اجتهادات محكمة النقض المغربية -الحلقة 14-

الموضوع: حق الأطفال الأجانب المزدادين في المغرب في الحصول على شهادة ميلاد

 دأبت محكمة النقض المغربية، باعتبارها أعلى محكمة قضائية، مع افتتاح كل سنة قضائية، عن الإعلان عن اجتهادات جديدة.
وفي هذا الإطار، أصدرت محكمة النقض في السنوات الأخيرة، مجموعة من القرارات، تخص مواضيع مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع وحماية المال العام، وحماية الحق في الصحة والتعليم وضمان الأمن الأسري وحماية المصلحة الفضلى للطفل؛ ناهيك عن تكريس الأمن التعاقدي والتجاري والعقاري وإيجاد التوازن في علاقات الشغل وقضايا التأمين، وضبط مفاهيم هامة كحماية المستهلك وملك الدولة.
.وفي إطار التمييز بين الحق في ممارسة الحريات العامة وبين واجب الانضباط لشروط العمل، أيدت محكمة النقض قرار محكمة الموضوع التي اعتبرت مغادرة الأجيرة لعملها بعدما تم منعها من الدخول بسبب ارتدائها سترة للوجه داخل المؤسسة، ما يحول دون التحقق من هويتها ويخالف النظام الداخلي، مغادرة تلقائية وليس فيه أي تمييز أو خرق لحق دستوري.
وحماية للمال العام وضمانا للمساواة في مجال الصفقات العمومية، فقد اعتبرت محكمة النقض، أن آجال تنفيذ الصفقات، تشكل عنصرا أساسيا من العناصر المحددة لعروض المتنافسين في ولوج الطلبات العمومية أثناء إعداد تعهداتهم، وان عدم تنفيذها يمس بالأسس التي قامت عليها المنافسة.  وفي نفس السياق وضمانا لحقوق المقاولات التي تتعامل مع المؤسسات من خلال الصفقات العمومية، فقد أيدت محكمة النقض الاتجاه الذي أعطى للمقاولة الحق في تسلم مستحقاتها من الوكالة صاحبة المشروع والتي لا تنكر تسلمها الأشغال موضوع النزاع واستفادتها منها، مستندة في ذلك على نظرية الإثراء بلا سبب.
وبنفس المقاربة الحمائية للمال العام، فقد اعتبرت محكمة النقض، أن رسوم المحافظة العقارية، رسوم شبه ضريبية لا إعفاء منها، إلا بنص القانون وأن إعفاء المكتب الوطني للسكك الحديدية من أداء الرسوم المتعلقة بالتقييدات، التي تجرى على الصك العقاري قياساعلى المادة 23 من قانون المالية لسنة 2005، يبقى غير مرتكز على أساس قانوني سليم. وتعميما للفائدة، سنعمل طيلة شهر رمضان الأبرك، على نشر يوميا أحد الإجتهادات القضائية لمحكمة النقض سواء في المادة الجنائية أو المدنية أو الإدارية بالإضافة لاجتهادات أخرى تخص بعض محاكم الاستئناف.

محكمة الرباط تقرّ مبدأ عدم التمييز في تسجيل ولادات الأجانب: تطبيق آخر لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل

أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط، مؤخرا حكما مبدئيا، يقر حق الأطفال الأجانب المزدادين في المغرب في الحصول على شهادة ميلاد لتسجيلهم في سجلات الحالة المدنية بغض النظر عن الوضعية القانونية لوالديهم.

القرار يعكس من جهة أولى تطورا في حق اللجوء إلى القضاء خاصة بالنسبة لبعض الفئات المهمشة وعلى رأسها الأجانب المنتمين إلى بلدان أفريقيا جنوب الصحراء المقيمين بطريقة غير نظامية، والذين يواجهون عدة  مشاكل  في الحصول على الوثائق الإدارية اللازمة لتسوية وضعيتهم، كما أنه يعكس من جهة ثانية تطورا في إعمال القضاء المغربي للاتفاقيات الدولية، حيث طبق القرار القضائي وبشكل صريح مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها والمنشورة بالجريدة الرسمية على القانون الداخلي، مؤكدا على مبدئين أساسيين هما المصلحة الفضلى للطفل، وحظر التمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو أي اعتبار آخر.

