الأوبئة والتاريخ، القوة والامبريالية -الحلقة 18-

يفتح هذا الكتاب القيم عين القارئ على بعض من تاريخ الطب وعلم الأوبئة، وعلاقة الانتشار الوبائي بجشع الإمبريالية والحركة الاستعمارية. ويبين شلدون واتس مؤلف الكتاب، كيف استخدمت قوى الاستعمار مفهوم “مقاومة الأمراض الوبائية” ليسهل أمامها اختراق دول أفريقيا وآسيا والأميركيتين. ولم تكن نشأة المؤسسات الطبية الغربية خارجة عن هذا السياق العام الذي يحكمه منطق القوة وسيطرة القوى الاستعمارية على شعوب العالم. يجد قارئ بيان اليوم في هذا الكتاب تفاصيل مذهلة تؤكد في مجملها ارتباط مفهوم “مقاومة الأوبئة” بغايات استعمارية.

 استطاعت أوربا من خلال الأوبئة السيطرة على البشر والتحكم في الجماهير والحشود والأعداد الغفيرة من الناس، وممارسة الاستعمار والإمبريالية  

قبل اكتشاف أن البكتريا الواوية المسببة للكوليرا تنتقل عن طريق المياه الملوثة، فقد تم الافتراض بوجود صلة ما بين مسببات المرض التي كانت مجهولة عندئذ وانتقالها عن طريق براز المرضى، ومن ثم إلى مياه الشرب، وكان لهذا الافتراض من القوة ما جعله    م وراء مطلب أدوين تشادويك رئيس المجلس الصحي العام في لندن بعد وباء عام 1892 بضرورة مد شبكات المجاري لصرف الفضلات البشرية بعيدا عن المناطق المأهولة، وبعيدا عن مصادر مياه الشرب.

كانت القدرة على اعتبار تلك الكيانات غير المحسوسة، الكيانات الفرضية، وراء قدرة أوربا على إقامة نظام المؤسسة Institution، وهي سبب قوة أوربا منذ بداية عهد استعمار إسبانيا والبرتغال للأمريكتين، فقد استطاعت أوربا من خلال تلك الكيانات المجردة ليس فقط السيطرة على حركة وانتشار الأعداد الكبيرة واللانهائية من الكائنات المسببة للعدوى، أي الأوبئة في نهاية الأمر، ولكن عن طريقها أيضا استطاعت السيطرة على البشر والتحكم في الجماهير والحشود والأعداد الغفيرة من الناس، واستطاعت ممارسة الاستعمار والإمبريالية.  يقول إلكسندر كينجلاك- أوثن 1839 في بداية مؤلفه،

“القاهرة والطاعون”!، كان الطاعون سيد المدينة طوال فترة إقامتی، وظهر الخوف في كل شارع وكل حارة، بحيث إنني لا أستطيع الآن التأثير وجدانيا أو الفصل بين الفكرتين… يمتلك الشرقيون، على كل حال، حظا وافرا أكثر من أوربا تحت بلوى هذا النوع… (في مدن الموت)… نصبت الخيام، وعلقت المراجيح لتسلية الأطفال – عيد كتيب؛ لكن المسلمين تباهوا … في اتباعهم لعاداتهم القديمة غير عابئين بظل الموت.

أثناء الحياة والكتابة في مدينة إسلامية كبيرة بعد 160 سنة من ملاحظة مؤلف “أوثنت في وقت الطاعون، صدمتني استمرارية وحدة الثقافة الإسلامية عندما تواجه بأزمات تهدد الحياة. أنا منتبه أيضا إلى أن نوعية الثقافة الإمبريالية التي هلل لها كينجلاك لم تمت. على سبيل المثال، إحدى الصحف اللندنية ذات الاعتبار والمتاحة حديثا في شوارع القاهرة أظهرت أن فريق الأمم المتحدة المعني بالتغير المناخي يقدر القيمة الشرائية لكل فرد في العالم الثالث بواحد من خمسة عشر للشخص في أوربا الغربية وأمريكا.

