السياسة، القوانين الانتخابية و… المعقول

صادق المجلس الوزاري الأخير على أربعة مشاريع قوانين تنظيمية تتعلق بالمؤسسات المنتخبة والأحزاب، وجسد ذلك إشارة دالة على عقد الاستحقاقات الانتخابية في موعدها، والحرص على تجديد المؤسسات وانتظامية الانتخابات، ومن ثم وضع حد للتأويلات التي راجت من قبل حول احتمال تأجيلها  بسبب ظروف الجائحة.
هذا هو الدرس الأول مما أقره مجلس الوزراء، أي أن الظرف الوبائي والمحنة الصحية لن يحولا دون الإصرار على كسب التحدي الديمقراطي ومواصلة تمتين دولة المؤسسات.
في المقابل، لا يمكن إنكار حالة الرتابة التي يعيشها مشهدنا السياسي بشكل عام، وحاجته اليوم إلى الوضوح والجدية والدينامية، وأساسا إلى تثمين السياسة والعمل الحزبي، بدل كل هذا التبخيس والتهميش الذي يلفهما من أكثر من جهة.
إن النصوص التي أجازها مجلس الوزراء تضمنت فعلا بعض الإيجابيات المهمة، وخصوصا على صعيد تطوير مسار تحقيق المناصفة وتقوية تمثيلية المرأة بمختلف الهيئات المنتخبة، ولكن بقي على الحكومة والفرقاء السياسيون والبرلمان الإنكباب اليوم على تطوير وتجويد باقي المقتضيات، وبلورة وعي مشترك وتوافق واسع فيما بينها لإنجاح هذا الورش التشريعي والتنظيمي المهم.
الانتخابات تقتضي مشاركة شعبية مكثفة، وتتطلب توفير آليات تؤمن حرية التنافس، وتحقق النزاهة والشفافية، أي تتوفر لها المصداقية الضرورية.
التأطير القانوني للعمليات الانتخابية يجب أيضا أن يوفر الآلية المناسبة لتحقيق تمثيلية الشباب ومغاربة العالم في البرلمان، وأن يستحضر أهمية تجويد التركيبة البشرية للمؤسسات المنتخبة، أي تمثيلية كفاءات ذات خبرة ومصداقية، سياسية ومعرفية وأخلاقية.
في هذا الاتجاه يجب أن يتقوى الاجتهاد الحكومي والبرلماني بلا حسابات صغيرة أو أنانية حزبية عقيمة.
العملية الإنتخابية في بلادنا يجب أن تكون مشمولة بالثقة الشعبية في مجرياتها وهدفيتها، وأن تتقوى بالمشاركة الشعبية، وأن تفضي إلى بروز نخب وكفاءات تمتلك المصداقية والمعرفة والنزاهة، وإلى تشكيل مؤسسات تمثيلية تجسد تعددية حقيقية في بلادنا، وتساهم في تطوير مسار البناء الديمقراطي المغربي.
يعني ما سبق، أن المنظومة القانونية المتصلة بالانتخابات لا زالت تتطلب التجويد، وخطوة المجلس الوزاري الأخير أعطت الإشارة لباقي الفاعلين للسير في هذا الاتجاه، وهو ما يستوجب اليوم أن تلتقط الحكومة والأحزاب الإشارة وأن تحسن قراءة الدرس، وأن تنكب على التفكير بحجم الوطن، وتمنح لبلادنا قوانين وانتخابات من شأنها مواجهة تحديات المستقبل، والمساهمة في بناء مغرب ما بعد الجائحة.
وفضلا عن النزاهة والمصداقية في التنظيم والتنافس، فإن نجاح العمليات الانتخابية المرتقبة هذه السنة، يتطلب، من الآن، بناء شروط سياسية ومجتمعية داعمة لتحقيق ذلك، وخلق انفراج سياسي وحقوقي عام في البلاد، من شأنه تقوية الثقة وسط المجتمع، والتحفيز على الانخراط والمشاركة في التصويت والترشيح، وأيضا في التعبئة العامة لتحقيق النزاهة والمصداقية.
من دون شك، ستعرف المرحلة المقبلة العديد من القضايا والتحديات التي ستطرح على بلادنا، وهو ما يستدعي وجود مؤسسات تتوفر فيها الكفاءة وبعد النظر، وتعمل بانسجام وبلا أي تيه أو انحدار مبتذل في تصفية الحسابات الداخلية الصغيرة، كما أن التبدلات الكثيرة التي تبرز اليوم كمعالم لعالم الغد ولعلاقاته الإستراتيجية الجديدة، ستفرض على بلادنا تدبير تموقعاتها وصلاتها، وأيضا مواجهة رهاناتها الداخلية، ومن ثم يكون الشرط السياسي الديمقراطي ضروريا، ويجب تمتين الجبهة الوطنية الداخلية، أي الارتكاز إلى حيوية المجتمع ووعيه العام، وهذا يعني أهمية تقوية الأحزاب الجادة وباقي مؤسسات التأطير، والتفاعل الإيجابي معها، وتثمين أدوارها، وجعل التعددية حقيقية ومنتجة وذات مصداقية، وليست باهتة ومتكلسة وبلا امتدادات.
البداية يجب أن تكون اليوم من خلال إنقاذ السياسة عندنا من الرتابة، ومن غياب المصداقية، ومن سيادة النقاشات التافهة والمبتذلة، وتشجيع الجودة والنجاعة والكفاءة، والاقتناع بأنه لا يمكن، على غرار كل بلدان العالم، تطوير الديمقراطية ودولة المؤسسات من دون أحزاب حقيقية وجادة ومستقلة.
حان وقت… المعقول

<محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

Related posts

Top