في الذاكرة.. وجوه بصمت خشبات المسرح المغربي

قد يمر بنا قطار العمر بمحطات وأماكن لا نشعر بجمالها إلا عندما نبتعد عنها.. وقد يؤثث مشهد حياتنا فنانون فرضوا علينا الاحترام بأدائهم و مشاعره الإنسانية الجميلة. وفي أكثر الأحيان لا نشعر بقيمتهم ومدى تأثيرهم في حياتنا إلا بعد أن يغادروننا ويصبحون مجرد ذكرى فيتركون ذكريات قد تثير فينا الشجن والحزن والفرح والابتسامة أو الألم والحسرة.. ولكن تبقى ذكرياتهم محفورة داخلنا، تذهب بنا إلى العالم جميل نستنشق من خلاله عبق المحبة والحنين إلى الماضي حيث نتذكر فيهم وبهم أجمل اللحظات برونق خاص وغصة بالقلب…
رحلوا عنا الغوالي وتركوا لنا ذكريات نتعايش معها وتنبض الحياة في أعضائنا، وصورهم مازالت ماثلة أمام أعينينا..
هكذا هي الحياة، كما هي الممات، لقاء وفراق، دمعة وابتسامة.. فبالأمس رحل عنا العظماء ممن كنا نحبهم لأنهم تركوا بصمات على دركنا وفهمنا للحياة من علماء وشعراء وأدباء وفنانون فهم شخصيات عامة إلا أنهم أناس عاشوا وتعايشوا معنا ليرحلوا بهدوء دون أن ترحل آثارهم وتأثيراتهم..

الحلقة العاشرة

الممثل الراحل عبد الله العمراني

ولد عبد الله العمراني سنة 1941 في مدينة مراكش وتوفيّ يوم 14 ماي عام 2019 في مدينة مراكش أيضا، هو ممثل مغربي برز في عدد من الأفلام والمسلسلات المحليّة ذات الطابع السياسي أو التاريخي.
التحق عبد الله بمدرسة التمثيل للأبحاث المسرحية عام 1959 – لم يكن يتجاوز حينها الثامنة عشر من عمره – ثم درس بها ثلاث سنوات حيث تعلم الوقوف على خشبة المسرح كما تعلم مختلف أساليب التعبير والتواصل مع الجمهور.
والتحق بعد تخرجه مباشرة بالفرقة الوطنية للمسرح التي كانت قد تأسست سنة 1952 والتي كانت تجمع كبار الفنانين المسرحيين. صقل العمراني مهاراته في مجال التمثيل ما مكّنهُ من المشاركة في العديد من الأعمال المسرحية والتلفزيونيّة لعلّ أبرزها نساء… ونساء وفيلم الرسالة.
وينحدر عبد الله العمراني من أسرة محافظة حيث كان والده السيد عمر بن حليمة العمراني يعمل كمدرس للعلوم الدينية بجامعة ابن يوسف في مدينة مراكش. خلال سنين مراهقته انجذب عبد الله للتمثيل فعمل بشكل دوري على المشاركة في المسابقات التي كان تنظمها مدرسته في ذلك الوقت قبل أن ينضم لفرقة الأمل رفقة عدد من نجوم التمثيل بمن فيهم محمد حسن الجندي، عزيز موهوب ومليكة العماري وغيرهم.
والتحق عبد الله العمراني بمركز الأبحاث المسرحية في العاصمة الرباط في عام 1959 ثمّ تخرج منه بعد ثلاث سنوات من الدراسة. في نفسِ العام انضم العمراني للفرقة الوطنية للمسرح والتي كانت تعرف حينها بفرقة المسرح الشعبي. أول ظهور فعلي له في عمل ملحوظ كان مسرحية “الفصل الأخير” من تأليف عزيز السغروشني وإخراج الطيب الصديقي والتي تناولت قصة ملوك الطوائف بالأندلس. بعد ذلك شارك العمراني في العديد من المسرحيات التي كانت عادة ما تؤخذ من كتب كتاب معروفين على الصعيد العالمي على غرار شكسبير وموليير وغيرهما.
واصلَ العمراني أعماله التي توزعت بين مسرحيات وأفلام كانت تحقق نجاحا نسبيا في تلكَ الفترة ما مكنه من المشاركة في عدد من المهرجانات والتظاهرات الفنية والتي حصل خلالها على مجموعة من الجوائز مثل جائزة أحسن ممثل في المهرجان الإفريقي الأول بالجزائر سنة 1969 وجائزة تقدير من وزارة الشبيبة والرياضة فضلا عن وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الأولى من الملك الراحل الحسن الثاني.
بحلول عام 1962؛ شاركَ العمراني في تصويرِ فيلم «ليالي أندلسيّة» من إخراج العربي بناني والذي يحكي عنِ قصّة حب تجمعُ بين امرأة ورجلان كما شاركَ في نفسِ العام في الفيلم الروائي الطويل المعروف «لورانس العرب» إلى جانبِ عددٍ من الممثلين الغربيين من أمثالِ بيتر أوتول وأنطوني كوين والنجوم العرب بمن فيهم الممثل المصري عمر الشريف.
وبحلول عام 1975 تفرق أعضاء الفرقة الوطنيّة للمسرح فانضم العمراني بعد ذلك إلى فرقة التمثيل التابعة للإذاعة الوطنية والتي شارك معها هي الأخرى في تصوير وتمثيل عدد من الأفلام والمسرحيات قبل أن ينتقل لعالم الإخراج حينما عمل على إصدار حوالي 24 مسرحية. عاد العمراني للتمثيل مجددا لكن هذه المرة على المستوى العربي حيث ظهر في عدد من المسلسلات لمخرجين عرب مثل مسلسل “مواكب النصر” لمخرجه المصري أحمد خيضر وسلسلة “صقر قريش” بالإضافة إلى مسلسل “مصر القديمة” لطوني ميتشيل.
في عام 1976 حصلت نقلة نوعيّة في مسار الممثل المغربي عبد الله العمراني وذلك بعدما شارك في مسلسل “الرسالة” وظهر بعدها بعام في مسلسل “يسوع الناصري” ثم شارك في سلسلة “مريم الناصرية” عام 1995. ظل العمراني حاضرا على الشاشة المغربية كل سنة تقريبا وتعرف عليه الجمهور أكثر فأكثر بعد كل عمل كان يقدمه خاصة بعدما بدأ في الحصول على أدوار البطولة. بحلول عام 2006 شارك العمراني رفقة الممثل المغربي سعيد الناصري في بطولة فيلم “عبدو في عهد الموحدين” الذي حقق نجاحا على المستوى المحلي ثم ظهر في فيلم “ماجد” الذي صدر عام 2010 فيما يعد فيلم “عودة الملك لير” لهشام الوالي والذي صدر عام 2018 آخر أعمال عبد الله العمراني.
مع تقدمه في العمر؛ عانى عبد الله العمراني من عدد من أمراض الشيخوخة ثم أصيب بالشلل النصفي ما دهور من حالته الصحية مع بداية عام 2019 حيث نقل للمستشفى العسكري في مدينة مراكش لإجراء عملية جراحية على مستوى الرأس. بالرغم من ذلك لم تتحسن حالة عبد الله وبقي طريح الفراش إلى أن فارق الحياة عشية الرابع عشر من ماي من عام 2019 عن عمر ناهز الـ 78 سنة.

Related posts

Top