ندوة الثقافة الحسَّانية: رهانات حفظ الذاكرة وصيانة التراث غير المادي

بمناسبة النسخة السادسة عشر لموسم طانطان، ومن تنظيم مؤسسة الموكَار، احتضنت قاعة الندوات بجماعة طانطان ندوة علمية في أربع جلسات تمحورت حول موضوع “الثقافة الحسانية: رهانات حفظ الذاكرة وصيانة التراث غير المادي”، وذلك يوم الإثنين 10 يوليوز 2023. شارك في الندوة باحثون من المناطق الجنوبية ومن موريتانيا الشقيقة.

– 1 -ورقة الندوة
شكلت الثقافة الحسَّانية عبر سيرورتها الزمنية، وعاءً انصهرت فيه الخبرات والتجارب الإنسانية والأنماط السلوكية مع الفضاء لتنتج ركاما معرفيا ميَّز إنسان الصحراء وأثرى إبداعاته الأدبية وعطاءاته الفكرية والفنية والجمالية، ليتحوَّل من منتج فردي إلى ذاكرة جماعية.
إن الثقافة الحسَّانية هي نظام متكامل من تفاعلات تراثية وأنثروبولوجية وعلاقات اجتماعية وتشكيلات فنية وطقوس وعادات مميِّزة لساكنة المنطقة، بل هي نتاج تلاقح ثقافي أصيل وعميق بين مكوِّنات الثقافة الحسَّانية.
وتتسمُ هذه الثقافة، حسب الباحثين، بقلة الكتابة ووسائلها في مجتمع الصحراء لتصبح التعابير الشفاهية وسيلة التواصل الناقلة للتجارب والحافظة للذاكرة الجماعية.
ولتفعيل هذه الذاكرة، تحتاج الثقافة الحسَّانية إلى مجموعة من القواعد لفهمها ودراستها – من منظورات عدَّة – لاكتشاف أبعادها ودلالاتها، ومدى ارتباطها، أو انفصالها عن مكوِّنات الثقافة الشعبية في الوطن العربي. وتساعد هذه القواعد، أيضا، على استنباط الجوانب النفسية الكامنة وراء إنتاج هذه الثقافة كمحتوى معرفي يعبِّر عن المنظومة الفكرية للمجتمع الذي أنتجها.
وفي سياق الوعي بأهمية المحافظة على التراث الحسَّاني المادي منه والغير مادي، يكون ضروريّاً صيانته وتثمين مختلف مظاهر وأوجه الثقافة الحسانية العريقة والغنية، إلى جانب العمل على إنقاذ المهارات الأصيلة المتوارثة في شتى الميادين، المهدَّدة بالاندثار بفعل عوامل التمدين والحداثة، والتحوُّلات الكاسحة في نمط العيش وتراجع العلاقة بين الأجيال المتعاقبة وتعطل سبل النقل العتيقة بينها، مع ما يستدعيه ذلك من وضع لمناهج علمية وآليات ناجعة وأدوات فعالة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الموروث الأصيل والسهر على استدامته وضمان نقله إلى الأجيال المقبلة بوصفه مكوِّناً أساسيّاً من مكوِّنات الهوية الوطنية.
ويعد إحياء اللقاءات وتنظيم الندوات وورشات العمل لإرساء أسس التواصل والتعاون والتبادل بين الخبراء والمختصين والمهتمين بهذا الموضوع خطوة ضرورية لبناء تصوُّر جماعي شامل قابل للتفعيل على أرض الواقع وتشكيل قوة اقتراحية قادرة على إقناع السلطات العمومية والمؤسسات المعنية بذلك.
وغير خاف أن الثقافة الحسَّانية حققت طفرة نوعية منذ توقيع المغرب على اتفاقية اليونسكو الرَّامية إلى صون التراث غير المادي العالمي، مروراً بالاعتراف بموسم طانطان الثقافي وتصنيفه تراثاً عالميّاً إنسانيّاً.
تأسيساً على ذلك، ترُوم هذه الندوة العلمية مقاربة مجموعة من الأسئلة والقضايا المتصلة برهانات حفظ الذاكرة الثقافية الحسانية وصيانة التراث غير المادي في الصحراء، من بينها:
– التراث الحسَّاني غير المادي: المجال والإنسان
– الثقافة الحسَّانية: سؤال التدوين ورهان التثمين
– من الشفهي إلى الرّقمي، أيُّ أفق للثقافة الحسانية
– الثقافة الحسَّانية والنصوص التشريعية
– التراث الحسَّاني ومجال الاقتصاد الثقافي
– الثقافة الحسَّانية أفقاً للتنمية المجتمعية
– دور المؤسسات في تثمين الثقافة الحسَّانية
– الثقافة الحسَّانية والثقافات المجاورة: امتدادات وتقاطعات
– الحسَّانية في مهبِّ التحوُّلات الرّاهنة، ما العمل؟
– رهانات الثقافة الحسَّانية اليوم؟

