اجتهادات محكمة النقض المغربية -الحلقة 15

الموضوع: مصير مولود ازداد بالمغرب من أبوين مهاجرين بطريقة غير شرعية

دأبت محكمة النقض المغربية، باعتبارها أعلى محكمة قضائية، مع افتتاح كل سنة قضائية، عن الإعلان عن اجتهادات جديدة.
وفي هذا الإطار، أصدرت محكمة النقض في السنوات الأخيرة، مجموعة من القرارات، تخص مواضيع مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع وحماية المال العام، وحماية الحق في الصحة والتعليم وضمان الأمن الأسري وحماية المصلحة الفضلى للطفل؛ ناهيك عن تكريس الأمن التعاقدي والتجاري والعقاري وإيجاد التوازن في علاقات الشغل وقضايا التأمين، وضبط مفاهيم هامة كحماية المستهلك وملك الدولة.
.وفي إطار التمييز بين الحق في ممارسة الحريات العامة وبين واجب الانضباط لشروط العمل، أيدت محكمة النقض قرار محكمة الموضوع التي اعتبرت مغادرة الأجيرة لعملها بعدما تم منعها من الدخول بسبب ارتدائها سترة للوجه داخل المؤسسة، ما يحول دون التحقق من هويتها ويخالف النظام الداخلي، مغادرة تلقائية وليس فيه أي تمييز أو خرق لحق دستوري.
وحماية للمال العام وضمانا للمساواة في مجال الصفقات العمومية، فقد اعتبرت محكمة النقض، أن آجال تنفيذ الصفقات، تشكل عنصرا أساسيا من العناصر المحددة لعروض المتنافسين في ولوج الطلبات العمومية أثناء إعداد تعهداتهم، وان عدم تنفيذها يمس بالأسس التي قامت عليها المنافسة.  وفي نفس السياق وضمانا لحقوق المقاولات التي تتعامل مع المؤسسات من خلال الصفقات العمومية، فقد أيدت محكمة النقض الاتجاه الذي أعطى للمقاولة الحق في تسلم مستحقاتها من الوكالة صاحبة المشروع والتي لا تنكر تسلمها الأشغال موضوع النزاع واستفادتها منها، مستندة في ذلك على نظرية الإثراء بلا سبب.
 وبنفس المقاربة الحمائية للمال العام، فقد اعتبرت محكمة النقض، أن رسوم المحافظة العقارية، رسوم شبه ضريبية لا إعفاء منها، إلا بنص القانون وأن إعفاء المكتب الوطني للسكك الحديدية من أداء الرسوم المتعلقة بالتقييدات، التي تجرى على الصك العقاري قياساعلى المادة 23 من قانون المالية لسنة 2005، يبقى غير مرتكز على أساس قانوني سليم. وتعميما للفائدة، سنعمل طيلة شهر رمضان الأبرك، على نشر يوميا أحد الإجتهادات القضائية لمحكمة النقض سواء في المادة الجنائية أو المدنية أو الإدارية بالإضافة لاجتهادات أخرى تخص بعض محاكم الاستئناف.

قرار قضائي يقرّ حق أبناء المقيمين غير النظاميين في المغرب بالتسجيل

قضت المحكمة الابتدائية بمدينة الناظور (شرق البلاد)، بوجوب تسجيل مولود ازداد بالمغرب من أبوين مهاجرين بطريقة غير شرعية، وذلك في سجلات الحالة المدنية. وبحسب متتبعين، فإن الحكم يعد سابقة من نوعه في تاريخ المحاكم المغربية، إذ سيؤدي في حالة تبنيه من طرف باقي المحاكم إلى تغيير مهم على مستوى واقع اندماج المهاجرين الأفارقة بالمغرب.

ملخص القضية

بتاريخ 2018/01/15 رفع والد الطفل أياري دعوى قضائية لتسجيل ابنه المولود بمدينة الناظور، وهي مدينة حدودية تعرف توافد كثير من المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء قصد الهجرة بطريقة غير شرعية إلى مدينة مليلية المحتلة من طرف اسبانيا، بدعم من فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، و ذلك بعدما رفضت السلطات الإدارية بالمدينة قبول تسجيله، بعلة أنه مقيم بطريقة غير شرعية بالمغرب ولا يتوفر على محل إقامة معروفة بالمدينة.

