“السندباد”محمد الروحلي رئيس القسم الرياضي لجريدة “بيان اليوم” يسرد تجربة أزيد من 35 سنة من العمل الصحفي داخل مؤسسة البيان

في هيئة تحرير جريدة بيان اليوم، الوريث الشرعية لجريدة البيان، رحل الكثيرون ممن اشتغلوا فيها إلى دار البقاء، وغادرها آخرون إلى التقاعد بعد بلوغهم سن الستين، وحده الصحافي ورئيس القسم الرياضي الزميل محمد الروحلي، يظل حاضرا داخل الهيئة بتجربة وخبرة راكمها لأزيد من 40 عاما وما يزال مصرا على إكمال المشوار في مهنة أتعبته كثيرا.
الروحلي يروي، في حوار أجرته معه «بيان اليوم»، على هامش الاحتفال بالذكرى الـ45لتأسيس الجريدة، والتي تصادف 24 نونبر الجاري، مجموعة من النقاط الأساسية المرتبطة بعلاقته بالجريدة، بدء من كيفية التحاقه بها قبل 39 سنة، وتحديدا في يناير 1978، مرورا بالدوافع وراء اختياره هذه المؤسسة، وبعدها العمل المطبعي ثم الصحفي لاحقا.
الروحلي يقربنا، في هذه المساحة الضيقة، من ظروف الاشتغال الصعبة جدا التي رافقت عمله سواء بالمطبعة أو هيئة التحرير، مع الإشارة إلى أبرز ذكرياته التي تعود لزمن الرقابة والمنع، وعلاقته بالرفيق علي يعته، مقدما خلاصة عن التحولات التي عرفتها الجريدة وعايشها بداية من مرحلة التأسيس سنة 1972 إلى يومنا هذا.

