«ضحك كالبكاء»…

في استعارة عنوان قصيدة شاعر العرب أبي الطيب المتنبي «ضحك كالبكا»، محاولة للتعبير عن مشاهد غير عادية، تفرزها بين الفينة والأخرى، فعاليات الدوري المغربي لكرة القدم بمختلف الأقسام.
كما نستسمح من الزميل العزيز والصحفي المتميز سعيد زدوق، أخذ فقرات من الحوار الذي دار بينه وبين أحد مستمعي برنامجه الناجح «نقاش في الرياضة» على محطة (راديو بلوس)، نستند بها لرصد حالات محددة، يمكن أن تكون عادية في سياقها، لكن حجم التأويلات والتركيز على التفسيرات في سياق زمني غير سليم، تسيطر فيه ثقافة الشك، بناء على المقولة الشهيرة للمسير الحريزي الموقوف «…انت قليل الخير أعميمي»، يجعل الأمر مطروحا بحدة، بكثير من الإصرار والترصد…
ففي رد على سؤال أحد المستمعين، بخصوص خروج هشام أيت منا، المالك لشركة شباب المحمدية، ضاحكا من ملعب البشير، رغم هزيمة فريقه أمام الوداد البيضاوي، قال زدوق بأن نفس الملاحظة، يمكن أن تنطبق أيضا على اللاعبين عبد الإله الحفيظي ونوفل الزرهوني، واللذين ظهرا ضاحكين، رغم أن فريقهما كان منهزما بالدار البيضاء، أمام أولمبيك خريبكة…
جواب ذكي من صحفي يشهد له بالكفاءة والخبرة والتجرد والحيادية، مختصر/مفيد؛ يختزل مشهدا يبدو عاديا في مظهره، لكنه يحمل في طياته الكثير من المعاني والدلالات العميقة، دون إساءة أو تلميح أو اتهام صريح…
مشهد مضحك آخر، أفرزته المواجهة المثيرة التي جمعت عن نفس الدورة بين الجيش الملكي المتزعم وشباب السوالم، وبالضبط اللقطة التي جاء على إثرها، هدف الفوز للعساكر وقعه جينيس بورغيس، بعد أن طافت الكرة عرض الملعب أمام مرمى الفريق السالمي.. لعب بالكعب، عشوائية في الإبعاد، صد من الحارس، نزول الكرة أمام اللاعب «الكاب فيردي» الذي لم يرفض «الهدية» موقعا هدفا ثمينا، سمح له بالاستمرار في المقدمة، والحفاظ على النقطة الثمينة، التي تفصله عن مطارد مباشر شرس، اسمه الوداد، حامل اللقب يعيش اهتزازات داخل طاقمه التقني، بين تعدد المدربين، وخلافات عبد الإله صابر.
خلال مقابلة الدفاع الحسني الجديدي وحسنية أكادير، وفي وقت كان الحكم يستعد للإعلان عن النهاية بفوز ثمين لفريق دكالي في أمس الحاجة للثلاث نقط، حدثت قفزة بهلوانية متهورة، فوق رأس لاعب أكاديري، لصاحبها الأخ الأصغر للقيدوم قرناص، فرض على غرفة «الفار» طلب التأكد من صحة اللقطة، والتي لم يتردد على إثرها الحكم جلال جيد، في منح ضربة جزاء مشروعة، حكمت على الفريقين بتعادل، بطعم الانتصار للفريق السوسي، وخيبة كبيرة للمحليين، الباحثين عن الانعتاق من مخالب النزول…
والغريب أن هذه «الشجاعة» التي أظهرتها الغرفة «المظلمة» بقيادة سمير الكزاز، لم تكلف نفسها عناء القيام بنفس الدور خلال الجولة الأولى، من نفس المباراة، عندما تم إسقاط العميد مصطفى الشيشان وسط منطقة الجزاء، ما حرم الدكاليين من فرصة سانحة للتسجيل، كان من الممكن أن تغير من مجريات المباراة ككل، فلماذا امتنع سمير ومن معه، عن كلام تبيحه التقنيات الجديدة.؟
الأكيد أن هناك حالات أخرى مماثلة، يمكن أن ينطبق عليها الوصف البليغ، للمتنبي في قصيدته الشهيرة التي يهجو فيها كافور الإخشيدي والمصريين، والضحك هنا ينطبق أيضا على الخدعة الكبرى الذي انطلت على الرجاويين، اعتقدوا أنهم عثروا أخيرا على ضالتهم، بتنصيب رئيس حملته الشعبوية فوق الأكتاف، إلا أنه فعل كل شيء، إلا الوفاء بالوعود التي وزعها في كل الاتجاهات، ثم اختفى فجأة لتختفي معه السيارة العجيبة، ذات اللون الذهبي، حيث ذهب ولم يعد…
وعندنا نعمل على سرد حالات أفرزتها المواجهات، لا يعني أبدا توجيه أصابع الاتهام أو التشكيك في مصداقية النتائج، أو حتى مجرد تلميح اتجاه جهة معينة أو شخص محدد، فالأمر بعيد كل البعد عن هذا المنحى غير المرغوب فيه، منحى تحرمه مبادئ وأسس المنافسة الرياضية الشريفة.
إلا أن وصف المتنبي والبلاغة في البيت الشعري (وماذا بمصر من المضحكات…ولكنه ضحك كالبكا)، تبقى حاضرة في التعليق عن حالات تضحك بالفعل، دون أن تلغي أي شعور بالمرارة وقساوة المشهد…
«صفي نيتك أعميمي»…

محمد الروحلي

الوسوم ,

Related posts

Top