الصيد الحرفي بالمغرب.. موارد هائلة وإكراهات ضاغطة

يعد الصيد الحرفي في بلادنا نشاطا تقليديا يعتمد على الزوارق، المصنوعة عموما من الخشب، ومجهزة بشكل عام بمحرك خارجي وطاقم صغير يتكون من ثلاثة أشخاص في المتوسط، يصطاد الأنواع القاعية والسطحية. ويرتكز الصيد في الغالب على الشريط الساحلي وفي مصبات الأنهار والبحيرات.
يطل المغرب على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي بسواحل تمتد على أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة كيلومتر، فاتحة أدرعها أمام عشرات الآلاف من الصيادين.
يحتل الصيد الحرفي في البحر المتوسط مكانة كبيرة، نظرا للمزايا التي يقدمها، خاصة الكتلة الكبيرة من العمالة التي تمارس هذا النشاط. وإنتاجه يتكون أساسا من أنواع ذات قيمة تجارية عالية وتتواجد على الساحل بأكمله.
ويتألف ساحل البحر المتوسط من مناطق بحرية تتجلى، غربا انطلاقا من مدن طنجة، وتطوان، وشفشاون مرورا إلى الشرق عبر الحسيمة، و الناظور وبركان. يضم هذا الشريط الساحلي 94 موقعا، تضم 5 موانئ. يوفر هذا الفضاء البحري فرص عمل لحوالي 7800 بحار يعملون على متن 2600 قارب، مما يضمن توازن اجتماعي واقتصادي في المنطقة.
يتميز البحر المتوسط بميزتين طبيعيين تهمان منطقة تبادل مع المحيط الأطلسي غربا، تحديدا عند مضيق جبل طارق وبحيرة، تسمى، مارتشيكا في وسط الناظور. ويقع مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا ويفصل بين ضفتي البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
تشهد المنطقة، تبادلا بين كتل مياه البحر المتوسط ومياه المحيط الأطلسي، مشكلة بذلك ممرا لعدة أنواع مهاجرة كبيرة مثل سمك التونة ذات الزعانف الزرقاء وسمك أبو سيف. ويتيح هذا الموقع الجغرافي المتميز، على المستوى الوطني، مجالا أرحب لقطاع الصيد الحرفي. وتقع بحيرة الناظور، “مارتشيكا”، في شرق الساحل، بين “راس الما” و”رأس المذرات الثلاث” (CAP DES 3 FOURCHES) هذه البحيرة لها شكل بيضاوي، ممدود بالتوازي مع الساحل. تبلغ مساحتها حوالي 115 كيلومتر. وتتصل بالبحر عبر ممر “بوكانا” (Boukana) .
تتميز منطقة الناظور بنشاط مكثف، سواء في قطاع الصيد شبه الصناعي أو في قطاع الصيد الحرفي. ويتكون الأسطول بشكل رئيسي من سفن الصيد وقوارب السردين، في حين يتميز الصيد الحرفي بأسطول يضم حوالي 1000 قارب يوفر فرص عمل لأكثر من 3000 بحار.

لا يمارس الصيادون أي أنشطة اقتصادية أخرى. وفي حالات نادرة جدا، قد يمارسون الزراعة أو التجارة ذات الدخل المنخفض. وكان يقتصر دور المرأة على الأعمال المنزلية، ولا تشارك في أي نشاط اقتصادي. لكن الوضع تغير الأن، حيث أصبحت المرأة شريكا أساسيا في أنشطة الصيد.
وتنشط بالساحل المتوسطي العديد من الجمعيات والتعاونيات مهنية في مجال الصيد الحرفي على طول الشريط الساحلي.
وتعتبر تعاونية الحوت الأزرق لخياطة شباك تربية الاحياء المائية من ضمن العديد من التعاونيات النسائية النشيطة. وأفادت رئيسة التعاونية “سناء الكركاري” أن التعاونية مكونة من نساء يشتغلن بخياطة شباك مزارع تربية الاحياء المائية. وحبال مزارع الصدفيات والأقفاص وغيرها. و تأسست من طرف جمعية أبطال الفنيدق للصيد تحت الماء وحماية البيئة ضمن مشروع مدينة الفنيدق الايكولوجية. وحصلت على جائزة “لالة المتعاونة” سنة 2022. وعقدت شراكة مع مؤسسة “طنجة المتوسط”. و تم تأطير المتعاونات من طرف تعاونية “دورالو” لتربية الاحياء المائية (Cooperative Doralup) لمدة عام ونصف. ثم بدأت في خياطة شباك تربية الأحياء المائية لمزرعة “اكوا مضيق” التي تقوم بعملية تربية الأسماك على تقنية الأقفاص العائمة والشباك المثبتة في البحر عبر أحبال خاصة.
