الجهل بالنصوص وغياب المعلومة الدقيقة وراء سوء الحكامة في الجماعات المحلية

أرجعت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة سوء الحكامة في الجماعات المحلية إلى عدم معرفة المنتخبين والمنتخبات بالنصوص القانونية المنظمة لاختصاصات الجماعات، بل وعدم توفرهم على المعلومات الدقيقة والمهمة التي ترتبط بالتدبير، من قبيل الميزانية، وبرنامج عمل الجماعة، والمراسيم التنظيمية، ومضامين اتفاقيات الشراكة.
ووقفت ترانسبرانسي المغرب على هذا الواقع خلال الدورات التكوينية التي نظمتها لفائدة المنتخبات والمنتخبين، بدعم من السفارة البريطانية بالمغرب، بهدف الارتقاء بقدرات هؤلاء المنتخبين والمنتخبات، وتمكينهم من الضوابط والآليات القانونية التي تخص الحكامة.
ذلك ما أكده عبد الله حارسي، الكاتب العام بالنيابة لترانسبارنسي المغرب، في لقاء نظمته هاته الأخيرة، مساء أول أمس الأربعاء، بالرباط، خصص لتقديم تقرير بمثابة خلاصة للدورات التكوينية لفائدة المنتخبين والمنتخبات المحليين، حيث أشار إلى رصد جوانب عديدة من الخصاص لدى المنتخبين والمنتخبات في مجال الحكامة الجيدة بالجماعات المحلية، إذ أن بعضهم، يقول المتحدث، “لم يستوعب بشكل دقيق المقتضيات التي جاء بها دستور 2011، والقانون التنظيمي للجماعات، ومجالات اختصاصها”.
وأوضح عبد الله حارسي أن الجمعية رصدت، خلال هذه الدورات التكوينية التي استفادت منها مجموعة كبيرة من المنتخبين والمنتخبات بعديد جماعات على مستوى ثماني جهات من بين الجهات الـ 12 للمملكة، اختلالا يتعلق بالبون الشاسع بين ما تنص عليه القوانين وبين الواقع.
 ففي مجال الديمقراطية التشاركية، مثلا، وضعت كثير من المجالس الجماعية، يقول حارسي، قانونها الداخلي مع تقزيم للآليات التشاركية، والاكتفاء بالتنصيص فقط على اللقاءات العمومية السنوية كآلية تشاورية واحدة، كما أنها تجاهلت مقاربة النوع الاجتماعي، ولم تتملك الحق في الحصول على المعلومات.
من جهتها، كشفت فاطمة كريم، مستشارة بمجلس جهة نبي ملال خنيفرة، عن واقع خطير تعاني منه النساء المنتخبات في المجالس الترابية. فقبل ترشحهن، تتم تسمية لائحة النساء بـ “الإضافية”، فيما يطلق على لائحة المرشحين الرجال “الأساسية”، ويتم استبعاد النساء اللواتي يتملكن كفاءة عالية في التدبير، واستبدالهن بنساء أشباح. وبعد ولوجهن مسؤولية التدبير، يتم فرض توقيعهن على عريضة تمنعهن من الترشح للعضوية في مكاتب المجالس الجهوية.
واعتبرت فاطمة كريم، الجماعات الترابية “المدخل الأساسي للحكامة والديمقراطية المحلية باعتبارها أسمى مظهر لسياسة القرب ورافعة أساسية ضرورية للديمقراطية سواء  التمثيلية أو التشاركية”، مؤكدة، في هذا الصدد، على أن تدبير الشأن المحلي رهين بأدوار الفاعل والفاعلة أو المتدخل والمتدخلة في عمليات التدبير والتنمية والاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، مشيرة إلى أن الجماعة الترابية مؤسسة ترابية في حاجة ماسة إلى تمثيلية وازنة للنساء والرجال لبناء منظور جديد يعتمد على مبدأ الحضور العادل والمنصف للنساء في الجماعات الترابية وفي مراكز القرار لتعزيز النظرة الجديدة لتدبير الشأن العام المحلي.
واعتبرت فاطمة كريم أن اقتحام النساء للشأن المحلي غير بشكل إيجابي طبيعة المجالس المنتخبة التي كانت مجالا ذكوريا بامتياز وجعلها نسبيا تنفتح على مجالات أخرى تستجيب لحاجيات الساكنة. بيد أن  ما يطبع التعامل إلى حد اليوم مع تمثيلية النساء في الجماعات المحلية، تضيف المتحدثة، هو “النظرة الدونية التي يتم التعامل بها مع النساء، والتي تعتبر مشكلة وجب طرحها بكل الجدية المطلوبة على الدولة، والأحزاب، والمجتمع، وكذا النقابات، من أجل إقرار المساواة، والعمل المشترك  بين المنتخبات والمنتخبين والأطر الإدارية في إطار التفاعل والتنسيق”.
