انطلاق فعاليات الدورة الأولى للكرنفال الدولي لأكادير “بيلماون”

تنطلق يومه الجمعة، فعاليات الملتقى الاحتفالي «بيلماون: الكرنفال الدولي لأكادير» الذي ينظمه مركز سوس ماسة للتنمية الثقافية بمبادرة من مجلس جماعة اكادير وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل ومجلس جهة سوس ماسة.

هذا الملتقى الدولي الذي يستمر طيلة أيام هذا الويكاند (21، 22 و23 يوليوز الجاري) بعاصمة سوس أكادير، يروم الاحتفاء بالتراث الشعبي بالمنطقة، وتثمين الممارسة الثقافية المتجذرة في جهة سوس ماسة خاصة والمغرب عامة في ارتباط مع عيد الأضحى.

وستعرف الدورة التأسيسية لهذا الملتقى مشاركة فرق التراث الشعبي المغربي إلى جانب فرق شخوص بيلماون بأقنعتها وأزيائها التنكرية، والممثلة لجمعيات أكادير الكبير، علاوة على المجسمات الإبداعية.

وحسب بلاغ لإدارة الملتقى فإن الهدف من هذا النشاط الإشعاعي يترجم انخراط الجميع ويعبر عن إدارة «بيلماون: الكرنفال الدولي لأكادير» وعن توجه مجلس جماعة أكادير وشركائه وسعيهم ليكون هذا الموعد فرصة لتشجيع البحث العلمي في موضوع الظاهرة الكرنفالية والأنماط الفرجوية المتنوعة والغنية.

وأوضحت إدارة الملتقى في بلاغها أنه سيجري تنظيم ندوة دولية ستشتغل على المشترك بين ممارسة بيلماون بالمغرب مع باقي التجارب والممارسات المماثلة في دول حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وذلك بمشاركة باحثين مغاربة ومتخصصين دوليين في كرنفالات عالمية.

إلى جانب ذلك، سيعرف هذا الكرنفال، الذي أوكلت إدارته لفريق مكون من جامعيين ومختصين برئاسة الدكتور أحمد صابر، تنظيم ورشات للصناعة اليدوية للأقنعة وإعداد جلود الحيوانات من الماعز والأكباش، وذلك لتربية الناشئة على الاهتمام بهذا الموروث التراثي اللامادي وتشجيع الحرف اليدوية ذات الصلة بالكرنفال.. كما سيعزز، حسب منظميه، تقديم نفحات من ذاكرة هذه الممارسة المتجذرة في التاريخ بتنظيم معرض للمجسمات وصور توثيقية.

وتتوخى إدارة «بيلماون: الكرنفال الدولي لأكادير»، من خلال هذا التظاهرة الشعبية الجديدة، إبراز أهمية العمق الأفريقي للمغرب عبر إشراك الأفارقة جنوب الصحراء في فقرات الكرنفال كممارسة ثقافية شعبية تمتد إلى بلدان شمال وغرب الصحراء.

إلى ذلك، كان المنظمون قد أكدوا، في ندوة صحفية لتقديم برنامج المهرجان والتعريف بفقراته الفنية، أن كرنفال بيلماون ليس منافسا ولا بديلا لأي كرنفال آخر سواء بعمالة انزكان أيت ملول أو منطقة أخرى.

وكشف المنظمون أن استعراض كرنفال بيلماون أكادير سيمتد على مسافة 1.7 كيلومتر على طول شارع محمد الخامس، مع الإشارة إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية لتأمين هذا المسار وضمان انسيابية حركة السير بباقي الشوارع، مشيرين إلى أن الدعم المخصص من الجهات المانحة الرسمية بلغ 150 مليون سنتيم.

وبخصوص السهرتين الفنيتين اللتين ستقامان بساحة الأمل ضمن فقرات الكرنفال، كشف المنظمون أنهما ستعرفان مشاركة أهم المجموعات التراثية الفنية المحلية ومن ضمنها أودادن، رباب فزيون، سوس كناوة، أنس مشاتي، الحسن شاوشاو، مع مشاركة مجموعة ناس الغيوان، علال ومجموعة AZA.