> كيف جاء التحاقك بالبيان؟
< التحقت بالبيان في 15 من شهر يناير سنة 1978. أتذكر أن عمري كان آنذاك لا يتجاوز 19 سنة.التحقت بالجريدةبطلب ومساعدة من أحد أفراد عائلتي الذي كان يشتغل بها، وعرض الفكرة على السي علي يعته رحمة الله عليه. انضممت إلى البيان، أولا، على أساس طلب الحصول على فرصة عمل، وثانيا رغبة في الانتماء إلى حزب التقدم والاشتراكية.
بيد أن معرفتي بالبيان تعود إلى مشاركتي بأحد رحلات شبيبة التقدم والاشتراكية، عندما حضر أطر من الحزب إلى ثانوية بلعوام بعين السبع. وكان معهم أحد الأشخاص الذي يشتغل في قطاع الطلبة وتربطني به علاقة جيدة. هذا الشخص اقترح علي، خلال تلك الزيارة، المشاركة في رحلة إلى كاسكاد، وهي أول رحلة تنظمها الشبيبة الاشتراكية بعد تأسيسها، وخلالها تعرفت على قياديين في الحزب كأحمد سالم لطافي، وحميد الغرباوي، ورشيدة الطاهري، وعبد الكريم بن الصغير الذي كان صحافيا بالبيان.
أعجبني جو الرحلة وحماس الشباب والأفكار التي يتداولونها، كما لفت انتباهي شخصية المسؤول عن قطاع الطلبة وأحد مناضلي الحزب وكان يسمى الكيناني. هذا الأخيركان يستدعي العناصر النشيطة من الشباب المتمدرس. اتصل بي وأطلعني على البيان التي كانت تصدر أسبوعيا، وتميزت بخاصية البيع النضالي الذي شاركته فيه في فترة لاحقة. في إحدى المرات استفسرته عن قلة الصفحات الرياضية، وعبرت له عن ولعي بالكتابة خاصة في الصحافة الرياضية التي ارتبطت بها منذ المرحلة الابتدائية، إذ كنت أقتني جريدة العلم بـ 6 ريالات ودفترا، وأقوم بقص الصور وإلصاقها مع وضع تعاليق لها. وهنا أتذكر أن والدي مزقهذا الدفترلكونه -حسب اعتقاده- مسؤولا عن رسوبي في إحدى المراحل الدراسية.
لاحقا طلب مني الكيناني الكتابة، واستفسرته عن إمكانية نشر مقالاتي. فرد علي بالإيجاب ثم قدمت له مقالا للنشر. وأتذكر أني رافقتهإلى مقر الحزب بعين السبع، حيث تعرفت على عبد المجيد الذويب، وعبد الله العياشي. وأتذكر شخصا اسمه العربي الوادي الذي كان مكلفا بفرع الحزب بعين السبع والذي أصبح لاحقا من أصدقائي. تفاجأت كثيرا من جرأته في الحديث عن الظلم والأخطاء التي تقع في مجتمعنا. كان خطابه، في تلك الفترة من أواخر السبعينات، حماسيا، وشد انتباهي.
داخل بيت العائلة برزت معاناة أخرى.فقد تم طردي من الثانوية بمعية مجموعة من الزملاء بسبب الطيش والانخراط في الإضرابات والغيابات. في حمأة الغضب، اقترح علي والدي الالتحاق بالشرطة، لكني رفضت ذلك لأني لم أكن مقتنعا بهذا الاقتراح، وهو ما زاد من غضبه. بعدها ناقشني قريبي الذي يعمل بالمطبعة، واستفسرني عن سبب رفضي الالتحاق بالشرطة، ليقترح علي الانضمام بالبيان. ولقد تفاجأ كثيرا بمعرفتي لبعض الأشخاص والمعطيات التي تخص البيان. قال لي إنه سيستشير السي علي حول إمكانية العمل بالمطبعة، موضحا لي أن العاملين بالمطبعة يحصلون على رواتب تفوق رواتب الصحافيين. قريبي كان يملك دبلوما حصل عليه من دار الكتاب بالرباط، وخول له العمل في مطبعة البيان، بعد أن قضى فترة في جريدة “لوبينيون”، واقترح علي الحصول على دبلوم مماثل والعمل بمطبعة البيان مع استمراري في الكتابة. وفعلا التحقت بالبيان وبدأت بتعلم كافة مراحل العمل المطبعي، باستثناء تدوير المطبعة.وسرعان ما أصبحت أكتب المقال وأرقنه وأركبه بالمونتاج.

> من شجعك على الكتابة من داخل البيان؟
< عبد الكريم بن الصغير هو من شجعني ضمن خلية صحافة تتكون من عبد السلام بورقية وعبد الله العياشي. كانت هذه الخلية تقدم في الآن ذاته دروسا في الصحافة حضرتها في عدد من المناسبات. وبعدها طلب مني بن الصغير الكتابة، وأخبرته بأني أفعل ذلك منذ فترة. المهم بدأنا في العمل، حيث كنت أعمل في قسم المونتاج وهو يعمل على الرقن، وأصبحنا مكلفين بالرياضة بعد موافقة السي عليهذه المهمة بصفته، آنذاك، مديرا ورئيسا تحرير الجريدة، وواصلنا العمل. في إحدى المرات سأل السي علي عن اسمي بعدما اطلع عليهمنشورا في الجريدة. تفاجأ السي علي وبدأ منذ تلك اللحظة بالاهتمام بي وتبناني إلى درجة السماح لي بحضور اجتماعات خلية لجنة الصحافة التابعة للحزب بالدار البيضاء، والتي كانت تضم أحمد بوكيوض وأسماء أخرى تدعم الجريدة. مع مرور الوقت، واصلت العمل وبدأت أحصل على شهادة العمل كصحافي رغم أنني لم أكن أنتمي لهيئة التحرير بحكم أن الرياضة لم تكن مدرجة فيها أساسا كقسم قائم الذات. أناوبن الصغير كنا نتكلف بصفحاتها من خارج الهيئة، وواصلنا العمل بنفس الطريقة إلى حدود سنة 1987، حيث استدعاني السي علي عندما تم توقيف الجريدة بسبب المنع لشهرين أو 3 أشهر، في مكتبه، وأخبرني بأني سأنتقل للعمل كعضو بهيئة التحرير بصفة رسمية. وظللت أشتغل منذ تلك السنة إلى سنة 1991، حيث عرفت الجريدة تغييرا وأصبحت تحمل عنوان بيان اليوم. وانتقلنا إلى المقر الجديد بحي لاجيروند سنة 1991.

