الإبداع ليس موضة والالتزام لا يتعارض مع الإبداع حوار مع القاص عبد العالي بركات

يعتبر عبد العالي بركات أحد القصاصين المغاربة القلائل من جيل التسعينات، الذين مازالوا يكتبون وينشرون كتاباتهم بنفس الحماس، مع تطوير أكيد في الأسلوب والتقنية، وهو ما هيأ له مكانة مرموقة وسط المشهد القصصي المغربي والعربي على السواء.
فصاحب «أشياء صغيرة» و»المشروع».. إلى جانب إسهامه الوازن كقاص، قد اشتغل كإعلامي متخصص في شؤون الثقافة، عمل عبر إشرافه على الملحق الثقافي لجريدة بيان اليوم، على التعريف وتقديم مجموعة محمودة من الأدباء الشباب، هنا يفتح لنا كوة صغيرة للإطلالة عن آراءه ومواقفه، في شؤون الكتابة وينير لنا عن بعض الطروحات الأساسية المثارة عن منجزه الكتابي.

> ما هي الأسماء التي أضاءت مخيلتك وتأثرت بها، وما زلت تقرأ لها إلى اليوم؟
< من بين الأعمال الأدبية الأولى التي قرأتها، أستحضر بالخصوص رواية “المصابيح الزرق” للكاتب السوري حنا مينة، لقد أعجبت بهذا العمل إلى حد أنني تأثرت بمؤلفه حتى على مستوى التعاطي للتدخين، على اعتبار أن أغلفة كتبه الصادرة عن دار الآداب البيروتية، كانت تضم صورة له وهو ممسك بسيجارة، وهنا لا بد أن أفتح قوسين لأنبه الناشرين وغيرهم ممن يذيعون أعمالهم سواء كانت هذه الأعمال كتبا أو أفلاما وثائقية أو برامج تلفزية، أن يتجنبوا إظهار شخوصهم وضيوفهم وهم يدخنون، حتى لا يتأثر بهذه العادة السلبية المتلقي، سيما إذا كان هذا المتلقي مراهقا، كما في حالتي حين قرأت لأول مرة تلك الرواية.
 من الصعب ذكر أسماء محددة ممن أثروا في كتاباتي، هناك خليط من المؤثرات، ليس محصورا بالضرورة في ما هو مكتوب، بل قد يمتد حتى إلى الموسيقى، ومؤخرا كنت أكتب مقالا أدبيا وأنا أستمع إلى المطربة فيروز في قناة فضائية، وعندما قرأه أحد الأصدقاء أخبرني بأنه لمس الإيقاع في ما كتبته، فتذكرت الظروف التي أنتجت فيها ذلك النص.
    
> ما بين مجموعتك   “أشياء صغيرة” سنة 1995 و”المشروع” سنة 2007 هناك تحول بارز لاحظه النقاد على مستوى بنيات اللغة وتناول التيمات والمواضيع لديك؟ ماذا عن عامل الزمن؟ كيف ترون إليه كفاعل في كتاباتك؟
< صحيح هناك فترة زمنية كبيرة نسبيا بين عملي الأول وما تلاه، ومن الطبيعي جدا أن يظهر هناك تحول على مستوى القضايا المطروحة بالخصوص، بالنظر إلى أن التجارب المعاشة تختلف من زمن إلى آخر، لكن بعض الأعمال قد لا تظهر إلا بعد سنوات على إنتاجها، وكان يمكن أن يصدر لي حتى الآن ما لا يقل عن عشرين كتابا، غير أنني لم أتمكن من إصدار سوى أربعة كتب: ثلاث مجاميع قصصية ومجموعة مقالات أدبية.
 طبعا، الزمن له تأثير في التجربة الإبداعية، فزمن العطالة عن العمل، كان يطغى عليه العبث، وهذا العبث انعكس على كتاباتي الأولى، إلى حد أن أحد القراء قال لي إنني متأثر برائد المسرح العبثي صامويل بيكت، في حين أن هذا ليس حتميا، ذلك أننا عندما نعيش حياة عبثية ليس بالضرورة أن نكون قد قرأنا لفلان أو علان، حتى ينعكس هذا الوضع على ما نكتبه.
   
>  ما هي مشاكل المبدع العربي؟ مما يؤدي إلى عرقلة العملية الإبداعية والتأثير السلبي عليها؟
< صرنا نخاف أكثر من أي وقت آخر أن يتم تضييق مساحة الحرية المتاحة لنا،  خاصة بعد أن طفت على السطح مؤخرا قضية محاكمة الروائي المغربي عزيز بنحدوش، بسبب نشر روايته، مع أن هذا العمل يدخل في باب التخييل، وهذا مشكل في حد ذاته، يمكن أن يعود ببلادنا إلى فترة كنا اعتقدنا أنه تم القطع معها. أعتقد أنه من السذاجة مصادرة أعمال إبداعية، خصوصا في وقتنا الراهن الذي يتميز بالثورة التكنولوجية على مستوى وسائط الاتصال.  