– 2 -كلمة السيد محمد فاضل بنيعيش رئيس مؤسسة الموكَار
ألقى هذه الكلمة بالنيابة الباحث د. عبد الله العلوي، عضو المكتب التنفيذي لمؤسسة الموكَار والمشرف على الندوة، وذلك ضمن الجلسة الافتتاحية التي أدارها الباحث ذ. إبراهيم الحَيْسن، جاء فيها:
“لقد شكل اعتراف الأمم المتحدة بموسم طانطان، عبر وكالتها اليونسكو، كممثل لثقافة وتراث المجتمع الصحراوي البدوي، طفرة نوعية ساهمت في حمايته وتثمينه والتعريف به كموروث شفهي إنساني. وقد مرَّ هذا الاعتراف بمحطتين أساسيتين: الأولى عبر إعلانه سنة 2005، كتحفة من روائع التراث الشفهي الإنساني، والثانية تسجيله على القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للبشرية سنة 2008.
أمَّا المحطة الثالثة، التي لا تقل أهمية عن الأخريات، فترتبط بخلق مؤسسة الموگار طانطان في أكتوبر 2014، بتعليمات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وحفظه، بهدف تنظيم الموسم والعمل على صون وإحياء المكون الحسَّاني البيضاني وفقاً لتوجيهاته السامية، وتماشيّاً مع نصوص وبنود اتفاقية 2003 لصون التراث غير المادي للإنسانية.
لقد ارتأت المؤسسة ضمن ممارسة صلاحياتها الواردة في القانون الأساسي المؤسِّس لها، والتي تقتضي منها تنظيم الموسم والتعريف بالمكوِّن الحسَّاني على الصعيدين الوطني والدولي، وذلك ببرمجة عروض ومساهمات تشارك بها في التظاهرات الثقافية المنظمة بالمغرب أو خارجه.
ويأتي تنظيم هذه الندوة، ضمن فعاليات الموسم، بمشاركة باحثين وأساتذة، مختصين في دراسة الموروث الحسَّاني. فهي مناسبة لمناقشة الرهانات والتحديات التي يواجهها هذا الموروث، من أجل بقائه واستمراريته.
إن تنظيم هذا الملتقى العلمي، من طرف المؤسسة ليس اعتباطيا، بل هو قرار هادف، يروم جمع المختصين حول مسألة آن الأوان، بعد سنوات من تنظيم الموسم، لنفكر سويا ونعمل وقفة تأمل لنناقش فيها تطور الموروث الحساني البيضاني، باعتباره تراثاً حيّاً يتغيَّر ويتطوَّر بتطوُّر المجتمع الصحراوي داخل مجال جغرافي كان أصلا بدويّاً، ليُصبح حاليّاً من الحواضر الكبرى للجنوب المغرب.
فالنقاش سيشمل ثلاثة محاور رئيسية، مرتبطة بثلاثة رهانات كبرى، وهي رهان الصون والمحافظة، ثم رهان التوثيق والتدوين، فرهان التنمية المستدامة.
من هذا المنطلق، أدعوكم إخوتنا الباحثين – مشكورين – لنجعل من هذه الندوة تقليداً، وموعداً ثقافيا وعلميّاً نلتقي فيه، أثناء فعاليات الموسم، لنواصل من خلاله تناول مستقبل الثقافة الحسانية، بحضور ممثليها من جمعيات المجتمع المدني والمنتخبين والدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسة الموكَار في الاستجابة لانتظارات حاملي هذا الموروث وفي مواصلة وتكثيف عمليات الصون والمحافظة والتعريف به.
فنحن داخل المؤسسة سنعمل على نشر أشغال هذه الندوة الثقافية، وكذا تنزيل توصياتها ومخرجاتها في السياسة العامة للمؤسسة والأخذ بها في برمجة فقرات الموسم الثقافية والفنية.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”..
عقب ذلك، ألقى الباحث الموريتاني د. أحمد مولود أيدة الهلال مداخلة افتتاحية بعنوان “الثقافة الحسانية – الحدود والتثاقف” أبرز فيها بأن الثقافة الحسانية، ومن الوجهة التاريخية، تشكلت جراء اندماج بين مجموعتي صنهاجة الصحراء الملثمين وقبائل بني حسان العربية، التي هيمنت على المجال الجغرافي لموريتانيا الحالية، ولا يخفى أن وحدة نمط عيشهما البدوي ساعدت في تعزيز اندماجهما ضمن مجموعة واحدة (البيظان). مستطرداً بأن المجال الجغرافي للبيظان شكل واسطة عقد بين جنوب المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، مما مكن ثقافتهم الحسانية بفعل رحابة مجال ترحالها من تنوع الروافد المغذية لها، وأكسبها، بحكم التثاقف مع شعوب وأعراق الجوار، تنوعا ثقافيا فريدا؛ فالدارس للتراث الحساني يلمس وبجلاء روافد متعددة للثقافة الحسانية، تتجلى في الموروث العربي وكذا الصنهاجي بشكل عام في مفردات كثيرة تختزنها اللهجة الحسانية وفي الطوبونيميا والانثروبونيميا وأيضا في المعارف المتعلقة بالحياة البحرية لإيمراكَن، وجل معارف الصناعة التقليدية مستقاة من الموروث المغربي – الإفريقي. مضيفاً بأنه يمكن رصد تأثير الثقافة الإفريقية بجلاء في جوانب من ملامح التراث الحساني غير المادي في بعض الألعاب التقليدية وخصوصا في التراث الموسيقي، فموسيقى البيضان تاريخيا رافدها سوداني والذي تعكسه آلاتها وبعض من أسماء مقاماتها، وفق تثاقف بديع حصل بفعل السياق الذي ظهرت فيه موسيقى (أزوان) في كنف إمارة أولاد امبارك العربية، والتي اقتبس شعراؤها ومغنوها جنسا أدبيا ملحميا بلسان حساني مبين هو اتيهدين اقتبسوه من تراث المغنين (Les griots) السودانيين، ويُعد اتيهدين أبرز جوانب التراث الثقافي غير المادي، وقد نجحت موريتانيا سنة 2012 في إدراجه ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي.

