تصاعد حدة التوتر بين السلطة والإسلاميين الراديكاليين في الجزائر

تصاعدت وتيرة الشحن بين السلطة وبين إسلاميين راديكاليين بشكل لافت بالجزائر في الآونة الأخيرة، الأمر الذي يفتح المجال أمام قبضة حديدية جديدة، خاصة في ظل الاستذكار المتبادل للمناخ السياسي الذي فجر العشرية الدموية، حيث تبادل مسؤولون ووجوه من الطرفين التهم حول الأسباب الحقيقية وراء تلك الأحداث، ويصر كلاهما على اللغة التصعيدية.

وظهر الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ المحظورة علي بلحاج، في قناة معارضة تبث من لندن وتموّل من طرف محسوبين على التيار الإسلامي، متحديا بذلك قرارات القضاء الذي أصدر في حقه مجموعة من الممنوعات، كعدم التواصل مع وسائل الإعلام أو التصريح في شبكات التواصل الاجتماعي، والتحرك في إقليم محدود بمقر إقامته، ليضاف هذا التصعيد إلى حالة شحن متصاعد في الآونة الأخيرة بين الإسلاميين والسلطة، تجلى في تحذيرات صريحة أطلقها قائد أركان الجيش سعيد شنقريحة، وعبارات تحدّ في الجهة المقابلة.

وشدد بلحاج، القيادي الراديكالي في جبهة الإنقاذ الإسلامية المنحلة بقرار قضائي العام 1992، والمحكوم عليه حينها بعقوبة 12 عاما سجنا نافذا، على عدم امتثاله للقرار القضائي الجديد المتضمن منعه من التصريح لوسائل الإعلام أو النشاط في شبكات التواصل الاجتماعي، وعدم مغادرة ضاحية حسين داي بالعاصمة إلا بقرار قضائي.

وعبّر في تصريح لتلفزيون معارض يبث من لندن ويمول من طرف مقربين من قيادة جبهة الإنقاذ عن “استمراره في النضال من أجل استعادة الجزائريين لحقوقهم الكاملة، وإعادة السلطة المغتصبة من طرف العسكر لإرادة الشعب”.

ولفت إلى أن “السلطة تحاول إشاعة أجواء من الخوف والرعب السياسي على المجتمع، ولذلك دأبت على حملة شحن وتحذير يقودها رموز في السلطة، في محاولة لإيهام الشارع بعودة بوادر العشرية الدموية، التي فجرها العسكر بالتدخل ضد إرادة الشعب، وانتهاج خط سياسي وأمني استئصالي ضد المجتمع”.

ولفتت أنظار المتابعين بعض المظاهر والصور غير المألوفة خلال الأسابيع الأخيرة، تضمنت تجمعات وصورا في الأماكن العامة لأشخاص ذوي خلفية إسلامية، كما ظهر أنصار لجبهة الإنقاذ المحظورة في بعض مساجد العاصمة خاصة خلال شهر رمضان الماضي.

ولم يتأخر الرجل الأول في المؤسسة العسكرية الجنرال سعيد شنقريحة، المحسوب على جناح الصقور المعادي للإسلاميين، في إطلاق تحذيرات لمن يحاول استعادة أجواء تسعينات القرن الماضي، حين كان إسلاميو جبهة الإنقاذ يستحوذون على الشارع والأماكن العامة وبعض المؤسسات الرسمية والأهلية.

وصرح شنقريحة “هذه المحاولات البائسة التي سجلنا في الآونة الأخيرة أحد تجلياتها ومظاهرها، المتمثلة في عودة بعض الصور والمشاهد لنشاطات بعض الأصوليين الذين يتبنون خطابا دينيا متطرفا، تذكرنا بسنوات التسعينات من القرن الماضي، وأن الدولة الجزائرية لن تسمح بأيّ حال من الأحوال بعودة هؤلاء المغامرين الذين كادوا يدفعون بالبلاد إلى الهاوية، وأن يتسببوا في انهيار أركان الدولة الوطنية”.

وتابع “ليعلموا كذلك أن الشعب الجزائري الذي انكوى بنار الإرهاب الهمجي وعانى الويلات من العنف الأعمى، لن يسمح لهم بخداعه مرة أخرى، لأنه أصبح أكثر وعيا وإدراكا لأساليبهم الخبيثة التي تستغل تعلق الجزائريين بدينهم الحنيف لتحقيق أغراض سياسية مشبوهة تندرج دون شك في إطار مشاريع تخريبية وأجندات أجنبية معادية”.

ولم تستطع تيارات الإسلام السياسي الناشطة في الجزائر، خاصة منها أحزاب الإخوان ومؤسسات السلفيين، احتواء فلول الإسلام الراديكالي المشكل من طرف جبهة الإنقاذ المحظورة، رغم التفكيك والمراجعات التي قام بها أكثر من جناح، غير أن فلول القيادة التاريخية وأنصارها باتوا يشكلون مصدر قلق للسلطة.

وقضى القيادي علي بلحاج، الذي يعتبر النائب الأول للزعيم والمؤسس الأول عباسي مدني، عقوبة 12 عاما سجنا نافذا وجرد من عدة حقوق سياسية ومدنية، إلا أنه لم يتوقف عن النشاط وانتقاد السلطة في حدود محيطه وإمكانياته المحدودة، وأظهرت بعض نشاطاته أن الرجل مازال يحظى بشعبية كبيرة في صفوف الإسلاميين الراديكاليين.

ويرى متابعون للشأن السياسي المحلي أن المقاربة الأمنية المطبقة على علي بلحاج، وحزمة المحظورات الصادرة في حقه، هما اللتان أكسبتاه تعاطفا شعبيا من خارج التيار السياسي والأيديولوجي الذي ينتمي إليه، وأنه كان بإمكان السلطة إفراغ شخصيته من الهالة التي يحظى بها لو تمت معاملته بالتجاهل الحذر.

ويبدو أن لغة الرجل الأول في المؤسسة العسكرية المتشددة جاءت لتكرس نفس المقاربة، حيث ذكر الجنرال سعيد شنقريحة في كلمته أن الجزائر “تجد نفسها، مرة أخرى، أمام محاولات بائسة تستهدف أمن الوطن واستقراره”، في إشارة إلى نشاط بعض وجوه تيار الإسلام الراديكالي على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام.

وشدد على أن “محاربة التطرف بشتى أنواعه ينبغي أن تشمل جميع المستويات، وأن يشارك فيها كافة الفاعلين على الساحة الوطنية، وأن هذا الجهد يبدأ من الخلية الأساسية للمجتمع، المتمثلة في الأسرة، فضلا عن المدرسة التي هي مطالبة بتلقين الناشئة، تربية مدنية صحيحة، أساسها غرس قيم المواطنة والتذكير بواجبات المواطن تجاه وطنه ومجتمعه، مواطن قادر على التكيف ورفع تحديات القرن الحادي والعشرين ومتطلباته، مواطن فخور ومعتز بجزائريته”.

Related posts

Top