اجتهادات محكمة النقض المغربية -الحلقة 12-

الموضوع: تفعيل الصلح بدل العقاب

دأبت محكمة النقض المغربية، باعتبارها أعلى محكمة قضائية، مع افتتاح كل سنة قضائية، عن الإعلان عن اجتهادات جديدة.
وفي هذا الإطار، أصدرت محكمة النقض في السنوات الأخيرة، مجموعة من القرارات، تخص مواضيع مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع وحماية المال العام، وحماية الحق في الصحة والتعليم وضمان الأمن الأسري وحماية المصلحة الفضلى للطفل؛ ناهيك عن تكريس الأمن التعاقدي والتجاري والعقاري وإيجاد التوازن في علاقات الشغل وقضايا التأمين، وضبط مفاهيم هامة كحماية المستهلك وملك الدولة.
.وفي إطار التمييز بين الحق في ممارسة الحريات العامة وبين واجب الانضباط لشروط العمل، أيدت محكمة النقض قرار محكمة الموضوع التي اعتبرت مغادرة الأجيرة لعملها بعدما تم منعها من الدخول بسبب ارتدائها سترة للوجه داخل المؤسسة، ما يحول دون التحقق من هويتها ويخالف النظام الداخلي، مغادرة تلقائية وليس فيه أي تمييز أو خرق لحق دستوري.
وحماية للمال العام وضمانا للمساواة في مجال الصفقات العمومية، فقد اعتبرت محكمة النقض، أن آجال تنفيذ الصفقات، تشكل عنصرا أساسيا من العناصر المحددة لعروض المتنافسين في ولوج الطلبات العمومية أثناء إعداد تعهداتهم، وان عدم تنفيذها يمس بالأسس التي قامت عليها المنافسة.  وفي نفس السياق وضمانا لحقوق المقاولات التي تتعامل مع المؤسسات من خلال الصفقات العمومية، فقد أيدت محكمة النقض الاتجاه الذي أعطى للمقاولة الحق في تسلم مستحقاتها من الوكالة صاحبة المشروع والتي لا تنكر تسلمها الأشغال موضوع النزاع واستفادتها منها، مستندة في ذلك على نظرية الإثراء بلا سبب.
 وبنفس المقاربة الحمائية للمال العام، فقد اعتبرت محكمة النقض، أن رسوم المحافظة العقارية، رسوم شبه ضريبية لا إعفاء منها، إلا بنص القانون وأن إعفاء المكتب الوطني للسكك الحديدية من أداء الرسوم المتعلقة بالتقييدات، التي تجرى على الصك العقاري قياساعلى المادة 23 من قانون المالية لسنة 2005، يبقى غير مرتكز على أساس قانوني سليم. وتعميما للفائدة، سنعمل طيلة شهر رمضان الأبرك، على نشر يوميا أحد الإجتهادات القضائية لمحكمة النقض سواء في المادة الجنائية أو المدنية أو الإدارية بالإضافة لاجتهادات أخرى تخص بعض محاكم الاستئناف.

الصلح في قضايا تعاطي المخدرات في النيابة العامة بالسمارة

في موقف لافت وغير مسبوق، قررت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالسمارة، إجراء صلح في قضية تتعلق بتعاطي المخدرات، واقترحت على عدد من المشتبه في تعاطيهم للمخدرات أداء نصف المبلغ المالي المحدد للغرامة، مقابل اشهاد رئيس المحكمة على عملية الصلح.

الصلح في قانون المسطرة الجنائية

يسمح قانون المسطرة الجنائية بإجراء صلح في بعض الجنح، حيث ينص على أنه يمكن للمتضررأو المشتكى به قبل إقامة الدعوى العمومية، وكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل، أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5.000 درهم، أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما في محضر. وفي حالة الموافقة، وتراضي الطرفين على الصلح، يحرر وكيل الملك محضرا بحضورهما وحضور دفاعهما، ما لم يتنازلا أو يتنازل أحدهما عن ذلك، ويتضمن هذا المحضر ما اتفق عليه الطرفان.

