الطلاق العاطفي

 الحياة الزوجية هي حياة العواطف التي تفيض بالمشاعر النبيلة والأحاسيس المرهفة، فيميل كل قلب إلى قلب محبوبه، وعندما تفتقد هذه الحياة لهذه العواطف الصادقة، والمشاعر الدافقة، يحصل لهذه القلوب جفاف في العواطف ويبس في المشاعر، ومن ثم تتصدع أرضيتها، وتكثر الانشقاقات والخروق فيها، وسمي ذلك مجازا بالطلاق العاطفي، ويعني تلاقي الأجساد حسا مع تباعدها عاطفة، أي أنها أجساد قد خلت من أي مشاعر الحب والود والوئام. ويعتبر الطلاق والجفاف العاطفيين مشكلة يعاني منها الكثير من الأزواج في مجتمعاتنا، إذ يعرف الجفاف العاطفي بأنه حالة من الركود والملل التي تغلف الحياة العاطفية بين الزوجين. ومن أهم أعراض الجفاف العاطفي الصمت الطويل بين الزوجين، والروتين، والأقوال والأفعال البعيدة عن مشاعر المودة والحب التي من المفترض أن تكون بين الزوجين.
 
البخل العاطفي

البخل العاطفي بين الزوجين من أشد الأسباب التي تقف وراء حالة الجفاف العاطفي، والبخل العاطفي مسؤولية مزدوجة بين الطرفين. فمن أسباب البخل العاطفي لدى الزوج انغماسه في العمل، أو اهتمامه باللهو مع الأصدقاء على حساب زوجته، وكذلك أيضا طريقة تنشئة الزوج، فالزوج الذي تربى في بيئة عاطفية جافة لا يمكن أن يوصل العاطفة والحنان لزوجته؛ لأنه قد نشأ على صورة الأب القاسي والأم التي تأمر وتنهى فقط، فلا مجال للحب والعواطف في هذا الأسلوب من التربية. وعندما يكبر الطفل ليصير أبا وزوجا هو الآخر فإنه في أغلب الحالات سيطبق الطريقة التي تربى عليها مع زوجته وأبنائه.
ومن ناحية أخرى فإن بعض الزوجات يكن أسبابا في حالة البخل العاطفي هذا، فقد تهتم الزوجة فقط بالأمور المادية وتربية الأبناء متجاهلة احتياجات الزوج العاطفية والنفسية، مما يدفع الزوج إلى الابتعاد عن زوجته والاتجاه إلى أساليب أخرى لإشباع الفراغ العاطفي الذي يعاني منه.
 
التوقعات الوردية

قبل الزواج يكون لدى كل من الطرفين توقعات عن طريقة الحياة الزوجية بينهما، وفي بعض الأحيان يبالغ طرف ما أو كلا الطرفين في حجم توقعاته الوردية للحياة الزوجية، التي سرعان ما تتحطم على صخرة الواقع والالتزامات الأسرية المتعددة، مما يدفع الزوجين إلى الابتعاد عن بعضهما ونسيان ما يجب أن يكون بينهما من مودة ورحمة أمر الله بهما.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الرفاهية تعتبر من أكثر أسباب الجفاف العاطفي بين الزوجين، فالزوج يريد أن تكون زوجته نسخة من النجمات أو الجميلات اللاتي قد يشاهدهن حوله أو  على شاشات التلفاز مثلا، والزوجة تريد أن يكون زوجها نسخة من نجوم المسلسلات التركية في رقتهم واهتمامهم بالمرأة، ومن هنا ينشأ الخلاف والشقاق بين الطرفين.

برود وضجر

هذه المشاعر السلبية بين الزوجين، في غياب البوح والمصارحة والحوار، تتراكم وتتطور إلى عدم الإحساس بالميول للآخر. ثم تتسرب تمظهراتها شيئا فشيئا إلى الحياة والمعاملات اليومية، بحيث يشعر كل من الزوجين بعدم الارتياح في البقاء في المنزل، خاصة في وجود الطرف الآخر. ويطغى الروتين والجمود على علاقة الزوجين وتضعف العلاقة الجنسية بينهما. ويصبح الضجر والتأفف سمة النقاشات والخلافات عند أي مشكلة مهما كانت صغيرة. ثم تسود العزلة بين الزوجين وهذا مبرر تسمية الطلاق العاطفي، بحيث يفضل كل منهما الانزواء في ركن حياته الخاص وربما تصبح له حياة أخرى خارج البيت أو على الأقل فإن أحدهما أو كلاهما يبحث عن الآخرين للبوح لهم بمشاعره وخواطره.
 
مسؤولية مشتركة

إذا كان الجفاف العاطفي مسؤولية مشتركة بين الزوجين فإن علاجه أيضا لا يتم إلا باتفاق الزوجين على إعادة بناء ما تحطم بينهما من أواصر المودة والرحمة، وهو أمر غير مستحيل، بل من الممكن تحقيقه من خلال القليل من العزيمة والصبر، والكثير من المصارحة وحسن المعاشرة.
لا بد أولا من إزالة الحاجز الصمتي، بفتح الحوارات والمناقشات الهادئة الهادفة التي تساعد على خلق جو عاطفي يغذي هذه الحياة الزوجية ويشبعها، هذا فضلا عن المصارحة بين الزوجين في كل أمور حياتهما.
كما يتوجب على الزوجين أن يغذيا مشاعرهما بالكلمات العاطفية، واللمسات الرومانسية التي تقضي على البرود العاطفي لديهما، وألا يجعلا ضغوطات الحياة تؤثر على مشاعرهما، ومستوى عواطفهما. ومن المفيد أن يعمل الزوجان على خلق جو التجديد لكسر جدار الرتابة والروتين العاطفي، وذلك بالبحث عن أساليب وطرق تساعد على إشباع العواطف.
كما أن عليهما أن يهتما بأنفسهما من حيث التثقيف والتوعية بالطرق التي تساعد على الانسجام العاطفي، والبحث عن كل الأساليب التي تساعدهما على إذابة كل جليد يحول بين تواصلهما العاطفي، وألا يجعلا من الخجل والخوف من إبداء المشاعر قطعة ثلج تتراكم حتى تكون هذا الجليد، فعلى الزوجة أن تتقرب من زوجها، كما على الرجل أن يحرص على إدخال السرور على زوجته.. وكل ذلك يتطلب تخصيص بعض الوقت لبعضهما البعض بعيدا عن الأولاد وهموم ومشاكل الحياة اليومية للأسرة.

Related posts

*

*

Top