الشرق الأوسط في قلب معركة إقليمية اسمها المناخ

 أخفت مشاركة قادة أربع دول من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهي السعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل في القمة الدولية للمناخ، التي دعا إليها الرئيس الأميركي جو بايدن في الشهر الماضي، في طياتها الكثير من بوادر الصراع الذي لم يظهر إلى العلن حتى الآن، لكنه يكشف زخما أكبر للمنافسة الجيواسترايتيجية بين القوى الإقليمية في المنطقة.
وتمثل الدول الأربع 40 في المائة من إجمالي الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري في المنطقة، وأقل من 3.5 في المائة من إجمالي انبعاثات العالم، إلى جانب أنها الدول الأكثر نفوذا في الشرق الأوسط إلى جانب إيران التي لم تتم دعوتها للقمة.
وما يدل على المنافسة بين دول المنطقة، الطلب الذي تقدمت به الإمارات لاستضافة الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في أبوظبي عام 2023. وقال وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان إن “بلده حريص على التعاون مع جميع الأطراف لإنجاح المؤتمر، الذي سينعقد في مرحلة دقيقة يسعى فيها المجتمع الدولي إلى إحراز تقدم في الالتزامات التي تم التعهد بها في اتفاقية باريس”.
ويرى كريم الجندي الباحث الزميل في برنامج الطاقة والبيئة والموارد بالمعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” البريطاني أن التنافس على الريادة في مجال مكافحة ظاهرة التغير المناخي في المنطقة يعكس تنافسا إقليميا وجيوسياسيا أوسع نطاقا، ولكن إذا جاءت الأعمال متوافقة مع الطموحات ستكون البيئة نفسها هي الرابح الأكبر من هذا التنافس.
ورغم أن الأهمية السياسية للقمة واضحة مع محاولة إدارة جو بايدن رسم مسار جديد، وتعويض الوقت الضائع في مجال التعامل مع ملف البيئة، فإن التحركات الجيوسياسية طويلة المدى للولايات المتحدة ألقت بظلالها على آليات المشهد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
فقد كان تركيز السياسة الخارجية الأميركية على آسيا، وانسحابها جزئيا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد شجع العديد من القوى الإقليمية على الانخراط في منافسة جيوسياسية لملء الفراغ الملحوظ.
ويقول الجندي في تقرير نشره موقع تشاتام هاوس “إن تنافس الدول على توسيع نفوذها في الماضي كان يتم باستخدام الوسائل الدبلوماسية والمالية والعسكرية، لكن تركيز الإدارة الأميركية الجديدة على العمل المناخي فتح مجالا جديدا للقيادة الإقليمية والمكانة العالمية”.
وكان بايدن قد حث القادة المدعوين للقمة على استغلالها كفرصة “لتوضيح كيف ستساهم بلدانهم أيضا في تحقيق طموح مناخي أقوى”، لكن بعض استجابات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدعوته جاءت قبل الاجتماع بفترة طويلة.
فبعد أيام قليلة من تلقيها الدعوة لحضور القمة الأميركية، نشرت السعودية خطة لتحقيق مبادرتين طموحتين في مجال المناخ وهما “مبادرة السعودية الخضراء” و”مبادرة الشرق الأوسط النظيف”، وتستهدفان تحول البلد الخليجي إلى “رائد عالمي في تشكيل عالم أكثر صداقة للبيئة”.
وتستهدف “مبادرة السعودية الخضراء” تقليل الانبعاثات الغازية بما يعادل 4 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية وهو هدف طموح للغاية لأنه يعادل حاليا ثلاثة أمثال كمية الانبعاثات السنوية في السعودية حاليا ويشير إلى طموح غير مسبوق بالنسبة للتنمية الخالية من الكربون.
ورغم أن الإعلان السعودي يقدم القليل من التفاصيل حول كيفية تحقيق الهدف، لكنه يسلط الضوء على ثلاثة مكونات من المحتمل أن تدعم نهجها، الأول هو زيادة حصة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء من 0.3 في المئة حاليا إلى 50 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلد بحلول 2030، والثاني هو زراعة عشرة مليارات شجرة خلال العقود القادمة بما يحقق فائدة واضحة في امتصاص الغازات الكربونية، وأخيرا تنفيذ مشروعات “الهيدروكربون النظيف”.
وتتعهد مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، وهي أول مبادرة مناخية عملية في المنطقة، بالمضي قدما في خفض الانبعاثات العالمية بنسبة 10 في المائة والتي تتجاوز حصة الشرق الأوسط من هذه الانبعاثات حاليا. كما تحدد خططا لزراعة أربعة أضعاف عدد الأشجار مما يجعلها أكبر مشروع إعادة تشجير في العالم ولخفض الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الطاقة الهيدروكربونية للمنطقة بأكثر من 60 في المائة.
وفي أعقاب الإعلان السعودي، عقدت الإمارات حوارا في أبوظبي ضم المبعوث الأميركي لقضايا المناخ جون كيري ورئيس مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ ألوك شارما وممثلين من عشر دول عربية ليس من بينها السعودية.
وخلال القمة الأميركية أعلنت السعودية وقطر والنرويج وكندا تشكيل “منتدى منتجي صفر انبعاثات”، دون مشاركة إماراتية، بهدف التعامل مع الانبعاثات الكربون والميثان في قطاع إنتاج النفط والغاز.
وفي الوقت نفسه فإن تركيا تزيد بصورة سريعة قدراتها في مجال الطاقة المتجددة، حيث تحصل حاليا على حوالي نصف إنتاجها من الكهرباء من المصادر المتجددة، وبخاصة محطات الطاقة المائية. وكما هو الحال مع الكثير من دول أخرى، فإن اللجوء إلى المصادر المتجددة في تركيا هدفه الأساسي تقليل الاعتماد على استيراد الطاقة وليس الحفاظ على البيئة.
كما أن تركيا واحدة من عدة دول قليلة صادقت على اتفاق باريس للمناخ، وتشير باستمرار إلى محدودية مسؤوليتها التاريخية عن التغير المناخي.
ولكن إسرائيل تمضي في مسار مختلف. فرغم أنها لاعب إقليمي رئيسي في مجال الطاقة الشمسية، يبدو أنها الآن تفضل استخدام ثرواتها المكتشفة حديثا من الغاز الطبيعي، لتحل محل الفحم وهو ما يؤخر انتقالها إلى مصادر الطاقة المتجددة. وفي الوقت نفسه، فإنها ما زالت تستهدف الحصول على 30 في المائة من إنتاجها من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030 ثم 100 في المائة منها بحلول 2050.
وقد تبدو هذه التطورات بمثابة انحرافات جذرية عن الموقف التاريخي للمنطقة في اعتبار جهود التخفيف من الانبعاثات كأولوية منخفضة. لكنها تشير في الواقع إلى تغيير في سرعة ونطاق التحول نحو الطاقة النظيفة، وليس في المسار نفسه، بعد أن سبقتها سنوات من التقدم التدريجي في سياسات الاستدامة المحلية.

Related posts

Top