> ماهي أهم محطاتك المهنية في تلك الفترة؟
< أتذكر أنه تم اختياري صحافي السنة سنة 1996 في حفل تكريم القيدومين محمد بنيس، وعبد اللطيف الشرايبي. وجاء التكريم من طرف الجمعية المغربية للصحافة الرياضية التي كانت الوحيدة والمعترف بها دوليا. وأتذكر تاريخ الاختيار الذي كان هو الثاني منيوليوز، والذي يصادف اليوم العالمي للصحافة الرياضية، بحضور التركي توغاتلي دياتلي رئيس الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية، بمقر وكالة المغربي العربي للأنباء “لاماب”. تم منحي تذكارا بالمناسبة حملته معي إلى هيئة التحرير وأقام السي علي احتفالا خاصا على شرفي بحضور هيئتي تحرير الجريدتين. وتحدث عني بطريقة لا يمكن وصفها، ومع الأسف لم أعد أمتلك تسجيل حديثه. أتذكر أن السي ميمون حبريش رحمة الله عليه، والذي كان يترأس هيئة تحرير البيان باللغة الفرنسية قال لي بالحرف “أعرف السي علي لسنوات وأول مرة أراه يثني على شخص مباشرة”. لا أتذكر كثيرا ما أضافه الراحل حبريش، إلا أنني لازلت أذكر أنه اعتبر اختياري فخرا للجريدة وتتويجا لإخلاصي في العمل. كومن الأمور التي وقعت، وهي أن أحدهم تحدث عني بنوع من التهكم، فرد عليه السي علي بسرعة قائلا باللغة الفرنسية “لماذا تضحك. الروحلي يقوم بعمله بأمانة”. وبإيعاز من ندير يعته، وهو من الصحافيين الذين لا يسعك إلا الافتخار بهم لكونه كان صحافيا بمعنى الكلمة ومثقفا ومناضلا وإنسانا رائعا، تم اقتراحي للإشراف على في القسم الرياضي، ونقل بن الصغير إلى القسم الاجتماعي الذي كان بحاجة إلى كفاءته، بحكم أنه كان مهتما بهذا الجانب، ولكون جريدة البيان تميزت باهتمامها بقضايا المواطنين، إذ كانت تتوصل يوميا بكم هائل من المراسلات القادمة من مختلف فروع الحزب. بيد أن أهم محطة في مسار المهني ولن أنساها ما حييت، هي الاستقبال الملكي الذي حظيت به في خريف سنة 1999 صحبة تسعة من الصحافيين الرياضيين. استقبال أعتبره وهو تشريفا لي من جلالة الملك محمد السادس، والذي جاء بعد أشهر معدودة من اعتلائه العرش.

