صعب على التصديق أن يرحل عن هذا العالم، الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا، خسارة أن يغادرنا المبدع الذي من الصعب أن يتكرر، أو أن يجود الزمان بمثله.
غادرنا مارادونا بعد أن حبب الناس في كرة القدم، وحولها من مجرد لعبة الى فن راق، يمتع الناظرين، ويدخل البهجة على قلوب الملايين، كيفما كانت لغتهم أو هويتهم أو دينهم، فهو الوحيد الذي تمكن من توحيد العالم، فقط بيسراه الساحرة.
مارادونا الذي أحبه ملايين من البشر عبر العالم، فعلى امتداد عقود من الزمن، قدم خلاله عصارة فنه، تعامل مع الكرة كفن راق، يرتبط بمشاعر الناس وأحاسيسهم، ويدخلهم عوالم أخرى، حتى أصبح من الخالدين في القلب والذاكرة.
لم يمارس المبدع الأرجنتيني كرة القدم، كمجرد مهنة أو حرفة أو هواية أو مصدر عيش، بل تعلق بها كمجال إبداع ورقي وتعبير عن الذات، وهذه الصفات هي التي جعلت منه شخص استثنائي مختلف كليا عن الآخرين، لأنه بصراحة لا يقارن، ولا يقلد، وغير قابل للاستنساخ.
أبدا لم نحاسبه يوما ما عن سلوكاته، ولا عن طيشه في الكثير من الأحيان، ولم نعدد أخطاء ولا نزواته، فمن يحب لا يعاتب، والجميع أحب مارادونا بكل صفاته، لأنه ببساطة من طينة من المبدعين، والمبدع لا يمكن أن تطلب منه الانضباط، كما لا يمكن أن تتوقع ردود فعله، ولا أن تكبل حركاته وسكناته، أو تضعها في قالب جاهز للأخذ.
عندما كان يمارس ضمن نادي نابولي، غير كليا من وجه هذه المدينة الإيطالية الفقيرة، لم يقدها فقط نحو المجد والشهرة والتألق فقط، بل خلق ثورة حقيقة على امتداد الجنوب الإيطالي ككل، بعدما حوله كمزار لعشاق الفن الرفيع، وقبلة للزوار من مختلف بقاع العالم.
صاحب اليسرى الساحرة هذا، عاش حرا طليقا، ومات شامخا بكثير من الأنافة، لم يكترث يوما ما لأي سلطة، ولم يجامل أصحاب جاه، ولا قدس المال، ولا بحث عن دفء معين أو كفيل خاص، حافظ عن شخصيته واستقلالية قراره، أحب الحياة وقدم من أجل ذلك كل ما يملك، رافضا وضعه في قفص، والاكتفاء بزيارته خلال المناسبات.
والأكيد أن مدينة العيون المغربية ستذكر دائما الزيارات المتكررة للنجم مارادونا، أعجب كثيرا بالمدينة، أحب صدق ناسها، وتذوق خصوصية أكلها وتنسم شايها، تلحف لباس سكانها، وشاركهم بكثير من التلقائية والعفوية رقصاتهم وطقوسهم المستمدة من تاريخ عريق، وأهل الصحراء المغربية بادلوه نفس الحب ونفس التعلق، ونفس الانخراط بدون حساب…
توقف قبله عن النبض إيذانا بمغادرة هذا العالم، بعدما كنا نتوسم خيرا بشفائه وتعافيه، لكن المؤكد أن عطاءاته ستبقى خالدة وإلى الأبد، تتوارثها الأجيال ويتحدث عنها الأجداد لأحفادهم، لأن ما قدمه مارادونا هو إرث للبشرية جمعاء، يلجأ له كل هو في حاجة إلى لحظات حالمة تبعده عن هموم الدنيا ومصاعبها.
فإرث مارادونا عظيم، لأنه ببساطة مترجم بكل لغات العالم …
>محمد الروحلي