المدرسة وهوس التميز

“لا أحب هؤلاء السذج الذين يتخرجون بمعدلات عالية وتخصصات علمية مهمة، لكنهم لا يسمعون الموسيقى، ولا يعرفون شاعراً واحداً، ولم يشاهدوا فيلما سينمائياً، ولم يحاولوا كتابة قصيدة، ولم يخلطوا علبة ألوان ليرسموا لوحة…

أنا لا أفهم هؤلاء الناس الذين بلا طقوس شخصية، بلا عادات بلا تفاصيل، لا يهتمون بألوان الأزرار، ولا خشب المقاعد… الحياة في التفاصيل، في الأحاسيس، في الذائقة… في معنى أن تهز رأسك حزناً أو فرحاً أو طرباً لمقطع من أغنية قديمة، أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق”

(جبرا إبراهيم جبرا).

بسبب هوس هذه المعدلات العالية، يأخذ جميع الأطفال تقريباً دروسا إضافية، لدينا جيلان من المتخرجين الذي تلقوا دروسا إضافية في الدعم والتقوية، وغالباً ما يشعرون في طفولتهم بالإحباط بسبب اضطرارهم إلى قضاء ساعات طويلة غير مرغوب فيها، لا هدف لها سوى الحصول على نقط عالية على حساب ممارسة اللعب وأنشطة أخرى تندرج في إطار التنمية الشاملة للشخصية، مما يجعل المتخرجين ذوي النقط العالية يخسرون أنفسهم مدى الحياة. 

بسبب هوس الحصول على معدلات عالية أصبح الأطفال مثلَ خيول السباق يحصلون على نقط عالية على حساب توازنهم الشخصي وانخراطهم المجتمعي والانشغال بقضايا بلدهم، إنهم يربحون حياة مهنية ولكنهم يخسرون مجالات أساسية في مدرسة الحياة.

يقول “بيير بورديو” «إن حرب الأغنياء على الفقراء تبدأ من المدرسة»، كذلك «إن المدرسة مؤسسة للصراع الطبقي»  كما يقول “تشومسكي”.

المدرسة يصبح هدفها إعادة إنتاج قيم الطبقة المسيطرة وإعادة إنتاج نخبة لتكريس القيم السائدة، وليتسنى لها ذلك تحول المتعلم إلى وعاء ممتلئ بالمعلومات ويصبح معيار النجاح هو الاستظهار وإعادة المعلومات، مما يجعل لدى المتخرجين ذوي النقط العالية ذاكرةً ميكانيكية.

التعليم تعليم بنكي واستظهاري وتلقيني، وأساس هذا النظام التعليمي – يقول “بول فرايري” – «اعتبار المتعلمين المقهورين في المدارس كما لو أنهم حسابات بنكية يتم إيداع المعرفة في أذهانهم من قِبل الأساتذة، وأنه لا يوجد تعليم محايد، فهو إما أداة للقهر والتسلط أو محفز للتحرير”. 

والحل كما يرى “بول فرايري” في «تحويل هذه الممارسات القهرية في نظام التعليم البنكي إلى تعليم من أجل خلق الوعي النقدي على أساس من التعليم التحرري، والذي يمر عبر الإيمان بالإنسان وخلق الوعي الثقافي والسعي نحو الحرية»  (كتاب تعليم المقهورين).

التعليم الرسمي إذن يملأ الشخص بالمعلومات كما يمتلئ أي وعاء، التعليم الرسمي يقتل في الطالب الفهم والسؤال والنقد والشك.

لعلكم تذكرون أيها المتمدرسون أنه كان لنا جميعا زملاء في الفصول الدراسية، ولعلكم كنتم ترددون أن الصديق الفلاني الذي غادر المدرسة كان متألقا وذكيا، ولكن لم نتساءل لماذا غادر هؤلاء التلاميذ المدرسة باكرا؟ 

لم نتساءل أن هؤلاء الذين غادروا المدرسة بسبب فقرهم أو “شغبهم” و”حركيتهم الزائدة” كانوا سيكونون مسرحيين أو موسيقيين أو رسامين أو مخترعين أو مبدعين في مجال ما، المدرسة هي من طردتهم لأنها لم تستوعب مجالات إبداعية كثيرة، لأنها فضاء مصمم للتنميط والقولبة وإعادة الإنتاج، بل وإن الناجحين في المدرسة هم أنفسهم إما أنهم كانوا يجيدون التأقلم والانضباط والاستظهار وإما عززوا تكوينهم بالقراءة والاطلاع خارج المدرسة؛ كيف ذلك؟ 