> كيف كنت ترى هيئة التحرير؟ ومن هم أبرز الصحافيين الذين اشتغلت معهم؟
< عندما التحقت بهيئة التحرير وجدتها معهدا للصحافة، حيث كان هناك عدد من الأطر التي تعمل كخلية نحل، أذكر منهم الأستاذ أنيق رحمه الله، وهو محام وصحافي بارز، ورئيس التحرير أحمد الهناوي،ورمز عبد الحميد الذي أعتبره من أطيب خلق الله ومن بين الأشخاص الذين ساعدوني، وأحمد بكري الذي كان يراجع مقالاتي لغويا، والأستاذ أسمر الذي كان يدرس بالمعهد العالي للصحافة بالرباط ويشتغل بالبيان، والدكتور عبد الوهاب وهو صهر عائلة سعيد السعدي وعمل في الصحافة سابقا بمصر، وهناك ايضا صحافي عراقي اسمه عامر كان ينتمي للحزب الشيوعي العراقي، وفر من بطش صدام حسين واشتغل بالبيان لسنوات، إضافة إلى أسماء أخرى. وفي هيئة تحرير البيان بالفرنسية كان هناك تناوب بين خالد الناصري ومحمد بنيس، وبعدها التحق عبد المبارك الطفسي، وعبد الحميد الغرباوي الذي كان يشرف على الصفحات الرياضية قبل التحاقي كصحافي رسمي. هاته الأسماء وغيرها كانت تشكل لوحدها معهدا للصحافة داخل البيان التي كانت تعرف حركية ونشاطا دائمين.

> ماذا عن مرحلة نبيل بنعبد الله؟
< بعد وفاة السي علي سنة 1997، جاء نبيل بنعبد الله واشتغلت تحت قيادته إلى صيف 2000 عندما غادرنا بسبب ظروف خاصة. وكانت هذه المغادرة صدمة للجميع. بعدهجاء أحمد الزاكي، ثم الأستاذ محمد قاوتي، فالمدير الحالي محتات الرقاص الذي كان في السابق مراسلا للقسم الرياضي، ثم انضم إلى مكتب الرباط، قبل أن يسافر إلى روسيا لدراسة الصحافة.

> ما هي أسباب اختيارك للبيان؟ هل هو حب المهنة أو الإيمان بمبادئ الحزب؟
< اختياري يندرج ضمن حبي للرياضة وارتباطها بالصحافة، إذ انخرطت تلقائيا في مرحلة من مراحل حياتي بهذه الجريدة وأيضا الحزب والشبيبة، والدليل أنني لم أفكر إطلاقا في الخروج من البيان رغم وجود اتصالات وعروض رفضتها دوما. كنت أرفض الانتقال إلى منبر آخر لأني كنت أحس بقوة انتمائي للبيان إلى درجة مشاركتي في البيع النضالي أيام الأحد عندما لا تصدر باقي الجرائد أو في المسيرات خاصة في عيد العمال بفاتح ماي. وأحيانا كنت عندما أسير في الشارع وأجد أن كشكا لا يعرض البيان أو يضعها في مكان مخفي، أتشاجر معه وأقوم بالتبليغ عنه، وكانت سابريس تقوم بواجبها على أكمل وجه.

> كيف كانت ظروف الاشتغال في بدايتك مع البيان؟
< عشت كافة مراحل تطور الجريدة، حيث كانت المطبعة القديمة تعتمد على “اللينوتيب” وهي آلة طباعة بالرصاص حصلت عليها بفضل العلاقات التي كانت تربطها بالحزب الشيوعي السوفياتي الذي قدم لها الدعم في كثير من الأحيان. وأتذكر المعاناة الكبيرة للعاملين فيما يتعلق بتركيب تلك الحروف الرصاصية. في سنة 1991 ظهرت آلة النسخ الضوئي، علما أن البيان ظلت دوما متأخرة فيما يخص الجوانب التقنية. وفي فترة إدارة نبيل بنعبد الله، قام الأخير بعملية تجديد آلات النسخ ومد الجريدة بحواسيب جديدة.