ويحيل وكيل الملك محضر الصلح على رئيس المحكمة الابتدائية ليقوم هو أو من ينوب عنه بالتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والطرفين أو دفاعهما بغرفة المشورة، بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن.
يتضمن الأمر القضائي ما اتفق عليه الطرفان، وعند الاقتضاء ما يلي:

  • أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا،
  • تحديد أجل لتنفيذ الصلح…”

 عوائق تحول دون تطبيق الصلح أمام النيابة العامة

وضعت مسطرة الصلح في قانون المسطرة الجنائية بهدف تخفيف العبء على المحاكم، وذلك من خلال إعمال العدالة التصالحية في بعض القضايا البسيطة وبشروط وإجراءات معينة.

لكن تطبيقها على أرض الواقع، أفرز العديد من الإشكاليات التي تعود أساسا الى غموض المقتضيات القانونية المنظمة لها، وتعقيدات إجرائها، فمن جهة أولى، صيغت المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية بشكل يوحي بضرورة تواجد متضرر في الجريمة التي يراد إجراء الصلح بشأنها، مما يعني استبعاد الجنح التي لا يكون فيها أي متضرر معلوم ومن بينها قضايا تعاطي المخدرات، ومن جهة ثانية، فإن اجراء مسطرة الصلح يتطلب تدخل النيابة العامة ومؤسسة رئاسة المحكمة مما يؤدي إلى تعقيد المسطرة وبطئها بشكل لا يتماشى مع الهدف المتوخى من إقرارها.

قانون زجر الإدمان على المخدرات ووقاية المدمنين هل من مجال لإجراء الصلح؟    

يعاقب الفصل 8 من قانون زجر الإدمان على المخدرات ووقاية المدمنين بالحبس من شهرين الى سنة، وغرامة تتراوح بين 500 و5000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، كل من استعمل بصفة غير مشروعة إحدى المواد أو النباتات المعتبرة كمخدرات بهدف الاستهلاك.

ونص هذا القانون وبشكل صريح على أن “المتابعات الجنائية لا تجري إذا وافق مرتكب الجريمة بعد فحص طبي يطلب النيابة العامة على الخضوع خلال المدة اللازمة لشفائه إلى علاجات القضاء على التسمم التي تقدم إما في مؤسسة علاجية وإما في مصحة خاصة تقبلها وزارة الصحة”.
وقد تم تنظيم هذه المقتضيات بإجراءات من بينها:

  • قيام طبيب تعينه النيابة العامة بفحص الشخص الذي يباشر علاجه كل 15 يوما؛
  • إمكانية السماح للقاصرين بالعلاج داخل الوسط العائلي في بعض الحالات الاستثنائية بقرار لوزير العدل؛
  • إذا عاد الشخص المعالج خلال الثلاث سنوات الموالية لشفائه إلى ارتكاب جنحة استعمال المخدرات أو ترويجها تجري المتابعة الجنائية في حقه بخصوص الأفعال السابقة، والفعل الجديد؛
  • يمكن لقاضي التحقيق تطبيق المقتضيات المتعلقة بعلاج مستهلكي المخدرات بعد استشارة النيابة العامة.

توجه جديد للنيابة العامة بالمغرب في قضايا تعاطي المخدرات الصلح بدل العقاب

من الناحية العملية، لا تلجأ النيابات العمومية إلى إخضاع المتعاطين للمخدرات للعلاج، وتكتفي بتحريك المتابعات الجنائية في حقهم، حيث تتم معاقبتهم بعقوبات سالبة للحرية وبغرامات نافذة أو موقوفة التنفيذ. وقد يشكل قرار النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالسمارة بداية تحول في طريقة تعامل القضاء مع هذا النوع من القضايا؛ بتفعيل الصلح بدل العقاب.

> إعداد: حسن عربي

Related posts

Top