فيما يلي البرنامج الرسمي للتظاهرة:

برنامج «بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير»

الخميس 20 يوليوز

10:00

* افتتاح قرية الكرنفال بحديقة ابن زيدون:

* ورشات صناعة الألبسة التنكرية والأقنعة.

* معرض الصور التاريخية لاحتفالات بيلماون.

* وصلات فنية شعبية.

الجمعة 21 يوليوز

* الندوة العلمية الدولية بسينما الصحراء:

15:30

– الجلسة العلمية الأولى.

18.30

– الجلسة العلمية الثانية.

السبت 22 يوليوز

12:00

* اختتام فعاليات قرية الكرنفال.

17:30

* انطلاق إستعراض «بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير».

21:30

* سهرة فنية كبرى بساحة الأمل.

الأحد 23 يوليوز

20:00

* سهرة فنية كبرى بساحة الأمل.

**********

الحسين بويعقوبي:  هذه الدورة تجريبية، ونتوقع أكثر من 200 ألف متفرج لتتبع الكرنفال

أجرى الحوار: الحسين الشعبي

أكد أستاذ الأنثربولوجيا بجامعة إبن زهر، د. الحسين بويعقوبي، أن خلفية تظاهرة «بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير» تكمن في الرغبة في تثمين وتطوير ممارسة ثقافية أمازيغية تمتد جذورها للتاريخ البعيد لبلدنا ولشمال إفريقيا عموما. مؤكدا، في هذا الحوار الذي أجرته معه بيان اليوم، أن المغرب اليوم يتميز عن باقي بلدان هذه المنطقة بالحفاظ على هذه الأنماط الفرجوية، كما تحتفظ عليها أيضا جزر كناريا التي لها ارتباطات تاريخية وثقافية مع المغرب ومع سوس تحديدا. وأبرز نائب مدير المهرجان أن من أهداف هذه الدورة التعريف بتاريخ الكرنفالات في العالم، ومقارنة بعضها مع بيلماون وإمعشارن في المغرب، لملء الفراغ المعرفي الموجود بخصوص هذا الموضوع، وتوضيح بعض الأمور التي يجهلها الكثيرون..

فيما يلي نص الحوار مع نائب مدير «بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير».

< بداية كيف جاءت فكرة تنظيم كرنفال أو مهرجان بيلماون بأكادير، ما هي خلفيته الثقافية، طبيعته وهويته، وما هي الأهداف والغايات التي سطرتم لهذه التظاهرة؟

> فكرة تنظيم «بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير» جاءت بمبادرة من مجلس جماعة أكادير في إطار تنزيل برنامج عمل الجماعة (2022-2027)، والمقترح نفسه يعتبر من مخرجات اللقاءات التشاورية التي نظمها المجلس مع مختلف الفاعلين والساكنة خلال مرحلة إعداد البرنامج. كما يساهم شركاء في الدعم وخاصة مجلس جهة سوس ماسة ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، وأسندت مهمة التنظيم لمركز سوس ماسة للتنمية الثقافية. وتكمن الخلفية الفكرية لهذا الكرنفال في الرغبة في تثمين وتطوير ممارسة ثقافية أمازيغية تمتد جذورها للتاريخ البعيد لبلدنا ولشمال إفريقيا عموما. ويتميز المغرب اليوم عن باقي بلدان هذه المنطقة بالحفاظ عليها، كما تحتفظ عليها أيضا جزر كناريا التي لها ارتباطات تاريخية وثقافية مع المغرب ومع سوس تحديدا. وهذا الكرنفال، عكس ما يعتقده المهتمون بالموضوع، الذين لا يتحدثون عن الكرنفال إلا في الغرب، دليل على أن بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط، وخاصة المغرب، تعرف بدورها ممارسات كرنفالية لا تختلف عما هو موجود في العالم. ومن أهم أهداف هذا الكرنفال جعل مدينة أكادير مدينة كرنفالية مثل كبريات المدن العالمية المعروفة في هذا المجال، ويسعى بدوره ليساهم في تنشيط الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لأكادير، وتعزيز العيش المشترك والتبادل الثقافي.

