انتخابات فرنسا

قدمت الانتخابات التشريعية الفرنسية التي جرى دورها الأول الأحد الماضي للمتابعين والمهتمين دروسا لا تخلو من أهمية، ويمكن أن نجعل «المنطق» عنوانا مركزيا للدلالة عليها، فضلا عن دور الناخب(ة)/المواطنة(ة) في صنع مستقبل البلاد، واختياراتها السياسية الكبرى. الحزب الاشتراكي الذي فاز بالرئاسيات، يؤكد تقدمه بحصد غالبية مقاعد الجمعية الوطنية، ومن المرجح أن نتائج الدور الثاني لن تزيده إلا ارتياحا من أجل تنفيذ البرنامج الانتخابي الذي أوصل هولاند إلى قصر الإليزي، وهنا يتجلى بوضوح وجود منطق يحكم قرار الناخبين، وامتلاك الحزب لكتلة شعبية ناخبة تعرف متى تتعبأ وراء حزبها لمنحه شروط العمل المريح في المؤسسات.
وبالرغم من التقدم المسجل على مستوى نتائج قوى اليمين المتطرف، وبعض المفاجآت الصغيرة هنا وهناك، مثل خسارة جان لوك ميلونشون، فإن أصوات الناخبين الفرنسيين نجحت في منح البلاد مشهدا برلمانيا يمتلك كثيرا من المنطقية في السياق السياسي والمجتمعي الحالي.
معطى آخر، من المهم التوقف عنده، هو نسبة الامتناع التي فاقت 42 في المائة، وهي نتيجة صارت متواترة تقريبا في عدد من الانتخابات بمختلف مناطق العالم، المتقدم أو النامي، كما أن وجود وزراء في موقع المسؤولية لم يحل دون التصويت عليهم في دوائرهم، ماعدا استثناءات قليلة.
وعلى صعيد الحزب المتصدر لنتائج الاقتراع، فإن الكل تابع التناحرات الداخلية بين قيادييه، وذلك منذ ما قبل الانتخابات الرئاسية، وصارت الخلافات علنية وتتصدر كل الواجهات الإعلامية، لكن ذلك لم يمنعه من الفوز بالانتخابات، كما أن كل الهجومات والهجومات المضادة اختفت مع حلول موعد الحسم الانتخابي، وشاهدنا جميع قادة الحزب خلف الرئيس الفائز، وتابعنا في الأيام الأخيرة تصريحاتهم المعتزة بانتصارات حزبهم، والمعبئة لصالح مرشحاته ومرشحيه.
هنا أيضا لم تغب المنطقية التي أشرنا إليها أعلاه، وسمو الأخلاقية السياسية والحزبية العالية على ما عداها من أنانيات ونزوات انتهازية، وتبين أن صنع أحزاب قوية وموحدة يتطلب كذلك الانتصار على الأمراض الانتهازية الداخلية، وترسيخ الوعي التنظيمي داخل الحزب، و»النجاعة» السياسية.
من جهة أخرى، عندما نتأمل النتائج التي حققتها قوى اليمين المتطرف، في توازي مع بعض التقدم الذي حققه مرشحون من أصول مغاربية وأجنبية، ولو أنه لم يمكن أحدا منهم لحد الآن من الفوز بمقعد نيابي، فإننا نجد الأمرين يعكسان حقيقة التجاذب الفكري والنفسي والمجتمعي السائد في المجتمع الفرنسي، وحجم انشغالاته بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الداخلية، لكن أيضا نستنتج كيف أن النظام السياسي والانتخابي الفرنسي، ورهان السياسة يجذب كل من يعيش فوق التراب الفرنسي، ويثير رغبة الكل للمساهمة في خدمة البلاد والمجتمع، وهذا كذلك درس مهم لنا هنا في المغرب، أي أن نجعل السياسة جاذبة لاهتمام أوسع فئات شعبنا.
لنستفد من دروس الآخرين..
[email protected]

Top