احتجاجات طلبة كليات الطب والصيدلة

الاحتقان المستمر في كليات الطب والصيدلة واحتجاجات الطلبة المتواصلة منذ شهور ضد تقليص سنوات التكوين، يجسدان بوضوح عجز الحكومة عن إيجاد حلول حقيقية لمشكلات البلاد، ويكشفان عن عقلية غريبة لديها في النظر السياسي والتدبيري لقضايا مجتمعية أساسية.
بغض النظر عن تفاصيل المشكل أو مدى أهمية القرار الحكومي الذي أفضى إلى الاحتجاج أو عدم أهميته، فإن إغفال المقاربة التشاركية منذ البداية هو الذي نجم عنه هذا الشلل الحقيقي الذي تعاني منه اليوم كليات الطب والصيدلة العمومية.
كل قرار جوهري بمثل هذه الطبيعة كان يفرض تحسيس وإشراك المعنيين بتطبيقه منذ البداية، ومن ثم تعبئتهم في مسار إعمال القرار وتنفيذه، وحيث أن ذلك لم يتم، فإن الحكومة كان عليها التعاطي بهدوء وبعد نظر مع انطلاق احتجاجات الرفض، والسعي لبلورة حوار حقيقي ومنتج لضمان السير الطبيعي للعام الدراسي، وتفادي تكرار سيناريو النظام الأساسي للتعليم.
لكن حكومتنا الموقرة لم تر أهمية لكل هذا، واختارت، بدل ذلك، التصعيد الغريب في وجه الطلبة، وصم آذانها تجاه كل مطالبهم وأسئلتهم ومخاوفهم.
لم تبال الحكومة أن هذا الأسلوب لن يزيد الوضع إلا تأزما وانسدادا، ولم تهتم بتحذيرات أطراف عديدة في البرلمان وفي المجتمع، وكانت النتيجة أن الطلبة يقاطعون الامتحانات والدروس النظرية والتطبيقية، وأيضا التداريب الاستشفائية، وذلك منذ شهور، ويتهددهم خيار السنة البيضاء.
في الفترة الأخيرة لم ينجح عقل «حكومة الكفاءات» سوى في إخراج خطط التخويف والترهيب ضد الطلبة المحتجين، وبالتالي جرى اعتماد «تصعيد حكومي» غريب وغير مفهوم.
لقد باشرت السلطات منع الوقفات الاحتجاجية للطلبة، وأقدمت على إحالة بعضهم على المجالس التأديبية مع التهديد بالتوقيف والطرد، والتلويح بنقطة الصفر….
وعلاوة على ذلك بادرت بعض عمادات الكليات إلى إعلان حل مكاتب الطلبة ومنع أنشطتها، كما استدعت أسرهم وذويهم من أجل الضغط عليهم، وهددت حتى بقمع حرياتهم في التنقل بين المدن المــــــغربية…
هنا لم تعد هذه الإجراءات الحكومية الغريبة تعني فقط طلبة كليات الطب والصيدلة، ولكنها صارت تسيئ للمكاسب الحقوقية والديموقراطية لبلادنا بشكل عام، وتمثل انتكاسة حقيقية على هذا المستوى، وهي سابقة خطيرة فعلا توجه إهانة لصورة الجامعة المغربية، ولالتزامات المملكة على الصعيد الحقوقي.
كل هذا وصلنا إليه لأن حكومتنا «العنيدة» أصدرت قرارا بشأن سنوات الدراسة في كليات الطب والصيدلة ولقي رفضا واسعا من لدن الطلبة، وهي لم تنجح في إقناعهم، وتسببت، بذلك، في شلل حقيقي وتوقف فعلي للدراسة دام شهورا، وبات اليوم واضحا خطر انهيار منظومة وجودة التكوين الطبي العمومي بالمغرب.
وبدل أن تدرك الحكومة معالم هذا الخطر وتداعياته، وأن تفتح حوارا حقيقيا ومسؤولا مع الطلبة وممثليهم، عمدت إلى الضغط عليهم وتهديدهم واستدعاء أسرهم وحل مكاتبهم التمثيلية المنتخبة ومنع أنشطتها، وهي تفكر أن هذا هو الحل، وترفض أن تنصت إلى كل الأصوات المختلفة معها أو التي تنصحها، وتصر على أن تكرر نفس ما اقترفته مع النظام الأساسي للتعليم.
احتقان كليات الطب والصيدلة يفضح من جديد افتقار الحكومة إلى التبصر، وانعدام بعد النظر السياسي لديها، ويحذر الكثيرون اليوم الحكومة من الانجرار خلف عناد وزيريها في الصحة وفي التعليم العالي، ويجددون لها النداء كي تستحضر العقل وتفكر في مصلحة البلاد وصورة الجامعة المــــــغربية، وأن تنكب على إعمال حوار حقيقي وواقعي من أجل وقف الاحتقان، ولتستعيد كليات الطب والصيدلة العمومية سيرها الطبيعي.

<محتات‭ ‬الرقاص [email protected]

Top