< من خلال الاطلاع على برنامج المهرجان، نلمس أنه يتوزع على مستويين، الجانب الفرجوي، والجانب الفكري. هلا حدثتمونا عن الندوة الفكرية للمهرجان وتيماتها والمتدخلين فيها.

> تسعى الندوة الفكرية لفتح نقاش موسع بين الباحثين والمهتمين بهذا الموضوع، وأيضا لتقاسم التجارب لاسيما وأنها تنقسم إلى جلستين ويشارك فيها متخصصون من المغرب ومن الخارج خاصة ألمانيا وفرنسا وجزر كناريا، كما يحضر فيها رئيس الفيدرالية الدولية للكرنفالات. ومن أهداف هذه الدورة التعريف بتاريخ الكرنفالات في العالم، ومقارنة بعضها مع بيلماون وإمعشارن في المغرب، لملء الفراغ المعرفي الموجود بخصوص هذا الموضوع، وتوضيح بعض الأمور التي يجهلها الكثيرون..

< يبدو أن الكرنفال الاستعراضي الذي سيقام مساء السبت 22 يوليوز، من أقوى لحظات المهرجان، فما هي الإمكانات اللوجيستية والتقنية التي أعددتم.. وكذا ماذا عن الجانب الفني للكرنفال، هل ثمة مخرجون أو سينوغرافيون مشرفون عن الجانب الجمالي من إخراج وحركات وأزياء وأقنعة وديكورات وما إلى ذلك من المتطلبات الفنية والجمالية والاحتفالية..

> بخصوص التحضير لهذا الكرنفال، فقد تجند الجميع من مصالح جماعة أكادير، وأعضاء مركز سوس ماسة، وكل مصالح الأمن والسلطات المحلية والقوات المساعدة والوقاية المدنية والأطر الصحية وجميع المتذخلين لتوفير الظروف المواتية لإنجاح هذا الكرنفال. كما تم التنسيق مع جمعيات المجتمع المدني وتأطيرها لتقديم أجود ما لديها من الأزياء التنكرية والأقنعة والمجسمات، والتي ستقدمها في حلة فنية إبداعية، كما ستحضر الفرق الشعبية لتزيد للكرنفال جمالا ويكون فرصة لإظهار غنى وتنوع الثقافة المغربية..

<لاحظنا عدم الإشارة إلى رقم الدورة «الأولى» في كل الدعامات التواصلية للمهرجان، هل يتعلق الأمر بالدورة الأولى والأخيرة؟ أم أنها دورة تجريبية؟، أم أنكم تطمحون لترسيخ هذه التظاهرة بأكادير لتصبح تقليدا سنويا على غرار مثيلاثها بالعالم..

> عدم الإشارة للدورة الأولى بشكل كبير لوصف هذه التجربة، دليل على أنها بالنسبة لنا دورة تجريبية أكثر مما هي دورة أولى، ونسعى من خلالها لتجريب الإمكانيات التي توفرها مدينة أكادير لإنجاح هذا المشروع الطموح والذي يعد بمستقبل واعد.

< كيف تتوقعون درجة الإقبال على الكرنفال من طرف الجمهور، ودرجة الاهتمام من قبل وسائل الإعلام؟

> أعتقد أن التجربة أثبتت أن كرنفال بيلماون لا يحتاج لحملة إعلامية لجلب المتفرجين، فالجميع ينتظره بفارغ الصبر لأن له حاضنة شعبية كبيرة. ولذلك من المنتظر أن يجلب هذا الكرنفال والفقرات المرافقة له أكثر من 200 ألف متفرجا للكرنفال وحده. كما أن الاهتمام الإعلامي الكبير الذي حظي به، وحتى النقاش الكبير الذي أثاره، سيساهم في جلب جماهير غفيرة لمتابعة فقراته، خاصة وأنه ينظم في عز فصل الصيف حيث تعرف المدينة توافد الآلاف من الزوار المغاربة والأجانب.