إحدى الأسئلة الأولى التي يمكن طرحها في التاريخ المقارن الذي يهتم بعلاقات القوى وتأثير الأمراض الوبائية يتمثل في الدور الذي يؤديه الأطباء الذين تلقوا تعليمهم بالجامعة، هل كانوا دائما يؤدون الوظائف نفسها مثلما يفعلون اليوم؟ الإجابة القصيرة هي لا بالتأكيد. فحتى بداية القرن العشرين ونشر الطب في الغرب، كان

معظم المرضى الأوربيين من المنزلة المتوسطة أو العليا يعتمدون على عائلاتهم للحصول على العناية الصحية الأساسية، فقد يطلبون معالجى القرية إذا ساء الوضع، وقد يستكملون ذلك بعلاج يصفه المعالجون الجائلون. وبعيدا عن التكلفة المادية واعتبارات المكان كان لجوء الأوربيين العاديين النادر للأطباء سببه إدراكهم أن هؤلاء الأطباء غير قادرين على علاج أي مرض خطير.

يتمثل رأي الأطباء في اتباع إرشادات وضعت بواسطة جالینوس (201/131م) وابن سينا (توفی 1037) وأن واجبهم هو إمداد مرضاهم بتقنيات خاصة تتناسب مع كل فرد على حدة لمنع اعتلال الصحة. كان دور الطبيب عندما يواجه مريضا يعاني من مرض خطير إعطاء الانطباع بالاهتمام، من خلال وصفات وهمية مثل الاستحمام والفصد وبعض الوصفات الغذائية. في الحقيقة عرف الطبيب جيدا وقتذاك أنه لا يمكن شفاء المرض.

بدأ الطب الحديث حسب موضوعنا مع عمل الطبيب والعالم الألماني روبرت كوخ (1893 – 1910) إذ اكتشف الكائن العضوي الصغير (الفيبريو) الذي يسبب الكوليرا بينما كان في الإسكندرية (مصر) عام 1883، وأكد اكتشافه في (كلكتا البنغال – الهند) في عام 1884، وكان قد اكتشف العامل المسبب للسل قبل ذلك بسنتين، ولكن مر بعض الوقت قبل أن تكتسب أفكار كوخ الثورية قبولا واسعا وأصبحت مؤثرة في العلاج. تمسك الأطباء الذين تدربوا على الحقائق العلمية للتقاليد العظيمة التي تقضي بأن معظم الأمراض تحدث نتيجة للميازما (نمط حياة غير منظم) وأي شيء آخر غير الكائنات الحية الصغيرة. وعندما واجهوا أفكار كوخ، كانوا غير راغبين في الاستسلام عما كانوا يعتقدون به دائما، وعندما استقال هؤلاء فقط، وصلت الأجيال الصغيرة من الذين تعلموا النموذج الإرشادي الجديد إلى المقدمة في النهاية.

تزامنت سنوات الانتقال التي شملت ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين، التي أدت إلى انتشار الطب الكامل في الغرب (قبول العلمانيين 56 للأطباء كخط الدفاع الأول لهم ضد الأمراض)، مع عصر الاستعمار الكبير للأوربيين وشمال أمريكا، رغم عدم ارتباط الظاهرتين. وظهر النظام الجديد لطب المناطق الحارة من الزحف على إفريقيا وعلى الصين، وغزو الولايات المتحدة للإمبراطوريات القديمة الإسبانية في الكاريبي والمحيط الهادي. كان طب المناطق الحارة منذ بدايته المبكرة أداة للإمبراطورية بهدف تمكين الشعوب البيضاء من الحياة في كل مناطق العالم، أو على الأقل استغلالها.

لفق هربرت سبنسر الحقائق لتبرير هذا الدور الجديد، ثم أدمجت هذه الحقائق بعد ذلك في ترويج عمل تشارلز داروين الأساسي في التطور. كان مفهوما بصورة عامة أن رسالة الدارونية الاجتماعية تضع الأوربيين في أقصى قمة التطور ، وبواسطة هذا الحق يجب أن يتسيدوا البشر الآخرين

ولكن كما هو معروف، كان الشيء الوحيد الجديد بخصوص هذه التأكيدات هو العلمية التي استخدمت لتعضيدها كظاهرة حقيقية ترجعها الإمبريالية الأوربية إلى نحو خمسة قرون مضت.

> إعداد: سعيد ايت اومزيد

Related posts

Top