وأشارت سناء الكركاري أن نساء التعاونية يقمن بإعداد فوانيس تربية الصدفيات وتعمل أيضا على إعادة تدوير الشباك. وحاليا قامت بتكوين أكثر من 20 امرأة في هذا المجال في أفق تشغيلهم مستقبلا .
وقال الرايس ميمون رئيس تعاونية مارشيكا للصيد البحري بمنطقة الناظور أن الصيادين يستعملون شباك منقسمة على نوعين فضلا عن شباك خاصة لاستزراع الطحالب. هناك شباك يصطاد بها موسميا أنواع من الأسماك محدودة من شهر أبريل الى شهر يوليوز مثل “الروجي” (Rouget) “الكروفيط” (Crevette) “سبياء” (Sepia)
وأضاف أن هناك نوعا من الشباك يصطاد بها على طول السنة تسمى “تراميل”، وهي شباك صيد مكونة من ثلاث طبقات من الشبكات غير المتساوية، تستخدم لصيد الأسماك في المياه الضحلة. تقوم باصطياد الحوت الكبير من 200 غرام فما فوق إلى 5 كيلو غرام. وفي شهر غشت تصطاد جميع الأنواع ومختلف الأصناف.
وذكر ميمون بالمعاناة التي يشكلها السلطعون الذي يمزق شباكهم. ومختلف الاكراهات التي تتمثل في بعض ممارسات الصيد العشوائي حيث يتم الاصطياد بشباك ممنوعة في فترات معينة، يحظر فيها الصيد بهذا النوع من الشباك، لأنها تأخذ الاسماك الصغيرة واليرقات، مشيرا أن قطاع الصيد الحرفي غير منظم، وليس هناك تغطية صحية كاملة وليس لديهم نظام للمعاشات. والتجأ بعض البحارة لدعم مدخولهم المعيشي الى استزراع الطحالب الصالحة للأكل من نوع “الجراسيلاريا” (Gracilaria). وتقوم التعاونية بتوفير مآوى طبيعي يقصده السياح لزيارة المزرعة وتذوق الأسماك المحلية.
تتميز “مارتشيكا” بمنطقة الناظور بمياه مالحة وانخفاض أو غياب المد والجزر وحماية جيدة ضد الرياح والأمواج. ويشجع هذا الوضع على ممارسة الصيد الحرفي، كما أنه يعزز نشاط تربية الأحياء المائية. ويعتبر نشاط صيد الأسماك نشاطا رئيسيا لمجتمع بحيرة الناظور، ويمكن أن يكون مصحوبا بزراعة معاشية أو الأعمال التجارية الصغيرة. وتعرف المنطقة بعض ممارسات الصيد الضارة بالنظام البيئي البحري والأنواع المعرضة للخطر لكن بفضل التوعية والتحسيس المنظم من قبل المجتمع المدني و المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري تقلصت بعض الممارسات العشوائية نسبيا.
وقال محمد سطار عن جمعية تلاسمطان للبيئة والتنمية بمدينة شفشاون أنه تم رصد ميداني لمجموعة من الإختلالات والإشكالات المرتبطة بمجموعة من المحاور المتعلقة بالساحل. فأغلب الصيادين يشتكون من مدخل ميناء “الشماعلة” الذي يشكل خطرا كبيرا عليهم والذي شهد وقوع حوادث عديدة. فقد صممت بوابته في مكان غير مناسب ومليء بالأحجار الظاهرة والأخرى غير المرئية تحت الماء. كما أن الرمال تتدفق إلى فضاء المرسى وتملأ أمكنة رسو القوارب، مما يتطلب جلب آلية ضخمة جدا لتقوم بتشطيب وإزاحة الرمال منه إلى خارج الميناء، مقابل ميزانية ضخمة نظير تكلفة ما تقوم به هذه الآلية.