                                                                                                                                    **********

كرنفال بيلماون وعلاقته بالمجال العمومي

>بقلم: د. عز الدين الخراط

تكتسب الفرجات التقليدية مواقع جديدة للتفاعل الاجتماعي مع المجال العمومي (Espacepublic) تنبع من قدرة المؤدين والجمهور على ابتكار صور وأقنعة ومجسمات ترتكز على سميأة الجسد بواسطة فن اللعب والرقص والتفريغ والتسلية والمرح، حيث تساهم في تخصيب تحولات الفرجة وتفعيل سريانها السردي، بغية صياغة تصور جديد للمجال العمومي الأمازيغي يرتبط بنقد الفعل، وما يتبدى في الممارسات اليومية للأفراد أو المؤسسات أو الخطابات، وجدير بالإشارة أن كرنفال بيلماون أضحى يشغل حيزا مهما من النقاش في المجالين العموميين الواقعي الافتراضي، حتى صار يتخذ أبعادا سياسية وثقافية وأخلاقية ودينية وجمالية، تعكس طبيعة الحساسيات الاجتماعية والثقافية التي تحتدم داخل المجال الثقافي العام. ومن شأن هذه التفاعلات التي يفجرها المجالان توطيد العلاقة الحية والمباشرة مع فرجة بيلماون، وتأسيس علاقات جديدة على مستوى التفضية والإنتاج والتلقي. ولا أدل على ذلك من توافد المتفرجين بكثافة للمشاركة في تأثيت هذا الحدث الفرجوي الأبرز.

ولا شك أن تفاعل هذه الفرجات مع المجال العمومي الذي تنشط فيه جعلها تستمد أنساقها الحكائية من الحياة اليومية للناس، وتوظف تقنيات فنية معروفة كالارتجال والرقص والموسيقى والهزل.

وإذا كانت الفرجة في الفضاء المفتوح تنطوي على علاقة زمكانية بين الفرجة والمجال العام، وتسعى إلى بناء مفهوم جديد للاتصال والتفاوض بين مجالين: مجال السلطة العامة، والمجال الخاص، والتي تؤكد الباحثة أرلت فارج Arlette Farge أنها لا تشارك فيها فقط طبقات من «البورجوازية أو من نخب اجتماعية مثقفة، بل وأيضا من كل طبقات الشعب التي تضع بنفسها حرية الرأي والسلطة الشعبية»(1)، فإنه من الملاحظ أن الفئات التي انخرطت بحماس في تقديم كرنفال بيلماون في المجال العمومي أو في الساحات والأحياء وفق أسلوب مغاير تتكون من فئة الشباب الذي لا يمكن تصنيفه ضمن أية صنافة أيديولوجية، والذي عبر عن احتجاجه على الوضع السياسي القائم بواسطة السرد الشفاهي للأحداث وأشكال من الأداءات المحاكاتية والتشكيلات الجسدية المعبرة.

إن الساحات العمومية التي تعرض فيها فرجة بيلماون هي بمثابة مجال عمومي يتواصل فيه المؤدون والجمهور وفق ما ذهبت إليه الباحثة الألمانية إريكا فيشر ليشتهErika Fischer-Lichte حين قالت إن الوجود الفعلي لفرجة ما «لا يتحقق إلا أثناء سيرورتها، حيث تنبعث من التفاعل بين المؤدين والجمهور في المنجز الفرجوي»(2).