ملخص القضية

تتلخص وقائع القضية في أن مواطنة تنحدر من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وضعت حملها في إحدى المستشفيات العمومية بمدينة الرباط، وتفاجأت بامتناع إدارة المستشفى عن تسليمها شهادة الولادة، بعلة عدم أدائها لمصاريف الاستشفاء.

فتقدمت بدعوى أمام المحكمة الإدارية بالعاصمة الرباط، أكدت فيها أن هذا المنع ترتب عنه حرمان مولودها من الحق في الهوية، حيث تعذر عليها تسجيله بسجلات الحالة المدنية، مؤاخذة على القرار اتسامه بتجاوز السلطة لوروده مشوبا بعيب مخالفة القانون، والتمست من المحكمة إلغاء القرار، مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية.وأدلت إدارة المستشفى العمومي بمذكرة ؤجوابية التمست فيها رفض الطلب بعلة انعدام الإثبات.

موقف المحكمة

بتاريخ 12/02/2019، أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط حكمها بقبول طلب المدعية، وإلغاء قرار إدارة المستشفى المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية. وقد اعتمدت المحكمة في تعليل حكمها وبشكل لافت على مقتضيات اتفاقية حقوق الطفل، مؤكدة على أن “الحق في الهوية والاسم هو من الحقوق الأساسية للطفل المضمونة بمقتضى الاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية حقوق الطفل، والتي أكدت على أهمية تسجيل الولادة لإثبات الوجود القانوني لكل فرد، وبالتالي ضمان تمتعه بالحقوق المكفولة له، من قبيل الحق في الجنسية والهوية والتسجيل في الحالة المدنية. فقد نصّت الاتفاقية المذكورة في مادتها السابعة في فقرتها الأولى على أنه يسجل الطفل بعد ولادته فورا ويكون له الحق مند ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية ويكون له قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما.”

كما اعتمدت على كون “الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة المغربية والمنشورة بالجريدة الرسمية تكتسي طابع الإلزام الذي للتشريع الوطني، بل وتطبق بالأولوية في حال تعارضها مع التشريع الداخلي، انطلاقا من مقتضيات الدستور التي أكدت التزام بلادنا بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها دوليا”.

واستندت المحكمة أيضا على مقتضيات قانون الحالة المدنية الذي “يكفل الحق في الاسم والهوية، والوثائق الإدارية التي تثبتها”، و”نطاق تطبيقه يشمل المغاربة والأجانب على حد سواء، بصريح المادة 3 منه، التي جاء فيها أنه يخضع لنظام الحالة المدنية بصفة إلزامية جميع المغاربة كما يسري نفس النظام على الأجانب بالنسبة للولادات والوفيات التي تقع فوق التراب الوطني”، كما أن “من شروط الاستفادة من نظام الحالة المدنية تعزيز التصريح بالولادة بشهادة تثبت هذه الولادة يسلمها الطبيب المولد أو المولدة الشرعية، أو السلطة المحلية.”

وخلافا لما دفعت به إدارة المستشفى المدعى عليها، من كون ملف القضية خاليا من الإثبات، اعتمدت المحكمة على نسخة من مستخرج سجل الولادة تبين أن المدعية وهي من دولة الكونغو وضعت حملها بمستشفى الولادة بتاريخ 17/11/2016، وولد لها مولود من جنس ذكر على الساعة الثامنة مساء.

وعليه، خلصت المحكمة إلى أن ” تقاعس إدارة المستشفى الذي وضعت فيه المدعية مولودها عن تسليمها شهادة الولادة بغض النظر عن أي مبرر مرتبط بعدم القدرة على دفع مصاريف الولادة أو غيره، يتنافى مع القانون المنظم للحالة المدنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ويشكل مساسا بالحقوق الأساسية التي تكفلها هذه المقتضيات القانونية، سواء للمغاربة أو للأجانب على حد سواء، وخاصة مبدأ تقديم مصلحة الطفل باعتبارها مصلحة فضلى أولى بالرعاية والاحترام أكثر من أي التزام قانوني آخر، وكذا مبدأ عدم التمييز بسبب الجنس أو العرق أو الدين، ويجعل رفضها تسليم هذه الشهادة قرارا سلبيا مشوبا بعيب مخالفة القانون الموجب لإلغائه وترتيب الآثار القانونية على ذلك”.

> إعداد: حسن عربي

Related posts

Top