حين تُستعملُ إسرائيل وسيلة للتضليل

أبدأ من النهاية وأسأل، “لمَ لا يترك العرب فضائح العلاقة بإسرائيل جانبا ويلتفتوا إلى أحوالهم التي لا تسر، بل أنها تهدد بولادة أجيال تتميز بانخفاض منسوب الإنسانية لديها، أجيال صار اللصوص والمحتالون والأفاقون وأرباب السوابق والقتلة وقاطعو الطرق قدوتها؟”.
واهم مَن يصر على أن لإسرائيل يدا في ما يجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان والسودان والجزائر. وإذا ما أردتُ أن أكون صريحا أكثر يمكنني أن أضيف “إن انسداد الأفق أمام الفلسطينيين ليس صناعة إسرائيلية”.
دعوا إسرائيل جانبا. وإذا ما كان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو قد تباهى بأن دولته لا تملك علاقات مباشرة إلا بثلاث دول عربية، فهو حر في ما يقول. إنه رجل مرتاح يقود دولة ناجحة، يعيش مجتمعها في انسجام بالرغم من أصول أفراده المتفرقة، ويحظى علماؤها ومفكروها بالتقدير وتعتبر جامعاتها من أرقى الجامعات في العالم.
اتركوا ذلك الرجل في شأنه والتفتوا إلى شؤونكم.
ليس مفيدا في شيء أن نبحث في النفايات عن المكائد والوشايات والدسائس، في حين نغضُّ الطرف عن الكنوز الحقيقية التي صارت تُدمر أمام أعيننا. كنوز بشرية ومادية على حد سواء. لا أقصد هنا التاريخ الذي محي جزء عزيز منه فحسب، بل وأيضا الحاضر الذي صارت فيه شعوبنا تزحف تحت ركام من المشكلات المعقدة التي تفنن خبراؤنا في التلويح بالمناديل البيضاء مستسلمين لوصولها إلى مرحلة اللاحل.
إسرائيل عدوّ. ذلك ما يعترف به أصدقاؤها من العرب. غير أنها لم تنشر الفساد في العراق، ولم تشعل نار الحرب في سوريا وليبيا واليمن، ولم تدفع بلبنان إلى الإفلاس، ولم تحرم الجزائريين من ثروات بلادهم وتجعل منهم رهائن بوصلة الجيش الذي يحميهم من القتل مقابل نهب ثرواتهم.
أما على المستوى الفلسطيني فلا أعتقد أن مصير الشباب الواقع تحت ظروف الاحتلال المدمرة ليعني أحدا من السياسيين الفلسطينيين الذين يستنزفون حقوق الشعب عن طريق تحويلها إلى أرصدة مالية.
المشكلات العربية أكبر من أن تقوى إسرائيل على صنعها وإدامتها وإدارتها.
ذلك يعني أن تحميل إسرائيل مسؤولية ما يجري لنا هي واحدة من أكبر الأكاذيب في حياتنا السياسية. كلما فشل نظام حكم في تصريف شؤون مواطني الدولة التي يحكمها بسبب فساده رُفعتْ لافتة إسرائيل الجاهزة. وكلما رغبت عصابة في سرقة أموال الشعب ضجّت المنابر باللعنات على إسرائيل، وكلما نزل قاطعو الطرق إلى الشوارع ليمارسوا هوايتهم في السلب والنهب والقتل والخطف قيل إن الهدف يكمن في منع إسرائيل من التغلغل في المجتمعات العربية.
أعرف أكثر من كل ذلك، وأدرك أن هناك مَن سيتهمني بمحاولة التستر على جرائم إسرائيل. ذلك اتهام لم يعد يخيف أحدا. فما يحدث في العالم العربي يكشف بما لا يقبل اللبس عن أن هناك جهات مستفيدة من استمرار الفوضى ليست إسرائيل من ضمنها.
لنتأمل المشهد في المنطقة جيدا. إيران وتركيا هما اللاعبان الرئيسيان ولكل واحد منهما أتباعه المحليون الذين ينفذون تعليماته، وما من شيء يشير إلى وجود جهة تنفذ تعليمات إسرائيلية إلا إذا كانت إيران وتركيا تعملان لدى الموساد الإسرائيلي وذلك لن يؤثر في شيء على النتائج.
المهيمنون على السلطة في العراق ولبنان وسوريا واليمن هم إيرانيون أكثر من خامنئي. أما في طرابلس الغرب فإن حكومتها الخاضعة للميليشيات تريد الإسراع في “تتريك” ليبيا بعكس ما دعت إليه القرارات الدولية.
كل تلك الكوارث التي تحيط بنا لا خيط يقودنا إلى مصادرها الإسرائيلية.
لذلك فإن الحل لن يكون إسرائيليا كما يتوهم البعض.
الحل يكمن في عودة العراقيين إلى عراقيتهم والسوريين إلى سوريتهم والليبيين إلى ليبيتهم واللبنانيين إلى لبنانيتهم واليمنيين إلى يمنيتهم، ومَن يرفض القيام بذلك فهو العدو الذي يجب أن يُطرد إلى إيران أو تركيا.
لقد استعمل عملاء إيران وتركيا إسرائيل مسوّغا لارتكاب جرائمهم العظمى، وآن الأوان لكي يتعرف القتيل على هوية قاتله.
حين نضع إسرائيل جانبا سنكتشف هوية قاتلنا الحقيقي.

فاروق يوسف كاتب عراقي

Related posts

Top