تستقطب ساحات (تكمين أوفلا، تناعورت، ايت أوبيه) أغلب عروض فرجة بيلماون باعتبارها مجالات عمومية تستقطب كل المواطنين، والذين لا تحددهم أية معيارية، حيث تحكمهم سلطة واحدة هي سلطة تلقي الفرجة فقط حين تحققها، وهي سلطة مشبعة بمركب هوياتي دراماتورجي يتسم بكثافة سيميائية ورمزية وإنسانية، قد تفضي إلى تذويب سطوة التقاليد المكبلة لكل فعل إبداعي حر، يتجرد عن كل تحديدات إيديولوجية أو سياسية.

تستمد فرجة بيلماون عقدها التواصلي والتلفظي انطلاقا من علاقة الناس، شبابا وشيبا بهذه الفرجة وبأصولها التقليدية الصرفة، ويظهر ذلك من انخراط المواطنين / المتفرجين في تشكيل ملامح الإنجاز، بدءا بترتيب وهندسة المعطيات السينوغرافية للفضاء، مرورا بتوزيع الأدوار حيث يتحولون من مستهلكين للفرجة إلى مؤدين لها، إذ «تخلق الفرجة عبر مسارها إمكانية إشراك جميع المشاركين مؤدين وجمهورا، الذين يجربون أنفسهم من حيث هم ذوات فاعلة تمتلك القدرة على التأثير في أفعال وسلوك الآخرين، مثلما تتأثر أفعالهم وسلوكاتهم بالآخرين»(3) . فالساحة، في تشكلات الفرجة، تتحول إلى ما يشبه خشبة مسرح كبيرة، تتقاطع فوقها أصوات الناس وأفكارهم ووجهات نظرهم حول تدبير العرض وتحققاته السردية والدرامية.

ومن هذا المنطلق يصير المجال / الساحة / أسايس، نقطة انطلاق وجذب لمجموعة من الأفراد بغية صناعة فرجة شعبية تستجيب للرغبة في تحقيق تماسك اجتماعي متجانس ينسجم مع الأثر الفني الذي تحققه الفرجة. وتتحول إلى إطار يدعو إلى التركيز على استعمال اللغة في بعدها البراغماتي، بحيث تستعمل تارة بمثابة وسيط لنقل المعلومات وإبلاغها، وتارة أخرى بمثابة مصدر من مصادر الاندماج الاجتماعي، فيندرج البعد الأول في سياق استراتيجي، والثاني في سياق تواصلي. ثم يصبح البعدان محورا تدور في فلكه كل المواقف والأفعال التواصلية التي تؤدي إلى تحقيق التفاهم أو الإجماع «الذي هو أساس وقاعدة لكل مناقشة، تهدف إلى تحقيق خطاب يعبر حقيقة عن مجتمع متضامن، يخدم معاييره وقيمه، وهذه المعايير هي انطباع عن حالة المجتمع وليست اجترارا لتقاليده، ومن هنا فهو يتبنى موقف التحول اللغوي، لأن فكرة المعرفة الكلية تتجسد في اللغة ذاتها»(4).

ويتقاسم صانعو الفرجة مظاهر هذا الفعل التواصلي مع شرائح مختلفة من الجمهور الذي ينخرط ويحضر منذ انطلاق الفرجة حتى نهايتها، والذي يظل محكوما بنسج علاقات تؤلفها هذه الذوات اتجاه نفسها واتجاه غيرها، في إطار ما يسميه الفيلسوف الألماني يورجين هابرماس J.Habermas بالفعل المسرحي «الذي لا يتعلق لا بالفرد الفاعل ولا بأعضاء الجماعة وإنما بالمشاركين في التفاعل، حيث يشكل كل واحد منهم بالنسبة للآخر دور الجمهور الذي يظهر أمامه، لأن الفاعل يكشف عن ذاتيته عندما يحتك بالجمهور وبإمكانه مراقبة الذين ينفذون إلى عالمه الخاص، حيث يشكل التفاعل مجالا تنكشف فيه ذاتية كل فرد بالنسبة للآخر حينما ينفذ إليها».

