هل تقدر منظمة الصحة على الصمود دون دعم أميركي؟

نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديده الذي لوّح به منذ شهر بالانسحاب رسميا من منظمة الصحة العالمية بداية من شهر يوليوز 2021. وتعتبر هذه الخطوة ضربة جديدة تتلقاها المنظمة من إحدى أكثر الدول الداعمة لها ماليا بعدما اتهمها ترامب منذ بداية تفشي فايروس كورونا بسوء التعامل مع الوباء، وكذلك بالانحياز للصين. ويفتح هذا الموقف الأميركي باب التساؤلات عن مدى قدرة صمود منظمة الصحة العالمية مستقبلا دون الحصول على الدعم الأميركي.
فقد حسمت الولايات المتحدة رسميا علاقتها بمنظمة الصحة العالمية على إثر إعلانها رسميا الثلاثاء عن الانسحاب منها وذلك بعد شهر من تهديد الرئيس دونالد ترامب باتخاذ هذه الخطوة على خلفية ما يعتبره إدارة سيئة للمنظمة في التعامل مع الفايروس وكذلك بعد تصنيفه لها بأنها منحازة للصين.
وقالت الأمم المتحدة الثلاثاء إن الولايات المتحدة ستنسحب من منظمة الصحة العالمية في السادس من يوليوز 2021 بعد أن تلقت إخطارا بقرار ترامب، الذي اتهم فيه المنظمة بأنها أصبحت دمية في أيدي الصين أثناء جائحة كورونا.

أمل التراجع ضعيف

لاتخاذ هذه الخطوة الخطرة كان يتعين على ترامب الذي أعلن قراره قبل أكثر من شهر أن يرسل للمنظمة التي تتخذ من جنيف مقرا لها قبل عام من انسحاب الولايات المتحدة، وأن يدفع كل المستحقات المالية المترتبة على واشنطن بموجب قرار للكونغرس الأميركي في عام 1948.
وأفاد الموقع الإلكتروني لمنظمة الصحة العالمية بأن الولايات المتحدة مدينة للمنظمة في الوقت الحالي بأكثر من 200 مليون دولار من المساهمات المقدرة.
وخلفت هذه الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الأميركي ردود فعل غاضبة من جهات عدة باتت تطرح أسئلة كثيرة عن مدى صمود هذه المنظمة دون تلقي الدعم الأميركي الذي يقدر بنسبة 15 في المائة من موازنتها وكذلك عن مستقبل الشعوب الفقيرة التي تعد المستفيد الأول من خدمات منظمة الصحة العالمية.
وفيما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ستيفان دوجاريك إن واشنطن أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالانسحاب اعتبارا من يوليوو 2021، وصفت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي، انسحاب ترامب الرسمي من المنظمة بأنه “فعل من الحماقة.. لأن منظمة الصحة العالمية تقوم بتنسيق الحرب العالمية على وباء كوفيد – 19”.
وكتبت الزعيمة الديمقراطية على حسابها في تويتر “بينما تتعرض حياة الملايين للخطر، يشل الرئيس المجهود الدولي لهزيمة الفايروس”.
وبحسب المراقبين فإنه لم تعد هناك إمكانيات كبيرة للتراجع عن هذا القرار قبل بداية سريانه إلا عبر هزيمة ترامب أمام منافسه الديمقراطي السابق، جو بايدن، في الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر القادم.
ويأتي الحدث الجديد بعد أسبوع من إعراب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية عن أمله في مواصلة التعاون مع الولايات المتحدة رغم إعلان ترامب قطع العلاقة بين بلاده والمنظمة الأممية.
وفرض القرار الأميركي ضغوطا جديدة على المنظمة التي باتت محاصرة بالأزمات منذ ظهور الوباء. وقد انسحب تيدروس أدهانوم جيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية من ندوة مقامة في لندن في اللحظة الأخيرة الأربعاء بعدما قال المنظمون إنه يتعين عليه حضور اجتماعات تتعلق بإعلان الولايات المتحدة عن خروجها من المنظمة.
وكان من المقرر أن يشارك تيدروس في الندوة التي يعقدها مركز دراسات تشاثام هاوس في لندن عن جائحة كوفيد – 19 ويديرها ديفيد هايمان المسؤول السابق بالمنظمة وأستاذ الصحة العالمية.
وقال هايمان في الندوة المقامة عبر الإنترنت “كنت على اتصال مع مكتبه (تيدروس) بخصوص أمر آخر (هذا الصباح) وأبلغوني أن لديه عدة لقاءات دبلوماسية اليوم نتيجة انسحاب الولايات المتحدة”.
وتأسست منظمة الصحة العالمية في 1948 وتوظف سبعة آلاف شخص في كافة أرجاء العالم وتقوم بنشاطها بفضل مساهمات تقدّمها الدول الأعضاء فيها وهبات من جهات خاصة.
وتعد الولايات المتحدة، بفضل مساهمتها التي تقدر بـ893 مليون دولار خلال الفترة بين 2018 – 2019 أي 15 في المئة من موازنة المنظمة، أول جهة مساهمة فيها قبل مؤسسة بيل وميليندا غايتس أول مساهم خاص، ومؤسسة اللقاح “غافي” وبريطانيا وألمانيا قبل الصين مع 86 مليون دولار.
ويحذر المراقبون والخبراء، من أن تنزلق المنظمة نحو أزمة خانقة لن تمكنها من الإيفاء بتعهداتها الأممية الملقاة على عاتقها خاصة في ما يتعلق بالتزاماتها تجاه الدول الفقيرة التي تعد مركز الاهتمام الأساسي للمنظمة.
وفي هذا الصدد، أثار الانسحاب الأميركي، غضب ألمانيا التي صنفت الخطوة على أنها ضربة جديدة لكل الجهود الدولية للمزيد من تكريس التعاون العالمي في زمن الجوائح.
وصرحت مارتينا فيتز المتحدثة باسم الحكومة الألمانية أن انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية يشكل “نكسة للتعاون الدولي”.
وقالت فيتز في مؤتمر صحافي إن “الأوبئة العالمية تُظهر أننا نحتاج إلى تعاون دولي أكبر لمكافحة الوباء، وليس لتعاون أقلّ”.
وتابعت “عمل منظمة الصحة العالمية استثنائي، خصوصا في فترات مثل هذه، من المهمّ أن تحظى بالدعم وأن تكون ممولة بما فيه الكفاية” مضيفة أن “الانسحاب الأميركي يشكل نكسة للتعاون الدولي”.
من جهته، وصف وزير الصحة الألماني ينس شبان الإشعار الرسمي بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية بـ”الانتكاسة المريرة”.
وكتب شبان على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” إن “انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية هو انتكاسة مريرة للتعاون (الدولي)”، داعيا إلى “المزيد وليس القليل من التعاون في مكافحة الجوائح”.
وأضاف الوزير الألماني أن الاتحاد الأوروبي سيقترح إصلاحات لتقوية هيئة الصحة التابعة للأمم المتحدة.
وكغيرها من الملفات الخارجية الأخرى، دخلت قضية الانسحاب من منظمة الصحة العالمية على حلبة السجالات الانتخابية في الولايات المتحدة بعدما انتقد المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن خطوة ترامب ووعد بإلغاء هذا القرار “في اليوم الأول من ولايته الرئاسية في حال فاز بالانتخابات”.

