في الذاكرة.. وجوه بصمت خشبات المسرح المغربي

قد يمر بنا قطار العمر بمحطات وأماكن لا نشعر بجمالها إلا عندما نبتعد عنها.. وقد يؤثث مشهد حياتنا فنانون فرضوا علينا الاحترام بأدائهم و مشاعره الإنسانية الجميلة. وفي أكثر الأحيان لا نشعر بقيمتهم ومدى تأثيرهم في حياتنا إلا بعد أن يغادروننا ويصبحون مجرد ذكرى فيتركون ذكريات قد تثير فينا الشجن والحزن والفرح والابتسامة أو الألم والحسرة.. ولكن تبقى ذكرياتهم محفورة داخلنا، تذهب بنا إلى العالم جميل نستنشق من خلاله عبق المحبة والحنين إلى الماضي حيث نتذكر فيهم وبهم أجمل اللحظات برونق خاص وغصة بالقلب…
رحلوا عنا الغوالي وتركوا لنا ذكريات نتعايش معها وتنبض الحياة في أعضائنا، وصورهم مازالت ماثلة أمام أعينينا..
هكذا هي الحياة، كما هي الممات، لقاء وفراق، دمعة وابتسامة.. فبالأمس رحل عنا العظماء ممن كنا نحبهم لأنهم تركوا بصمات على دركنا وفهمنا للحياة من علماء وشعراء وأدباء وفنانون فهم شخصيات عامة إلا أنهم أناس عاشوا وتعايشوا معنا ليرحلوا بهدوء دون أن ترحل آثارهم وتأثيراتهم..