“ألبرت إنشتاين” صاحب نظرية النسبية لم يكن أبدا متصالحا مع المدرسة وتأخر في النطق حتى خشيت أسرته من عدم تعلم الكلام وفشل في الحصول على الباكالوريا قبل الانتقال إلى “ميونيخ”، وفشل في الانضمام إلى مدرسة Polytechnique ، “إنشتاين” كان غبيا تعليميا ولكن بنى نظرية كبرى بالتعلم الذاتي والملاحظة، وحين أصبح “إنشتاين” مدرسا قال «أنا لا أقوم بتعليم طلابي بل أحاول فقط توفير الظروف التي يمكنهم فيها التعلم» استرشادا بما قاله “أرسطو”: “التدريس هو أعلى شكل من أشكال الفهم”.

وهناك أشخاص آخرون هزوا العالم دون المرور بأي تعليم رسمي أو قدر كبير منه، منهم: 

  • “توماس إديسون” الذي طُرد من المدرسة لأن أساتذته اعتقدوا أنه كان بطيئًا جداً في التعلم، بعد طرده درس “أديسون” في المنزل بمساعدة أمه، علمته القراءة والكتابة، عمِل بجد وجرب كثيراً حتى اخترع المصباح الكهربائي وكاميرا الصور المتحركة وملصق الأوراق ويحمل في رصيده العلمي 1093 براءة اختراع. يقول “أديسون” بكل تواضع  العبقرية لا تشكل سوى 1٪ أما  99٪ الباقية فهي مجهود وعرق”..
  • الأخوان رايت (أورفيل وويلبور): اللذان اخترعا آلة الطيران وطارا بالطائرة الأولى، هؤلاء العالمان لم يكملا المرحلة الثانوية، يقولان: «إن الرغبة في الطيران هي فكرة انتقلت إلينا من أسلافنا الذين راقبوا بحسد الطيور وهي تحلق بحرية في الفضاء، وإذا كان بإمكان الطيور أن تطير لفترات من الزمن فلماذا لا نستطيع نحن ذلك»؟  
  • “بيل جيتس”: أغنى رجل في العالم لعدة مرات ومؤسس شركة “المايكروسوفت” قد انسحب من جامعة هارفارد ليبني لاحقاً واحدة من أنجح الشركات متعددة الجنسيات في هذا العصر، يقول “بيل غيتس”: “لقد فشلت في بعض الاختبارات، لكن صديقاً لي نجح في اجتيازها جميعاً، الآن هو مهندس في ميكروسوفت وأنا رئيس شركة ميكروسوفت” .

هذا لا يعني أنه هذا يجب تفكيك المدرسة ومقاطعتها، بل «إنه من يفتح باب مدرسة يغلق سجنا، والمدرس هو البستاني للذكاء البشري»  كما يقول فيكتورهوغو، ولكن يجب القول إن المدرسة يجب أن تنشر المعرفة ولا تقيدها، وأن تحرر الطاقات والمواهب لا أن تقمعها، وأن يصبح المتعلم مستنيرا ناقدا شاكا ومشاركا وليس وعاء ممتلئا بالمعلومات الجاهزة، التعليم يجب أن يجعل الناس يفكرون ولا يرددون معلومات كالببغاوات، التعليم يجب أن يتخلص من أمراض التميز والقلق والتعاسة…

تشير الأبحاث إلى أن الطلاب الفرنسيين هم بين الطلاب الأكثر تعاسة، إنهم لا يحبون المدرسة حقاً، قارن تقرير اليونيسف (بيلان إينوشينتي ما بين 2007 و2013) حول الطلاب في البلدان الغنية بشأن المعايير العالمية للرفاهية التعليمية والرفاهية الذاتية حيث احتلت فرنسا المرتبة 18 من أصل 20 دولة. وفقط 21.4٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و13 و15 عامًا يقولون إنهم يحبون المدرسة كثيرا.                  

في استطلاع léger نشرت نتائجَه يومية “لوجورنال” أن سكان الكيبيك يعانون من ضغط شديد اسمه ضغط المدرسة وأن الإجهاد لا يطال فقط البالغين بل إن 45٪ من الأطفال يتعرضون للإجهاد حسب تصريح آبائهم، ويرتفع الإجهاد إلى 60٪ من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 سنة، أما الأطفال في سن 11 وما دون فإن ثلثهم 34٪ يعانون من الإجهاد. 