> كيف تعاملتم مع المضايقات والمنع في بعض الفترات؟
< كنا نجهز الجريدة ولا ندري إذا كانت سترى النور أم لا. كان يحدث أن نجهز الجريدة، ونغادر، لنعود في الصباح ونعلم أنه تم منعها.فبعد كل عملية طبع لجريدة، يأخذ موفدون عن العمالة نسخا منها للاطلاع على مضامينها ثم الحسم في عملية التوزيع بالموافقة أو عدمها. كنا مرارا نعيد الصفحات التي لا توجد بها مواد حالية بسبب صعوبة إعادة العمل خاصة بالرصاص. ومن حكايات المنع أنه كان يحضر شرطي ورجل أمن بالقوات المساعدة ويقفان أمام المطبعة ويفتشان الداخل والخارج، وفي إحدى المرات كانت هناك آلة رصاص مغطاة، وسمع رجل الأمن “هز الرصاص .. حط الرصاص”، فاتصل بالقائد ومفتش الشرطة وأخبرهما بوجود رصاص. لقد كان يعتقد أن هناك رصاصا حيا بالمطبعة. وهناك حكايات كثيرة عن توقف الجريدة، وأعتقد أني شخصيا عايشت هذه التجربة مرتين لمدة شهرين في الأولى ثم 3 أشهر في الثانية. وأتذكر أن الكل اعتقد أن الجريدة لن تعود للصدور مرة أخرى كما حدث مع جريدة المحرر التي توقفت نهائيا سنة 1981. لكن البيان عاودت الصدور بفضل تدخلات ومواقف الحزب التي كنا نفتخربها وبمقالات وافتتاحيات السي علي. وللإشارة، فعندما كان السي علي يسافر، ينوب عنه مجموعة من الأشخاص كعبد السلام بورقية، وشعيب الريفي، وشمعون ليفي، وأحيانا قليلة عبد الله العياشي، هؤلاء كانوا يحرصون على سير العمل كما هو متعارف عليه خاصة ما يتعلق بالاجتماعات اليومية. وفي السابق كنا نجتمع بشكل مشترك بين هيئتي الجريدتين، وأصبح لكل هيئة اجتماعها بدء من 1991.

> علاقتك بالسي علي يعته؟
< عمليا فقد تبناني السي علي. اهتم بي وشجعني وصفح لي زلاتي ووضعني في مرتبة تقدير. كما غفر لي بعض الأخطاء الطبيعية والمندرجة في سياق ضغط العمل اليومي. ما أزال أذكر أن السي علي حرص على تعليمنا ضرورة الاستشارة لتغدو عادة بيننا. وفعلا فأي شيء كان يمثل لي لبسا أو إشكالا، أقصد السي علي لاستشارته إلى درجة أن الجمعية المغربية للصحافة الرياضية كانت تستشيره قبل عقد الجمع العام فيما يخص عمليات التصويت وانتخاب الرئيس. كان يدعوني أنا وبن الصغير إلى الانخراط في نفس مواقف الصحافة الوطنية التي كانت تعرف تواجد جرائد العلم ولوبينيون، والاتحاد الاشتراكي، وفي فترات متفرقة جريدة أنوال.. وأتذكر أني عندما حاولت استشارة نبيل بنعبد الله حول موضوع ما، أجانبي بأنني أملك الصلاحية التامة كمشرف على القطاع الرياضي. وهذا بالطبع كان أسلوبا مغايرا لأسلوب السي علي. هذا الأخير الذي لم يرفض لي طلبا طلبته منه، خاصة أن طلباتي لم تكن كثيرة أو مبالغا فيها وغير متهورة إلى درجة أنني كنت أحصل على شهادة عملي كصحافي حتى قبل التحاقي بهيئة التحرير بصفة رسمية. وهو ما يظهر التقدير والثقة التي كنت أحظى به من طرف السي علي. وعلى ذكر الثقة، أذكر ما وقع لي مع بنعبد الله بخصوص عقود استشهار لحضور تظاهرات رياضية، حيث وقع لي أوراقا على بياض. وهو أمر لن يقوم به مع أي شخص. الحمد لله كنت في مستوى الثقة وحافظت على احترام الآخرين لشخصي كممثل لمنبر إعلامي معروف ومحترم في مختلف الأوساط رغم ما يقال عن الصحافة الرياضية. فمن يريد أن يحافظ على مساره نقيا سيفعل ذلك.

