن لا يستقيم ختام هذا المقال من دون ذكر الغصة التي كانت تتدبدب في حنجرته، حناجرنا جميعا، وهي حلمه الذي لم يتحقق وهو على قيد الحياة، الحلم المعلمة، مسرح موغادور.. فهل يستعصي على المغرب بناء أو استكمال بناء هذه المعلمة؟ ربما سيكون في هذا المنجز جميل العرفان لهذه القامة الشامخة، وأكبر تكريم لعميد المسرح المغربي الحقيقي الطيب الصديقي..
مات عميد المسرح المغربي الحقيقي المبدع الطيب الصديقي

الوسوم