وتتم عملية التواصل بين صانعي فرجة بيلماون وبين الفاعلين الآخرين في شكل مناقشة وخطاب شفاهي بين الذات المتكلمة وبين المتلفظين الآخرين، وفي شكل حوار تحكمه عدة شروط تتمثل في أن كل فرد يمتلك القدرة على الكلام يمكن أن يشارك في نشاط تواصلي من خلال ما يسميه هابرماس بأخلاقيات المناقشة. ويتقوى هذا الإمكان في المشاركة الفعلية لكل الفاعلين في استرفاد الفرجة لموضوعاتها من الواقع المعيش، ومن تركيزها على توظيف أساليب فرجوية شعبية أمازيغية تقليدية، ومن استهدافها لتغيير بعض السياسات العمومية المتبعة في مجالات أجرأة اللغة والثقافة والحقوق الأمازيغية، وبالتالي يجوز التعامل مع هذه المعطيات «بوصفها دعاوى للحقيقة»، لذا ضرورة الدخول في نقاش حقيقي لتأسيس المعايير والأوامر اعتمادا على العقل المتواصل المتحاور ليس على العقل الفردي .

ويسعى الممارسون وصانعو المنجز الفرجوي في المجال العمومي إلى توعية الناس، وخلق تفاعل هادف بينهم والجمهور عبر استثارة طاقة النقد والتأويل، وبأسلوب بسيط يعتمد على اللغة اليومية، وعلى تشكيلات خطابية ومسرحة أجساد اجتماعية وسميأة للمجال العمومي بطريقة مألوفة ومطمئنة، «لأنه في إطار العوالم الاجتماعية المعيشة لا ينفصل التواصل بواسطة اللغة العادية عن التفاعلات المعتادة وتعبيرات التجربة اليومية المعيشة».(6)

وتخول هذه المظاهر التواصلية والتأويلية في علاقتها بالمجال العمومي تفكيك شفرات فرجة بيلماون من خلال خطاباتها الشفهية والحوارات وصيغ المحادثة والآداءات المشهدية. وهي في مجموعها تعبيرات لغوية وبصرية ذات بعد ذاتي وعقلاني تمنح للمتلفظ القدرة على تبادل الأفكار وإفتاء الرأي لإعادة الصلة بين اللغة والواقع المعيش، وبين الفرجة واندماجها في المجال العام، بدون إحداث اصطدام يمكن أن يفجره المجال نتيجة سوء الفهم أو هيمنة البعد الاستراتيجي، أو طغيان نزعة التحكم وتفريغ المجال من أفقه الحر والديمقراطي والعقلاني.

هوامش:

-1 Arlette Farge, Dire et mal dire, l’opinion publique au XVIIIe siècle, Paris, Seuil, 1992,page 64.

-2 إريكا فيشر ليشته، «من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة»، ترجمة وتقديم خالد أمين، المركز الدولي لدراسة الفرجة، الطبعة الأولى، 2016، ص 119.

-3 إريكا فيشر ليشته، «تناسج الثقافت داخل الفرجة: حالات مختلفة للوجود البيني» ترجمة وتعليق: خالد أمين، ضمن كتاب: المسرح ورهاناته، إعداد وترجمة، حسن المنيعي وخالد أمين، منشورات المركز الدولي لدراسة الفرجة، سلسلة، 17، الطبعة الأولى، يونيو، 2012، ص 18.

-4 محمد نورالدين أفاية، «الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة»، الدار البيضاء، 1991، ص 7-8.

-5 Habermas Jürgen, Droit et démocratie. Entre faits et normes, traduit de l›allemand par Rainer Rochlitz et Christian Bouchindhomme,Gallimard, Paris,1997,page 23 .

-6 J.Habermas, L’Ethique de la discussion , Trad. M.Hungadi, Paris, 1992, p 91.

>إعداد: الحسين الشعبي

Related posts

Top