> علاقتك بالمطبعة؟
< كما سبق أن قلت، فقد مررت بكافة مراحل الطباعة إلى درجة أنني كنت بمعية بن الصغير، نكتب المقالات ثم نرقنها، ونركبها في الصفحات الرياضية، وهي عملية تحدث حاليا ببعض المنابر الإعلامية المستقلة بطريقة متقدمة. الصحافي اليوم بات يقوم بكتابة المقال، ثم مباشرة بعد ذلك، يقوم بعملية المونتاج للصفحة. وهذه العملية سبقنا لها قبل عشرات السنوات، وتحديدا في أواخر السبعينات. أتذكر أنني حين كان يستدعيني أحد أعضاء هيئة التحرير لكتابة مقال وأنا بصدد الاشتغال على المونتاج ويداي ملوثان بالمداد، يطلب مني قبل كل شيء غسل يداي.

> ما هي أبرز التحولات التي واكبتها طيلة مشوارك الصحفي بالبيان؟
< من أهمها هو ارتفاع عدد الصفحات. في البداية كانت هناك 8 صفحات لتنتقل إلى 12 صفحة ثم بلغت 16 صفحة كما هو الحال الآن. وعلى مستوى المطبعة كانت البداية باستعمال الرصاص، ثم تقنية النسخ الضوئي بمرحلتين، لنصل إلى ما هي عليه في الوقت الراهن. ولدي الكثير من القصص مع الرصاص. فمثلا كان قد يحدث أن ينكسر ويضطر مبارك الزاهي إلى إصلاحه. وكان الزاهي الذي يعد من أهم الأشخاص والأكثر ارتباطا بالمطبعة حلالا للمشاكل التقنية بفضل ذكائه وخبرته وكثيرا ما أنقذ الجريدة من شبح عدم الصدور. كما كانت تحدث مشاكل على مستوى كي الحروف الرصاصية، ما نتج عنه أحيانا تغيير الحروف مثلا خروج حرف الراء بدل الزاي والعين بدل الغين أو الفاء بدل القاف كما حدث في إحدى المرات عندما كتبت الطبقة العاملة “الطبقة الغاملة”، لأننا كنا نستخدم حرف الغين ونقوم بإزالة النقطة لاحقا. ومن الأخطاء التي ارتكبت بطبيعة الحال وعن خير قصد، إضافة ياء ثانية لتنشر عبارة شوهت وصف أحد الزعماء العرب، وهو خطأ مطبعي، لكنه فرض على الجريدة تقديم اعتذار لسفارة البلد المعني.