وبتاريخ 2018/01/16 أصدر القاضي محمد البقالي حكمه الذي استجاب فيه للطلب، وقضى بتسجيل الطفل أياري في سجلات الحالة المدنية بالمدينة، معتمدا على الحيثيات التالية:

  “حيث ثبت من وثائق الملف أن الولادة تمت داخل دائرة نفوذ المحكمة، ولم يتم تسجيلها بسجلات الحالة المدنية لمحل وقوعها، كما أنه لم يتم التصريح بها داخل الأجل القانوني؛ وحيث أن النظام العام يقتضي تسجيل كل ولادة بسجلات الحالة المدنية لمكان وقوعها؛ وحيث أنه تبعا لما ذكر أعلاه، يتعين التصريح بهذه الولادة وفق البيانات الواردة بمنطوق الحكم”.

هل يضع الحكم حدا لمعاناة المهاجرين غير الشرعيين بالمغرب؟

أكد عمر الناجي رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور سعادته بالحكم الأول من نوعه الصادر في هذا الموضوع والذي وصفه بالتاريخي، رغم يقينه بأن وضعية المهاجرين لا تزال هشة ومثيرة للقلق. وقال الناجي في تصريح لوسائل إعلام محلية إن هذا الحكم يعتبر تتويجا لحركة الترافع الواسعة التي تقوم بها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والتي تعتمد على رصد الحالات المماثلة التي تمتنع فيها السلطات الإدارية عن تسجيل أبناء المهاجرين غير الشرعيين في المغرب، والتعريف بها. كما أن الحكم يعبر عن جانب إنساني كبير في شخصية القاضي، على اعتبار أن الطفل اياري كان سيحرم من أبسط حقوقه لو تم الامتناع عن تسجيله في سجلات الحالة المدنية، وأبسطها الحق في التطبيب والتعليم. واعتبر أن هذا الحكم قد يكون قاطرة لتحسين وضعية أطفال المهاجرين في كل المدن المغربية لو تم تعميمه، خاصة أن الأطفال الموجودين في هذه الوضعية يعانون من غياب شواهد الازدياد وهو ما يحرمهم من عدد كبير من الخدمات العمومية.

من جهته، قال المحامي والحقوقي هشام لمليح، إن هذا الاجتهاد القضائي من شأنه حل مشاكل الكثير من المهاجرين المقيمين بطريقة غير شرعية في المغرب. وأشاد في تصريح للمفكرة القانونية، بما وصفه بـ”الخطوة الجريئة” لمحكمة الناظور الابتدائية. وأبدى المتحدث أمله في أن لا يتم إلغاء هذا القرار التاريخي من طرف محكمة الاستئناف أو محكمة النقض، في حال استئنافه من طرف النيابة العامة. وعلق بالقول: “الأصل أن نسهل على الناس حياتهم، وليس تعقيدها بدعوى تطبيق القانون، لأن الطفل لا ذنب له في وضعية أبويه القانونية، وواجبنا تجاهه أن نضمن له حق التسجيل في السجلات المدنية، مما سيمكنه من ولوج أسلاك التعليم وغيرها من الخدمات العمومية وحتى الخاصة”.

وتجدر الإشارة، إلى أن العاهل المغربي، محمد السادس،كان قد أطلق عام 2016، المرحلة الثانية لتسوية وضعية المهاجرين الأجانب، خاصة المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يوجدون بشكل غير قانوني بالتراب المغربي. ولم تعلن السلطات الرسمية عن عدد المهاجرين الذين تمت تسوية وضعياتهم خلال المرحلة الثانية، في حين بلغ عدد من تمت تسوية أوضاعهم في المرحلة الأولى عام 2014 حوالي 25 ألف شخص.

مطالب حقوقية عاجلة لتسوية أوضاع المهاجرين جنوب الصحراء،وتطالب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الدولة بتبني سياسة للهجرة تتجاوز المقاربة الأمنية المنتهجة حاليا، تقوم على احترام حقوق الإنسان، والتخلي عن كل الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف المتعلقة بالهجرة، التي تنعدم فيها ضمانات حقوق الإنسان، سواء مع الاتحاد الأوروبي أو مع أية دولة أخرى؛ كما تطالب بوقف كل أشكال العنف والاحتجاز التعسفي والترحيل القسري والضمان الفعلي للحقوق الأساسية للمهاجرين، بما يضمن لهم الاستقرار والحق في التنقل، والشغل والتعليم والصحة والسكن اللائق. وفي نفس السياق، تطالب الجمعية ومعها عدد من المنظمات الحقوقية بالإسراع بإقرار قانون جديد للهجرة واللجوء يتلاءم مع المواثيق الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية بشأن حماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم، واتفاقية جنيف لحقوق اللاجئين؛ وجعل حد لكل أشكال القمع والإهانات والحط من الكرامة، وكذا التحريض على الكراهية والعنصرية والتمييز التي يتعرض لها المهاجرون الأفارقة من جنوب الصحراء.

> إعداد: حسن عربي

Related posts

Top