الأوبئة والتاريخ، القوة والامبريالية -الحلقة 14-

يفتح هذا الكتاب القيم عين القارئ على بعض من تاريخ الطب وعلم الأوبئة، وعلاقة الانتشار الوبائي بجشع الإمبريالية والحركة الاستعمارية. ويبين شلدون واتس مؤلف الكتاب، كيف استخدمت قوى الاستعمار مفهوم “مقاومة الأمراض الوبائية” ليسهل أمامها اختراق دول أفريقيا وآسيا والأميركيتين. ولم تكن نشأة المؤسسات الطبية الغربية خارجة عن هذا السياق العام الذي يحكمه منطق القوة وسيطرة القوى الاستعمارية على شعوب العالم. يجد قارئ بيان اليوم في هذا الكتاب تفاصيل مذهلة تؤكد في مجملها ارتباط مفهوم “مقاومة الأوبئة” بغايات استعمارية.

الأصول الفكرية لقواعد المنهج التجريبي :

كان ابتكار علم الأوبئة العربي وإجراءات مقاومتها، وتأسيس النظرية العامة للعدوى منذ عصر الرازي من القرن العاشر الميلادی – نتيجة مباشرة لابتكار أخر لا يقل عنه أهمية وهو تأسيس قواعد المنهج التجريبي. فقواعد البرهان كما بلورها ابن الخطيب في رسالته المنطقية تقوم على التجربة والاستقراء والحس والمشاهدة . وبذلك فإن النموذج الذي قام علية المنهج التجريبي في العلم العربي يناقض نموذج العلم اليوناني الذي يقوم على العقل الخالص، والأفكار المجردة، والمثل العقلية، كما وضحها أفلاطون في نظرية “المثل”. كما أن تلك القواعد تتعارض من جهة أخرى مع ترتيب الموجودات في هذا العالم حسب قربها أو بعدها من العقل الأول أو الواحد، فهناك السامي من هذه الموجودات الذي يستحق النظر والاعتبار، كما أن هناك المتدنی والحقير والدنس والذي لا يستحق النظر والملاحظة، كما عبر عن ذلك أفلوطين. فحسب قواعد المنهج الجديد فإن كل الموجودات على قدم المساواة، وتستحق كلها النظر والمشاهدة والاعتبار دون تمييز. فكأن المنهج التجريبي الذي ميز العلم العربي كان له نموذجه الخاص، الذي ناقض به مقولات أفلاطون – أفلوطين ونموذج العلم اليونانی من ناحيتين، ناحية القواعد والبرهان ونظرية المعرفة ، ومن ناحية ميتافيزيقيا العلم ومفهوم الوجود  Ontology.

والسؤال الذي يجب طرحه هنا، هو : من أين جاءت أصول المنهج التجريبي العربي ومقوماته الفكرية؟، يمكن القول هنا إن هذا المنهج هو وليد النظرة الجديدة التي أتي بها القرآن والدين الإسلامي للطبيعة والأسلوب المعرفي لإدراك الإنسان لهذه الطبيعة، فقد ألغى القرآن هذا الانفصال الحاد بين الله والإنسان من جانب، وبين الإنسان والموجودات الأخرى، فالكل مخلوق لله. فكل مخلوق أو موجود له وجوده الأنطولوجی کدليل وعلامة على وجود الله، لذلك فكل مخلوق يستحق الملاحظة والاعتبار لعلاقة الكل بالخالق. فالنمل والنحل والطيور والأشجار والجبال والأنهار كلها من خلق الله على درجة متساوية من الاعتبار، فليس هناك ما هو أعلى في المرتبة والمكانة وما هو أدنى وأقل في المرتبة والمكانة. ومن الناحية الأخرى فالقرآن يؤكد حضور الله الخالق في كل مخلوقاته . ويؤكد القرآن أيضا أن الحيوانات، الكبير منها والصغير، تعيش في جماعات مثل الجماعات البشرية، ولها لغة تتحدث بها وتتصل بها ببعضها البعض والتي تماثل لغة البشر ..  ويؤكد القرآن أن الحيوانات مثلها مثل البشر من حيث المكانة، فهي تعيش في جماعات ويشير أيضا إلى أن الاتصال بمملكة الحيوان ممكن، فلها لغة وإشارات يمكن للبشر تعلمها، وهو ما أثبته العلم الحديث، فالنمل يتصل ببعضه البعض بلغة قوامها مادة كيماوية تعرف باسم الفرمون، أما الأهم في القرآن، فهو إمكانية امتداد المعنى، أى التواصل والمعرفة، إلى الموجودات الحية الأخرى التي لا نراها ولا نحس بها. مثل البكتريا والفيروسات والطفيليات، فلكل الكائنات الحية المكانة نفسها فقد خصص القرآن سورا بأسماء النمل والنحل والعنكبوت والبقرة والأنعام.

الأمر الثاني الذي يؤكده القرآن هو النظام التام للعالم التأكيد ليس فقط وجود الخالق ولكن وحدته، الذي يمكن تعريفه بالنظام الكوني لوجود الله. ويؤكد القران عدة أشياء هي، أولا : وجود النظام والجمال والتناغم في الطبيعة. ثانيا : دعوة القران الإنسان إلى النظر والتأمل كمسئولية أخلاقية تجاه الخالق من أجل إدراك وجوده في كل شيء. ثالثا: إن النظر والتأمل يتمان بواسطة – ما خلقه الله في الإنسان من حواس کالسمع والبصر والعقل، وذلك لإدراك المحسوسات والظواهر التي تحيط به . وإن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات الأولي الألباب 4 .(آل عمران :۱۹۰) و الذي خلق سبع سموات طباقا مما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور پ . (سورة الملك: ۲)، وإن لكم في الأنعام العبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين . (سورة النحل : 16).

تظهر الآيات السابقة أن القرآن أولا: عارض النموذج الوجودي لأفلوطين القائم على تدرج مراتب الموجودات، فكل الموجودات في العقيدة الإسلامية على درجة متساوية والكل مخلوق لله.

ثانيا : إن الإنسان مكلف بالاستدلال على عظمة الخالق وإدراك نظامه الكوني عن طريق النظر والمشاهدة والاعتبار، وهو نموذج معرفی جديد يعارض نموذج أفلاطون القائم على الأفكار المجردة وتأمل عالم المثل. وقد شكل هذان المبدآن قواعد المنهج التجريبي لدى العلماء العرب، لكنهما كانا مثار جدل شديد وصراع عنيف بين العلماء والمفكرين الأوربيين والكنيسة الكاثوليكية، ووقفت محاكم التفتيش بالمرصاد لكل من جاهر بهذه العقائد الجديدة، واتهمته بالزندقة والهرطقة. فلم يكن المنهج التجريبي هو الذي أثار الكنيسة ضد هؤلاء العلماء والمفكرين والفلاسفة، بل المبادئ والأصول، أي العقائد التي بني عليها.

أصبحت الطبيعة بكل تفاصيلها عند هؤلاء المفكرين هي المنبع الأصيل لذلك الوحي الإلهي في شموله وفي عموميته، في الأشياء الصغيرة كما في الأشياء الكبيرة، في الأرض كما في السماء، وبذلك يكون الإله هو الكائن في المخلوقات والمكون لعناصرها، وهو القادر على الحركة وعلى التغيير من خلال قوة ذاتية ثابتة ومؤثرة يمكن إخضاعها لقوانين حسابية ورياضية معروفة.

> إعداد: سعيد ايت اومزيد

Related posts

Top