هل يمكن أن تسرد لنا بعض الذكريات الخاصة بك كصحافي رياضي قام بتغطية تظاهرات قارية وعالمية كبرى؟
< أول تظاهرة رياضية كبيرة نظمت بالمغرب وقمت بتغطية أطوارها هي ألعاب البحر الأبيض المتوسط سنة 1983 بالدار البيضاء، ثم كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 1988، وقبلها الألعاب العربية سنة 1987. هذه أهم التظاهرات التي واكبتها في بداياتي. أما أول حضور لي على المستوى الدولي، فكان بالسنغال سنة 1992 لتغطية كأس الأمم الإفريقية. كانت أول رحلة صعبة لي، وعانيت فيها كثيرا خاصة أنني لم أقم بأخذ اللقاح المفروض تلقيه قبل السفر إلى أي دولة إفريقية. بعدها قمت برحلة تغطية كأس العالم سنة 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية. الرحلة كانت صعبة أيضا بحكم الصعوبة التي واجهتها للحصول على البادج الصحفي بسبب خلافات شخصية من أعضاء كانوا ينتمون للجمعية المغربية للصحافة الرياضية، وتم رفض ملفي، لكن حصلت على البادج بصعوبة، وفي آخر لحظة، ونفس الأمر بالنسبة لترتيبات السفر. شخصيا كانت لدي الرغبة في تغطية المونديال كتظاهرة كبرى خاصة مع مشاركة المنتخب الوطني. سافرت في ظروف صعبة وتقاسمت غرفة الإقامة مع بعض أصدقائي المصورين. ومن حسن حظي أن التقيت بصديق للجريدة اسمه المعطي وما يزال إلى يومنا هذا صديقا لي. كان وفيا وساعدني وحضرت المباراة الأولى ضد بلجيكا في أورلاندو، ثم المباراة الثانية أمام السعودية بنيوجيرزي، ولم أستطع العودة لأورلاندو لتغطية المباراة الثالثة ضد هولندا بسبب قلة الإمكانيات. واجهت صعوبات كبيرة، على رأسها تحرير المقال أولا، ثم البحث عن فاكس لإرسال المراسلة إلى مقر الجريدة بالدار البيضاء، مع صعوبة التأقلم مع الفارق الزمني المغرب وأمريكا “6 أو 7 ساعات”، ما يعني ضرورة إرسال المراسلة بخط واضح في وقت مبكر قبل إقفال العدد. وفي ظل هذه التجربة رفضت تغطية تظاهرات دولية إلى حين إجراء مونديال 1998 بفرنسا، وكان مدير الجريدة هو نبيل بنعبد الله الذي أوضح لي أن الجريدة لن تستطيع تغطية مصاريف السفر، وطلب مني البحث عن مستشهر يقوم بذلك، وهو ما حدث فعلا. سافرنا إلى فرنسا، وأقمنا بضواحي مدينة مرسيليا، لكن مرة أخرى واجهنا مشكل الفاكس. قضينا شهرا في متابعة مباريات المنتخب الوطني، وكنا نتنقل عبر السيارات والقطارات إلى مونبولييه في المباراة الأولى أمام النرويج، وإلى نانت في المباراة الثانية ضد البرازيل، بينما أقيمت المباراة الثالثة ضد اسكتلندا في سانت اتيان، ثم عدنا لمرسيليا. وفي النهاية كان علي الذهاب إلى العاصمة باريس لحضور نشاط ترويجي للمستشهر الذي غطى نفقات سفري. عدت إلى المغرب وأنا منهك. بعدها سافرت لتغطية أول دورة أولمبية في مشواري وهي سيدني 2000. وجدت مجددا مستشهرا وطرت إلى أستراليا في رحلة صعبة للغاية استمرت لـ 26 ساعة عن طريق البحرين. ومرة أخرى عانيت من الفارق الزمني الذي يصل إلى 11 ساعة. ومن جديد سأعاني مع الفاكس والأجواء الجوية الصعبة، مع الإشارة إلى أنني كصحافي كنت ملتزما بتغطية الألعاب التي يشارك فيها الرياضيون المغاربة، وكنت مضطرا إلى الانتظار للتأكد من وصول الفاكس إلى مقر الجريدة. وهنا لا بد من إبراز المساعدة والدعم المقدم لي من طرف الجالية المغربية بالدول التي زرتها. في أستراليا أقمت في شقة مغربي كان يقطن بحي البرنوصي بالدار البيضاء، الشيء الذي أعفاني من مصاريف الكراء أو الفندق.