خطوة مجنونة

يصف المراقبون انسحاب الولايات المتحدة بالخطوة المجنونة التي ستضع منظمة الصحة العالمية أمام تحديات صعبة تبقى على رأسها حتمية البحث عن بدائل مع شركائها لتعويض خسارة التمويل الأميركي الذي سيستنزف مواردها ويهدد بشكل كبير برامجها الصحية في البلدان الأكثر فقرا.
ويستند هؤلاء على حقيقة أن الأموال الأميركية تساهم بشكل رئيسي في تمويل برامج المنظمة في أفريقيا والشرق الأوسط. ويشارك نحو ثلث هذه المساهمات في تمويل عمليات الطوارئ الصحية، فيما يُخصص الجزء المتبقي في المقام الأول لبرامج التصدي لشلل الأطفال وتحسين الوصول إلى الخدمات الصحية والوقاية من الأوبئة ومكافحتها.
وتطرح هذه المباغتة الأميركية رهانات أخرى تضع مصداقية المنظمة في الميزان خاصة وأن بعض الدول الأعضاء الأخرى، باتت أيضا تهدد بالانسحاب منها وعلى رأسها البرازيل.
وكان الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو قد هدد الاثنين الماضي بسحب بلاده من منظمة الصحة العالمية إذا لم تكف، بحسب قوله، عن أن تكون “منظمة سياسية متحيزة”.
وقال بولسونارو في تصريحات إن عقار هيدروكسي كلوروكوين عاد بعد سحب دراسات زائفة بشأن فعاليته، معتقدا بضرورة استخدام هذا العقار للعلاج من كورونا رغم عدم وجود دليل علمي على كفاءته.