وبخصوص محمية “البوران – أكنيون” يضيف محمد سطار أن القوالب الإسمنتية التي تتربى الأسماك بداخلها تعرضت للتدمير والإتلاف بعدد من نقط الصيد من طرف مراكب الصيد الساحلي (مراكب الجر)، كما أن انتشار أسماك “النيكرو” (الدلفين الأسود) تسببت في أزمة حقيقية لمهني الصيد، من خلال هجماتها المتكررة على الأسماك السطحية الصغيرة، خصوصا منها سمك السردين، وعلى شباك الصيادين بالسواحل المحلية. كما أثرت سلبا على حصيلة الصيد.
وأكد محمد سطار أن هناك عدم احترام لقوانين الصيد (الكوطا) بخصوص الكمية المصطادة من سمك التونة بسواحل المنطقة، ومن الأسماك السطحية الصغيرة التي تستعمل كطعم من طرف الصيادين. واستمرار مراكب الجر التي تصطاد في البحر قرب الشاطئ والتي تعد معضلة كبرى لدى البحارة في كل من “قاع أسراس” و”الجبهة” و”الشماعلة”، من خلال القضاء على الأسماك الصغيرة ورميها في البحر ومرورا بالتحايل على القانون من أجل اصطياد أكبر حصة ممكنة من الأسماك ووصولا إلى احتكار حصة الأسد من “الكوطا” المخصصة للصيد بكل تفرعاته السمكية.
وأكد تقرير صاغته جمعية تلاسمطان للبيئة والتنمية أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والزيادات المتتالية لأسعار المحروقات، خلق تفاوتا ملحوظا في عدد المراكب التقليدية التي تعمل بالمنطقة، والذي نتج عنه تقليص مدة الصيد، الأمر الذي انعكس على وضعيتهم الاقتصادية. ويعتبر إفراغ زيت المحركات وسط الميناء من طرف أرباب المراكب مسببا لتلوث المياه مثل حالة ميناء “الجبهة”، هذا فضلا عن تقادم معدات الصيد والقوارب الخاصة بالصيادين. مما يشكل تهديدا لسلامتهم أثناء العمل. وأضاف التقرير أن استمرار الصيد العشوائي بالمنطقة يساهم في الإضرار بالثروة السمكية، ويضر بالبيئة التي تطال سلسلة دورة الحياة البحرية بالساحل. وظهور نشاط جديد يتمثل في نقل الزوار والسياح في جولات داخل البحر خارج أي تأطير قانوني.
وقال سطار أن الجمعية أوصت بتفعيل المقتضيات والتوصيات الواردة في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول الساحل. وتفعيل أدوار الشرطة البيئية، وزجر كل المخالفات المرتبطة بتدبير المجال الساحلي بالإقليم، وضرورة تبني الجماعات الترابية الساحلية لمخططات جماعية تضم مشاريع تساهم في تدبير الساحل من الناحية الجيولوجية والسياحية والثقافية والطبيعية، وتأهيل البنية التحتية للساحل بالإقليم، وجعله أكثر صلابة ومقاومة لأي تغير مناخي. ومحاربة ظاهرة نهب رمال الشواطئ الساحلية بالإقليم، ودعم البحث العلمي المرتبط بالساحل وخلق شعب خاصة ومسالك جامعية حول الثروة البحرية ومهن البحر. وطالبت الجمعية بعقلنة الموارد البحرية تماشيا مع استراتيجية مخطط “اليوتيس” (1و2) وذلك قصد استمرارية المصايد من أجل الرقي بنشاط الصيد التقليدي بالمنطقة الشمالية. وضرورة إعادة تهيئة ميناء “الشماعلة” وإصلاحه على غرار ميناء الجبهة الذي سيشمله قريبا إصلاح شامل يستجيب لطموحات الساكنة، وإعادة بناء مدخل الميناء، وتفعيل دور قوات خفر السواحل لضبط مراكب الصيد بالجر المخالفة والتي تتسلل وتمارس الاصطياد الجائر وتصطاد في أماكن قريبة من الشواطئ، وهي المسافات التي يحرم فيها الاصطياد بالجر بحسب النصوص القانونية والتي تفرض مسافة ميلين على الأقل كأقرب نقطة من الشاطئ، مما يساهم في تفاقم مشاكل الصيادين التقليديين، وضرورة اقتناء عتاد الإغاثة والسلامة البحرية لفائدة قوارب الصيد التقليدي حفاظا على سلامة الصيادين، ثم تشديد المراقبة على استعمال مادة “الديناميت” في الصيد وزجر كل المخالفات المرصودة، وضرورة التفكير في بناء مركز للتكوين المهني البحري من أجل تكوين أجيال جديدة من البحارة والنهوض بمهن البحر، ووجوب تنظيم دورات تكوينية للصيادين وأرباب المراكب من طرف القطاع الوصي حول الوقاية والنظم البيئية البحرية، ودعم الصيادين الصغار والتقليدين خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار والمحروقات، ودعم الصيادين من أجل اقتناء الشباك المستعملة في اصطياد الأسماك السطحية، حيث أن هذا النوع من الشباك يتميز بالقوة والمتانة والتي يصعب على سمك (النيكرو) – الدلفين الأسود اختراقها وتمزيقها، ووجوب اعتماد الراحة البيولوجية واحترامها بالنسبة لكل نوع من الأسماك كحل موضوعي لاستعادة الوضعية التي كانت عليها المصايد، مع ضرورة الأخذ بتدابير موازية ترافق فترات اعتماد الراحة البيولوجية من قبيل تخصيص إعانات لفائدة البحارة من خلال صندوق مالي ينشأ لهذا الغرض ويتم تمويله بمساهمات دورية من قبل المهنيين.