وفي 2001 غطيت بطولة العالم لألعاب القوى بأدمنتون الكندية، ولم أجد البادج الخاص بي بسبب مكائد المنتمين إلى الجمعية المغربية للصحافة الرياضية، حيث لم يتم إرسال طلب اعتمادي لأحصل على البادج. واجهت مشاكل كثيرة وأقمت بفندق غير مصنف ومع السكان الأصليين لكندا إلى درجة أن شرطي عبر لي عن مخاوفه من الإقامة معهم، بل منحني رقم هاتفه الشخصي. تلك الدورة كانت الأكثر نجاحا في تاريخ المشاركة المغربية، وناجحة فيما يخص تغطيتي لها بمعية الزميل ورئيس القسم الرياضي بوكالة المغرب العربي للأنباء محمد بنشريف. ومن الصدف العجيبة التي أذكرها أنني التقيت بسائق تاكسي عراقي رأى العلم المغربي في البادج، وسألني عن عملي، فأجبته بأني صحفي بالبيان، فرد علي “الله يرحم علي يعته”. فيما بعد علمت أنه عضو بالحزب الشيوعي العراقي فر إلى كندا. أتذكر أنه طلب مني صورة لعلي يعته، وأتحسر كثيرا على عدم توفيقي لتحقيق هذا الطلب.
فيما بعد ذهبت لبطولة العالم بهلسنكي في فرصة تعرفنا خلالها على شعوب متحضرة وراقية وعلى مغاربة تأقلموا مع هذا المجتمع، وواكبت تلك الدورة الناجحة. قمت بتغطية أولمبياد أثينا 2004، حيث اكترينا منزلا من سيدة يونانية كانت متخوفة في البداية، لكن نظرتها للعرب تغيرت بفضلنا بعد شهر من المعاشرة ورفضت أخذ أي نقود منا. وفي سنة 2007، سافرت إلى أوساكا اليابانية لتغطية بطولة العالم. وقفت على شعب راق ومتحضر. ومن هذه الدورة بدأت بالتخلي عن الفاكس وأصبحت أستعمل البريد الإلكتروني. وهذا سهل علي الكثير من الأمور. وفي 2008 انتقلت إلى الصين بدعم من اللجنة الأولمبية الوطنية، وهنا بدأت المعاناة مع التكاليف تخف تدريجيا. وبأولمبياد بكين تعرفت على حضارة استثنائية وشعب مجتهد وخدوم وقمة الانضباط داخل المجتمع الصيني. أعتبرها تجربة إنسانية وهي ميزة تمنحها لك التغطيات الصحفية الخارجية. بعدها جاءت بطولة العالم لألعاب القوى ببرلين الألمانية، والتقينا بمغاربة من مستوى عال ساعدونا كثيرا. وبألمانيا وقفت أيضا على رقي مواطنيها، مع العلم أني زرت ألمانيا سابقا في مونديال 2006 كصحافي مهني رغم عدم مشاركة المنتخب الوطني. وهنا وقعت لي واحدة من أكبر المفاجآت في حياتي، فعندما كنت عائدا من مدينة هامبورغ إلى العاصمة بالقطار حدث لي أن تهت وذهبت لمدينة أخرى تبعد عن برلين بـ 300 كلم، والتقيت بمواطن مغربي حذرني من أصحاب الرؤوس الحليقة الذين يطلق عليهم “النازيون الجدد”. على إثرها ظللت في القطار لمدة تزيد عن 7 ساعات وساعدني مواطن ألماني كان هو الآخر عائدا إلى العاصمة. وأتذكر أيضا أني تهت بعد رحلة عودتنا من مدينة صغيرة أقمنا فيها لدى تونسي يملك فندقا صغيرا بسبب عدم عثورنا على غرف بفنادق ميونيخ التي احتضنت مباراة بين المنتخبين الفرنسي والإيطالي. بعدها حضرت بتظاهرات رياضية كبرى كأولمبياد 2012 بلندن و2016 بريو دي جانيرو، هاته الأخيرة عانيت خلالها من ضرورة تغطية كافة المشاركة المغربية ومن قساوة الطقس، خصوصا في الليل عندما نعود في وقت متأخر في انتظار إنجاز العمل الصحافي. باختصار هذه معاناتي، لكنها تبقى عادية عندما تعود إلى المغرب وتشعر بالفخر. كل شيء يهون بعدما كسبت تجربة جديدة وعرفت شعبا جديدا، مع العلم أن كل رحلة من رحلاتي تستهلك جزء كبيرا من صحتي. خلاصة القول هذه أبرز محطات مسار يقارب 40 سنة، قضيتها بالبيان من أصل 60 سنة من عمري.

> حاوره: صلاح الدين برباش

Related posts

Top