أزمة تلو أخرى

لا تعد أزمة الانسحاب الأميركي الوحيدة التي باتت تهدد وجود المنظمة ومستقبلها، بل تأتي بحسب الخبراء إلى جانب إخفاقات أخرى ميزت نشاطها علميا واتصاليا، ما وضع صدقية تقاريرها تحت مجهر الكثير من المؤسسات العلمية التي وجهت إليها انتقادات حادة منذ ظهور الوباء بمدينة ووهان الصينية في أواخر عام 2019.
وأثارت الكثير من تصريحات وبيانات المنظمة جدلا كبيرا بعدما وصفها خبراء في أكثر من بلد بأنها غير مستندة لأسس علمية دقيقة بشأن أسباب ظهور الفايروس أو اللقاحات الضرورية للتوقي منه.
 وتضاف هذه التشكيكات إلى سلسلة معطيات أطلقتها المنظمة الدولية طيلة سبعة أشهر وتسببت في اهتزاز مكانتها على الصعيد العالمي. وأظهرت آخر البوادر عدم دقة معطيات المنظمة حين بدأت في تعديل إرشاداتها تجاه كورونا بعد اعترافها بـظهور أدلة على انتشار كورونا من خلال الهواء الجوي، وذلك بعدما طالب علماء الهيئة العالمية، بتحديث إرشاداتها بشأن كيفية انتقال الوباء بين البشر.
وقالت ماريا فان كيرخوف رئيسة وحدة الأمراض الناشئة والأمراض الحيوانية المنشأ في منظمة الصحة العالمية “لقد كنا نتحدث عن إمكانية انتقال الهواء ونقل الهباء الجوي كإحدى طرق انتقال فايروس كورونا”.
وكانت منظمة الصحة قد قالت في وقت سابق، إن الفايروس الذي يسبب أمراض الجهاز التنفسي ينتشر في المقام الأول من خلال قطرات صغيرة تطرد من أنف وفم شخص مصاب وتنثر بسرعة على سطح الأرض.
وفي رسالة مفتوحة للمنظمة، حدد 239 عالما في 32 دولة الأدلة التي يقولون إنها تظهر أن جزيئات الفايروس العائمة يمكن أن تصيب الأشخاص الذين يتنفسونها من خلال الهواء، نظرا لأن هذه الجسيمات صغيرة، فإنها يمكن أن تستمر في الهواء، وكان هؤلاء يحثون منظمة الصحة العالمية على تحديث إرشاداتها.
وقال خوسيه خيمينيز، الباحث والخبير الكيميائي في جامعة كولورادو “أردنا منهم الاعتراف بالأدلة”، موضحا أن “هذا بالتأكيد ليس هجوما على منظمة الصحة العالمية، إنه حوار علمي، لكننا شعرنا أننا بحاجة إلى أن نعلن على الملأ ​​أنهم كانوا يرفضون سماع الأدلة بعد العديد من المحادثات معهم”.
ومن جهتها، أكدت بينيديتا أليجرانزي، المديرة التقنية لمنظمة الصحة العالمية للوقاية من العدوى ومكافحتها، إن هناك أدلة ناشئة عن انتقال الفايروس، لكنها لم تكن نهائية، مشيرة إلى أنه “لا يمكن استبعاد احتمال انتقال الوباء بالهواء في الأماكن العامة، وخاصة في ظروف محددة للغاية، والأماكن المزدحمة والمغلقة وذات التهوية الضعيفة التي تم وصفها، ومع ذلك، يجب جمع الأدلة وتفسيرها، ونواصل دعم ذلك”.
في المقابل، أشار خيمينيز، إلى أنه يمكن أن يؤثر أي تغيير في تقييم منظمة الصحة العالمية لخطر انتقال العدوى على نصيحتها الحالية بشأن الحفاظ على مسافة متر واحد (3.3 قدم) من المسافات البعيدة، ما قد يجعل الحكومات تضطر إلى تعديل تدابير الصحة العامة التي تهدف إلى الحد من انتشار الفايروس.
وفي سياق متصل، كانت كل هذه التطورات قد دفعت أكثر من 100 دولة منضوية تحت لواء المنظمة إلى تحقيق مستقل حول الوباء وأسباب انتشاره، وذلك خلال اجتماعات الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية التي انعقدت بشكل افتراضي في 18 و19 مايو الماضي.
وحاولت هذه الدعوات التنفيس على المنظمة وإخراجها من دوائر الصراع السياسي بين واشنطن وبكين، وشهد الاقتراح دعما دوليا من أستراليا والهند ونيوزيلندا وروسيا والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، وكذلك المملكة المتحدة وأيرلندا الشمالية، بينما لم توقع الولايات المتحدة على الاقتراح.
ولم تُشر مسودة التحقيق المذكور إلى تحميل مسؤولية كورونا إلى حكومة الصين رغم أن الأخيرة ما زالت ضمن مرحلة تدقيق دولي بشأن الجائحة الدولية التي تضررت منها معظم دول العالم.
وتقول الصين المتهمة بأنها محمية من قبل منظمة الصحة العالمية، إن كل ما تشيعه إدارة الرئيس الأميركي يدخل في خانة ما أسمته بـ”أكاذيب” يراد من خلالها تلفيق الاتهامات لإلقاء اللوم على الصين في انتشار فايروس كورونا.

Related posts

Top