الموروث العابر للأجيال

يقول الفيلسوف الألماني كارل ماركس “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة”، هذه المقولة ترد في سياقات سياسية كثيرة، من دون أن يتم ربطها بالسياق الاجتماعي والنفسي للمجتمعات، وقد أصبحت أيضا مرادفا بليغا للتعبير عن الوضع السياسي الذي تعيشه البعض من الدول، وخصوصا العربية التي يتسق وضعها الحالي المتأزم مع ما ذهب إليه ماركس.
غير أن الكثير من النقاد والكتاب وحتى البعض من علماء النفس، لم يخطر على بالهم أن نمط الحياة السياسية في دولة ما، ليس وليد لحظة فجئية، وإنما هو نتاج خبرات وتجارب متوارثة بين الأجيال، أثرت في بعضها البعض فخلفت موروثا تراكميا، وأن جزءا من هذا الموروث أو ربما تاريخا بأكمله، يمكن أن يظهر من جديد في زمان ومكان مختلفين.
لنأخذ على سبيل المثال سلوكيات السياسيين في بعض الدول الغربية وكيف يتقبل الكثيرون وبكل أريحية فكرة الاستقالة من مناصبهم، وفي غالب الحالات لا يصلون إلى مرحلة الإقالة، أما في الدول العربية، فنادرا ما نرى سياسيا يستقيل من منصبه، بل قد تمرّ أخطاء العديد من المسؤولين دون مراجعة أو تصويب، ويكون المصير ما آلت إليه الأوضاع في أكثر من دولة عربية حاليا، هذه السلوكيات قد تبدو في ظاهرها بسيطة لكنها في الحقيقة عابرة للأجيال.
أعود لأقول إن التوجهات السياسية والأيديولوجيات والسلوكيات المتعصبة، ليست نابعة من الجينات الوراثية، بقدر ما هي نتاج التنشئة الاجتماعية والأسرية غالبا.
ويقول البعض من الخبراء إن ما يتعلمه الأبناء على أيدي آبائهم وأمهاتهم ويعيشونه في بيئتهم الاجتماعية، يعتبر من العوامل الجوهرية التي تؤثر فيهم مدى الحياة، فالآباء يحتكون بأبنائهم لفترة طويلة وفي أوقات ومراحل مهمة، وكذلك وسائل الإعلام والمدرسة تأخذان حيزا زمانيا مطولا من وقتهم، وجميع هؤلاء يغرسون مفاهيم عقائدية وسياسية وفكرية فيهم، ولذلك من غير المفاجئ أن يتبنى الأطفال أيديولوجيات آبائهم عند الكبر أو ينحون بعيدا عنها.
في ثمانينات القرن الماضي ركز علماء النفس والمختصون في علم الوراثة السلوكية في دراستهم على التوائم لمعرفة التباين الحاصل في المواقف الاجتماعية، فاكتشفوا أن البيئة تلعب دورا في تحديد السلوكيات الاجتماعية للطفل.
ومؤخرا أكدت الباحثة ماري جونوفياف توما المختصة الفرنسية في علم النفس في دراسة لها نشرت البعض من نتائجها بصحيفة “لوفيغارو”، أن الآباء يمكن أن يورثوا أبناءهم موروثات أخرى غير واعية، خصوصا أن العقل اللاواعي يعد جزءا من الموروث العائلي، وهذا يشمل جميع التجارب التي يمر بها أسلافهم سابقا، والتي قد تعود بهم إلى أيام أجداد أجدادهم. وقد أطلقت على ذلك مسمى “الموروث العابر للأجيال”، وبعبارة أخرى الموروث الذي لا يعرفونه والذي قد يظل طي الكتمان بداخلهم.
وإن كانت الباحثة قد ركزت وبشكل خاص على التجارب العاطفية، لكن هناك الكثير من المعتقدات الأخرى التي تتداخل في خيارات الأطفال المستقبلية وقد تتحكم في نسق علاقاتهم الاجتماعية وفي النظم السياسية والقيم الاجتماعية والأخلاقية للمجتمعات.
وهذه النتيجة ربما تكون مفاجئة للبعض، خاصة وأن العديد من الأطفال قد أصبحوا ينشأون في أسر ومجتمعات يجمعها الجدار الطائفي ويفرقها وتريد لأبنائها أن يسيروا على دربها.
في النهاية جميع الأجيال ولدتهم أمهاتهم أحرارا، ولكن الحرية الحقيقية تتمثل في بناء نموذج لوطن يتناسب مع تطلعات الجميع، والحل يكمن بالنهاية في الاستفادة من تجارب الماضي من أجل التخفيف من وطأتها على الحاضر وليس جعلها مقياسا تسير عليه الأجيال ولا تحيد.

يامنة حمدي

Related posts

Top