الحلقة 13

الكاتب والباحث والمخرج والممثل الراحل محمد الكغاط

ولد محمد الكغاط سنة 1942 بمدينة فاس، حصل على دبلوم اللغة العربية سنة 1965. وتابع دراسته العليا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس حيث حصل على الإجازة في الأدب العربي سنة 1968، وعلى دبلوم الدراسات العليا سنة 1984 ثم على دكتوراه الدولة سنة 1993. اشتغل أستاذا جامعيا بنفس الكلية إلى أن ترجل من هذه الحياة.
يعتبر محمد الكغاط من رواد حركة المسرح التجريبي في المغرب وأحد منظري هذه التجربة، فقد واظب منذ 1958 على الإسهام في الحركة المسرحية المغربية، شارك في الإشراف منذ 1960 على التدريبات التي كانت تجرى في المعمورة لتكوين أجيال من الفنانين.
كما ساهم في الانتقال بالمسرح المغربي من الاقتباس إلى الانتاج المحلي الذي ينهل من المأثور والحكمة المتداولة مثل: “بغال الطاحونة”، “بشار الخير”، “ميت العصر”، “فولان وفرتلان”، “ذكريات من المستقبل” التي نشر العديد منها في السبعينيات ضمن بعض المجلات العربية المتخصصة أو المؤلفات الجامعية، وحصل العديد منها على جوائز تقديرية.
وتبقى ثلاثية بـ«المرتجلة» من بين أهم الإنجازات المسرحية التي أظهرت شغف الفنان الكغاط بالاشتغال على تأصيل المسرح المغربي وفق رؤية فنية ناضجة أثرت على التجربة المسرحية في المغرب من موقعه كأستاذ جامعي متخصص في الدراسات المسرحية.
انضم محمد الكغاط إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1976. وتوزع إنتاجه بين الكتابة والإخراج المسرحيين، الترجمة والدراسة الأدبية. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات منها: العلم، الاتحاد الاشتراكي، الفنون، خطوة، آفاق، الفصول الأربعة…
وإذا كان محمد الكغاط قد راهن بقوة على الركح كفضاء لإبراز مواهبه في مكونات الإبداع المسرحي من الكتابة إلى الإخراج مرورا بالتشخيص والتقنيات المسرحية المصاحبة، فإن الفن السابع لم يكن غائبا عن اهتماماته حيث شارك في عدة أفلام من بينها “وشمة” و”ليلة القتل” و”ياقوت” وغيرها إلى جانب حضوره في عدة مسلسلات تلفزيونية وأفلام أجنبية.
تعد كتابات المرحوم محمد الكغاط المسرحية والنقدية انعكاسا لثقافة جامعية والوعد بالموضوعية لأهمية الفن الدرامي في الحياة الانسانية، لهذا يمكن القول بأن أراءه حول هذا الفن ليست نتاجا لنظرية عمل على بلورة أهدافها ومبادئها في بيانات أو أرادها أن تكون جوهرا لتوجه مسرحي معين، وإنما هي آراء نابعة من علاقة وطيدة بمسرح الهواة وبالسنوات الطويلة التي قضاها في خدمته ومعايشة أوضاعه ومشاكله.
ويرى الدارسون أن “هذه العلاقة هي التي قادته إلى الكتابة والإخراج والتمثيل وإلى البحث الجامعي بعد أن أمكنه استيعاب التجارب المسرحية القديمة والحديثة في الغرب”، “موازاة مع ماقام به بعض الفنانين المغاربة من جهود في تفعيل الحركة المسرحية، بينما كان غيرهم يلجأ إلى ترويج مسرح ضحل ومسطح في الغالب يفتقر إلى الأصالة والإبداع الخلاق”.
لقد كان المرحوم الكغاط شديد الوعي بهذه الوضعية، لهذا عشق المسرح كما حاول الإجابة على بعض الأسئلة التي تفترضها غايته وممارسته، في هذا الصدد كان يرى أن هدف المسرح هو تحقيق التواصل وتبليغ رسالة إنسانية لأنه فن من الفنون وليس جنسا أدبيا محضا، فن دينامي ليس له قواعد ثابتة دائما، بل هو بحث مستمر عن صيغ وأساليب جديدة للتعبير والتواصل.
ومن الأعمال السينمائية والتلفزيونية والإذاعية مثل محمد الكغاط في الأفلام السينمائية التالية:
· 1962 : “شهر العسل بالمغرب” (شريط قصير. إنتاج ألماني فرنسي).
· 1969 : “شمس الربيع” للمخرج لطيف لحلو.
· 1970 : “وشمة” للمخرج حميد بناني.
· 1991 : “صلاة الغائب” للمخرج حميد بناني.
· 1992 : “ليلة القتل” للمخرج نبيل لحلو.
· 1997 : “للا حبي” للمخرج محمد عبد الرحمن التازي.
· 1999 : “يسوع” للمخرج روجي يونغ.
· 1999: “يوسف” للمخرج روجي يونغ.
· 2000: “ياقوت” للمخرج جمال بلمجدوب.
· 2000 : “مالينا” للمخرج جويسي تورناتوري.
· 2000 : “همسات” للمخرج محمد العبداوي.
مثل في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التالية :
· 1995 : “الواد” من إخراج حميد بناني.
· 1995 : “آخر طلقة” من إخراج عبد الرحمن ملين.
· 1998 : “ابن بطوطة” من إخراج حميد باسكيط.
· 1999 : مسلسل “السراب” من إخراج حميد بناني.
· 2000 : مسلسل “دواير الزمان” من إخراج فريدة بورقية.
· 2001 : “مداولة” من إخراج اقصايب.
عمل مساعد مخرج في فيلم “44 أو أسطورة الليل” لمومن السميحي. 1980. ومساعد مخرج في فيلم “صلاة الغائب” لحميد بناني. 1991.
كتب الحوار لفيلم “صلاة الغائب” لحميد بناني. ومن البرامج الإذاعية التي أنتجها بإذاعة فاس : · روائع المسرح العالمي. · آفاق فنية. · الحل الصائب. · دنيا المسرح. كما أعد للإذاعة المركزية بالرباط رواية “دفنا الماضي” لعبد الكريم غلاب في عشرين حلقة سنة 1979.
وبعد مسار حافل، وإثر معاناة مع المرض، توفي الفنان والمبدع، المسرحي المغربي محمد الكغاط في إحدى المصحات بباريس عن عمر يناهز 59 سنة، سنة 2001، حيث كان يخضع لعلاج بفضل رعاية جلالة الملك محمد السادس.

Related posts

Top