وقال أحمد الفاتح (80 سنة)، رئيس جمعية الصيد التقليدي بميناء “كلا يريس” (Cala Iris) وعضو الغرفة المتوسطية بطنجة، أن منطقة كلا يريس، طريس و باديس يعدون من أفضل مناطق الاصطياد. توجد ما بين منطقتي الحسيمة والجبهة تتوفر على أفضل الأسماك وأجودها، خصوصا سمك “الميرو” (Miro) لكن للأسف اختفت بعض الأنواع النادرة بفعل الصيد الجائر والعشوائي، وهناك من يصيد في الليل، لأن السمك يكون متواجدا وسهل صيده.
الوزارة الوصية على قطاع الصيد لم تنظم بعد عملية تقسيم كل فئة تصطاد نوعا معينا من السمك. يتم الصيد فقط بدون تقسيم، وذلك تبعا للمعدات المستعملة في الصيد، حيث تضيع الثروة السمكية، كل مرة يتم استعمال شباك مختلفة على الأخرى.
وأضاف الفاتح أن منطقة الصيد تنشط بها 110 قوارب تقليدية، تقريبا، منخرطة بالتعاونية التي يرأسها. وهناك إشكال التفريغ في بعض نقط الصيد التي لا تتوفر على ميناء. وأكد الصياد الفاتح، الذي أمضى ما يناهز 60 سنة في حرفة الصيد، أنه لا يوجد تحديد لكمية الصيد. ليس هناك قانون منظم لكمية الصيد بعقلانية دون إنهاك للموارد السمكية. “طالبونا من أجل الراحة البيولوجية، وافقنا بالغرفة المهنية للصيد على الراحة البيولوجية، وقلنا إننا ملتزمون بالراحة البيولوجية، لكن لا يمكن للبحار أن يظل بدون عمل لـ3 اشهر، والوزارة الوصية لم تجد حل، نعم نتوقف عن العمل لثلاث اشهر أو حتى 6 اشهر ولكن يجب أن يتم التعويض”. يضيف الفاتح.
وهناك إشكال الصيد العشوائي يجب ان تكون هناك رخصة صيد كل سمك معين وبمعدات معينة يؤكد الفاتح، مذكرا بالأزمة التي يشهدها قطاع الصيد بفعل ارتفاع ثمن الوقود. وقال المتحدث نفسه أنه يجب على المختصين أن ينسقوا مع المهنيين لتحديد الاختلالات والبحث عن الحلول، رغم أن البحارة تلقوا دعما ماليا.”فالنسبة لي هذا ليس حلا، فقد بقي الاشكال قائما. الدعم الحقيقي هو التخفيض من ثمن الوقود، أما الدعم المادي فقد خلق مشاكل أخرى ولم يتم إيجاد حلولا جذرية. التخفيض من الوقود هو دعم كبير للبحارة”.

(تم إنتاج هذا التقرير بدعم من شبكة صحافة الأرض التابعة لـ”إنترنيوز” كجزء من “مبادرة الإعلام المتوسطية”)

• محمد التفراوتي

Top