>  ماذا يعني الالتزام الأدبي لديك؟ وهل يشكل ذلك اعتداء على القيمة الفنية؟ في وقت نتكلم عن نهاية الالتزام السارتري وأن الكاتب عليه أن يتجه للمقاولة؟
< الالتزام لا يتعارض مع الإبداع، خصوصا إذا كان هذا الالتزام نابعا من الفطرة، لكن أن يتحول المبدع إلى مقاول، يمكن لذلك أن يسيء إلى الممارسة الإبداعية بلا شك. في اعتقادي أن لكل كاتب عالمه الخاص، وإن كانت بعض العوالم لا تزال غير مطروقة بالشكل المرغوب فيه، بالرغم من كل شيء. في فترة سارتر ما دمت أنك قد ذكرت هذا الإسم المعروف بنزعته الوجودية، هناك كتاب حاولوا الكتابة على منواله، لا لشيء سوى لأن الأدب الوجودي كان فارضا نفسه في ذلك الإبان، لكنهم فشلوا في إثبات ذواتهم، لأن التجربة لم تكن نابعة من الذات. الإبداع ليس موضة، الإبداع يخلد، أما الموضة فمحكوم عليها بالزوال السريع.

>  هل تؤمن بأن الأدب قادر على المساهمة في صناعة رأي عام؟ وكيف يمكنه أن يقوم بهذه المهمة؟
< باتت لدي قناعة بأن الأدب لا يغير الواقع، الذي يغير الواقع ويؤثر فيه هو الدبابة والكلاشينكوف، أنظر إلى ما يقع في سوريا والعراق واليمن وغيرها… كل ذلك الركام من الكتب والأشعار والكتابات المختلفة التي تدعو إلى قيم السلم والحب والتعايش لم يكن لها أي جدوى.   

>  ما علاقتك بالنقاد وهل تجد إنصافا نقديا في ما تم الاشتغال عليه من قصصك؟ ثم هل صحيح أن علاقة المبدع عندنا تظل دائمة متوترة مع الناقد؟
ــ صراحة، قليلة جدا هي القراءات النقدية التي انصبت على كتاباتي، لكن هذه الكتابات تبقى نوعية، وهذا هو الأهم بالنسبة إلي، وأعتقد أن قلة المتابعة النقدية لما أكتبه راجع بصفة أساسية إلى كوني لا أهدي إصداراتي إلى النقاد ولا أثني عليهم حتى يهتموا بكتاباتي، كما يفعل الكثيرون ويحظون تبعا لذلك باهتمام نقدي، وأنا أسميه مجاملة نقدية، مع الأسف. مطلوب من النقاد أن يبحثوا عن الإصدارات الجديدة بأنفسهم، ويتفرغوا للكتابة عنها، بغض النظر عمن يكون مؤلفها.

>بهذا المعنى هل ترى أن حركة النقد مواكبة للإبداع، وما هي برأيك أسباب تأخر الحركة النقدية، وهل يمكن أن تقدم هذه الحركة إضافة نوعية للإبداع؟
< ندرة المتابعة النقدية، لا يمكن إلا أن يكون لها انعكاس سلبي على الإضافة النوعية، حتى لو كان جل الذين يمارسون النقد أكاديميين، هناك عزوف عن النشر، خاصة داخل الوطن، العديد من النقاد المغاربة باتوا ينشرون كتاباتهم في صحف خليجية، بالنظر إلى ما تغدق عليهم من أموال، ومع الأسف أنهم نادرا جدا ما يقومون بالكتابة عن الإنتاج المغربي والتعريف به.
    
>  هل لك طقوس في الكتابة؟ أريد أن تقربنا من هذا الجو الحميم داخل مطبخك الداخلي؟
< في فترة سابقة، خصوصا في فترة العطالة والتيه، كنت أكتب داخل المقاهي، دون أن أعبأ بالضجيج والأغاني غير المرغوب فيها المفروضة علينا. حاليا خصوصا بعد أن امتلكت شقة، صرت أكتب كثيرا في بيتي، وأختار ما أود الاستماع إليه أثناء الكتابة.

>  أنت من الكتاب الذين فجروا كامل طاقتهم الإبداعية على هذا الجنس الوحشي المسمى القصة القصيرة، لماذا هذا الإخلاص الشديد لها؟
< صراحة، لا أعرف كيف أفسر ذلك، يمكن القول إنها حالة وجودية، الحياة بالنسبة إلي لا تطاق دون كتابة قصص قصيرة من وقت إلى آخر.
 حاوره: عبد الواحد مفتاح 

*عن مجلة الموجة الالكترونية

Related posts

Top