تقول الدكتورة ليلى أميرالي، “طبيبة نفسية للأطفال” في مستشفى مونتريال: «المدرسة هي مصدر الضغط الأكبر، المتطلبات كثيرة ونرى عدداً أقل بكثير من الشباب في المستشفى أثناء الإجازات والعطل المدرسية.

وتضيف أميرالي: “إننا نعيش في بيئة أكثر إرهاقاً، نريد أن يتعلم الأطفال الصغار القراءةَ قبل حتى أن يلجوا المدرسة، إنهم يتعرضون لجميع أنواع الضغوطات، سواء كانت في المدرسة ووسائل التواصل الاجتماعي أو الأخبار الدرامية على التلفزيون” .

نشرت جريد “لوموند” الفرنسية بتاريخ 17 شتنبر 2013 مقالاً يفيد أن ربع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و15  سنة “مرضى من المدرسة”، ويعود المرض إلى الإجهاد، والمنافسة بين التلاميذ، والشعور بعدم القدرة على القيام بالفروض، والخوف من تصنيفات سيئ وغبي وكسول، والضغط للوصول لأعلى نقطة، وعدم تلبية تطلعات أولياء الأمور.

 يعود هوس التميز المدرسي وتداعياته الخطيرة إلى بيئة تنافسية ومن متطلباتها النجاح السريع والأداء الفوري والشعور بالفوز على المنافسين إذ يصبح التفوق غاية في ذاته، هذا المسعى الفردي للتميز ونشدان الكمال هو رغبة في تحقيق الذات بشكل متعال مما يجعل الفرد سجينا للنرجسية والظهور المفرط لشخصه.

وتعود البدايات الأولى لظاهر التميز يقول “ماكس فيبر” لأخلاقيات البروتستانتية وهي روح الرأسمالية في بداية القرن العشرين إذ وجد أن الكثير من الرؤساء والموظفين الكبار للشركات هم ذوو التوجهات البروتستانتية الذين عملوا على تكريس روح الرأسمالية التنافسية المبنية على تراكم المزيد من الأرباح وإعادة استثمار تلك الأرباح المحققَة من الإنتاج مباشرة والسعي للجودة.            

الرأسمالية بخلفيتها البروتستانتية عززت السمات الفردية المشبعة بالعدوانية والروح القتالية والمنافسة تكريسا لفلسفة البقاء الاقتصادي للشركة وإعادة تشغيل أرباحها، ولذلك نجد أن الإنتاج ارتبط بالتميز كما ارتبط النجاح الاقتصادي بالأخلاق البروتستانتية مع IBM  و AMERICA EXPRESS  التي أصبحت مبادئ التميز والكمال هي الأسس الإيديولوجية الدافعة، التميز في هذه الفلسفة مطلب أخلاقي وجوهري وقيمة في ذاته، إذ أصبح معمولا به في جميع المقاولات التي تلزم المستخدم بالنظام وبذل كل جهده لخدمة الشركة ثم التدريب والتكوين للتشبع بمبادئ المقاولة وضمنها إرساء نظام التقييم الكمي والنوعي والعمل بواسطة الأهداف وغيرها من التقنيات المعتمدة والتي سيتم إسقاطها في جميع المجالات وضمنها المدرسة .

المدرسة بدورها أصبحت تحكمها الرؤية “المصرفية/البنكية” وأصبحت المعرفة هدية من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم حكماء لمن يعتبرونهم جاهلين، وأصبح التعليم – كما يقول فرايري – وفق الرؤية البنكية كممارسة للسيطرة التي تحافظ على براعة المتعلمين في إطارهم الأيديولوجي والذي يقوم على تلقينهم تعليما يؤقلمهم مع عالم الاضطهاد، في حين التعليم هو الحرية والعمل والتفكير والسؤال، وأنه لا أحد يجهل كل شيء ولا أحد يعرف كل شيء، وكلنا نعرف شيئا ما، وكلنا لا نعرف كل شيء، وفي المقابل لا أحد يعلم الآخرين، ولا أحد يعلم نفسه بمفرده، الناس يتعلمون بأنفسهم بشكل جماعي.

ولَطالما جهل المظلومون والمقهورون أسبابَ تعاستهم فإنهم سيقبلون استغلالهم، يقول بول فرايري.

***

* استندت في هذا المقال على الكثير من المعطيات الواردة في كتابي “تعليم المقهورين” لِـبول فرايري Paulo Freire، وعلى كتاب “صناعة التميز المدرسي” لمؤلفه فيليب بيرينو Perrenoud Philippe

بقلم: ذ. عبد السلام الهيموت

Related posts

Top