من جانبه قدم أحمد مفيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، والذي أطر الدورات التكوينية لفائدة المنتخبات والمنتخبين، الجوانب التي يرى أنه من الضروري مقاربتها للنهوض  بمبادئ الحكامة على مستوى الجماعات الترابية، والتي لخصها في محور أساسي يرتبط بالتكوين وذلك للرفع من قدرات المنتخبات والمنتخبين المغاربة، في كل ما له علاقة بقواعد الحكامة المنصوص عليها ضمن دستور 2011، وجرائم الرشوة في القانون الجنائي، وميزانية النوع الاجتماعي وحكامة الصفقات العمومية، والحق في الوصول إلى المعلومات، وآليات المشاركة المواطنة في تدبير الجماعات الترابية.
واعتبر أن ذلك من شأنه تطوير الممارسة على مستوى الواقع وتدارك النقائص المسجلة على مستوى تفعيل القانون، على أن يشمل ذلك ثلاث مستويات يخص المستوى الأول منها دعم القدرات المعرفية للمنتخبين والمنتخبات حتى يتمكنوا من ممارسة اختصاصاتهم بكل فعالية، بحيث تشمل جوانب التكوين القانوني والتقني، بغية الوصول إلى النجاعة والفعالية في التدبير المعتمد، وإرساء الدعامات الرئيسية لنظام النزاهة على المستوى الترابي، وتعميق تكوينهم في ملفات عدة، من قبيل التعرف بشكل أكثر دقة على مجالات اختصاص الجماعات، وعلى حقوق وواجبات المنتخبين، من أجل تفادي الأخطاء في التسيير”، مشيرا أن عددا من المنتخبين  مثلا يعتبرون أن من حقهم الحصول على تعويض في حين  يجهلون أن القانون يحدد الحالات وبدقة.
وكشف مفيد أن الدورات أظهرت أنه من الضروري على مسؤولي المجالس الجماعية تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بتوفير المعلومات الضرورية للمنتخبين، كالوثائق المتعلقة بنقط جدول أعمال الدورات، وتلك التي يتعين تسليمها لأعضاء اللجان الدائمة، مشيرا إلى أن دعم قدرات المنتخبين في القضايا التقنية هي ما يتعلق بقضايا التدبير المفوض للمرافق العمومية المحلية، وشركات التنمية المحلية، وعقود الشراكة، وآليات التعاون اللامركزي الوطني والدولي، واتفاقيات التوأمة”.
وأكد في هذا الصدد على ضرورة إخراج إلى حيز الوجود ميثاق المرافق العمومية، لكون هذا الأخير وفق ما نص عليه الدستور في مادته 157 “يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية والأجهزة العمومية”.
كما شدد مفيد على أهمية دعم المنتخبين لتطوير إشراك المواطنين، واستشارتهم في اتخاذ القرارات، وعدم الاقتصار، كما ما هو منصوص عليه في القانون الداخلي للمجالس، على اللقاءات العمومية، بل يجب أن يتم في هذا الإطار التنصيص تماشيا مع ما جاء في الدستور على إحداث آليات تشاركية أخرى، وذلك كأن يتم إحداث مجالس الأحياء، ولجان لتتبع سير تدبير المرافق العمومية المحلية، وإحداث فضاءات مختلفة للتشاور، دائمة أو مؤقتة، لمعالجة بعض القضايا المهمة التي تهمّ السكان.
ودعا أحمد مفيد الذي أعد نص التقرير بشأن ما رصدته الدورات التكوينية، إلى ضرورة تطوير المجالس الجماعية للمواقع الإلكترونية بالعمل على تضمينها المعلومات المهمة، من قبيل الميزانية والنفقات العمومية والمساعدات الموزعة على الجمعيات، وكذا إحداث بنية لتلقي ملاحظات وشكايات المواطنين ومعالجتها، ودراسة العرائض التي يتقدم بها الأشخاص الذاتيون والمعنويون.

فنن العفاني

Related posts

Top