– 3 -الثقافة الحسانية ورهان المحافظة والصون

عقب ذلك، انطلقت أشغال الجلسة الثانية حول محور “الثقافة الحسانية ورهان المحافظة والصون”، أدارها الباحث د. الحسان المنصوري، افتتحتها الباحثة الموريتانية دة. عائشة منت الحسن التي ألقت مداخلة بعنوان “أدبيات الشاي والوجبات الغذائية في “لَغْنَ”، وقد رامت من خلالها المساهمة في الحفاظ على جزء مهم للغاية من التراث اللامادي الحساني وتثمينه وإبراز خصوصياته. متناولة حديث الأدب الشعبي الحساني “لغن” عن الشاي وعن مختلف الوجبات الغذائية التي تتعاطاها الشعوب.
أما في ما يخص الشاي، فقد أبرزت المتحدثة أنه لا تخفى على أحد المكانة الخاصة التي يحتلها في حياة ووجدان البيظان، وقد انعكست تلك المكانة على كثرة الحديث عنه في أدبهم، وذلك من خلال عدة مواضيع:
– جواز تناوله أو حرمته (خصوصا في بداية ظهوره)، وسيمكن هذا المحور من التعرف على تاريخ قدوم الشاي إلى هذه الربوع والطريقة التي تلقاها بها الناس.
– الشكوى من ندرته والتعليق على المادة التي يصنع منها (الوركه)، وأنواعها وجودتها من عدمها وبدائلها في فترات الجفاف والندرة.
– التمتع به مع ندماء مختارين أو على العكس الانزعاج من قدوم طفيليين (سكاكه) غير مرغوب فيهم، خاصة في فترات الندرة.
– طريقة تحضيره.
وتناول الشق الثاني من المداخلة أدبيات الوجبات الغذائية المختلفة التي تحدث عنها الأدباء الحسانيون من عدة نواح:
– مدح بعض الوجبات والمواد أو ذمها.
– الشكوى من الندرة
– المزاح (لكطاع) بين الأدباء المنحدرين من مناطق مختلفة حول ما تتناوله كل جهة.
بعد ذلك، قدَّم الباحث ذ. أحمد البشير ضماني مداخلة بعنوان “آليات وسبل تثمين الثقافة الحسانية”، تركزت حول تحديد السبل الكفيلة بتثمين الثقافة الحسانية وحفظ ذاكرتها وصيانة تراثها اللامادي في ظل تصاعد وتيرة التحولات السوسيو – اقتصادية، اعتبارا لحيوية المحافظة على التراث بمختلف أشكاله وضرورة إحيائه ونقله إلى الأجيال المستقبلية كشاهد على تجربة الإنسان وطموحاته، وكمقومٍ داعمٍ للتماسك الاجتماعي وكرأسمالٍ محرِّكٍ للتنمية المستدامة وكركيزة أساسية لاقتصادٍ قائمٍ على المعرفة، وذلك طبقا للمعنى الذي منتحه للثقافة عموما الاتفاقيات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم والتربية (اليونسكو)، وطرحها للبعد التراثي غير المادي للثقافة كموضوع للإنقاذ والمحافظة وإعادة الاعتبار، بما أنه، إلى جانب المآثر والمواقع التراثية، التي شكلت موضوعا لاتفاقية عام 1972 حول التراث العالمي، الطبيعي والثقافي، وحماية المواد والممتلكات الثقافية، التي أقِرت بشأنها اتفاقية سنة 1970، جاءت اتفاقية سنة 2003 للتأكيد على الاعتراف بالتراث غير المادي واتفاقية عام 2005 لإبراز ضرورة صون هذا التراث وضمان استدامة وحيوية التعابير الثقافية والصناعات الإبداعية، فضلا عن الإعلان العالمي حول حماية التنوع الثقافي، المعتمد عام 2001، لتعزيز الإمكانية التي تمثلها الثقافة بمختلف أشكالها، بوصفها وسيلة لتحقيق الازدهار والسلام والتنمية، بما في ذلك الطابع المميز للغة والفنون والآداب ونظام القيم والتقاليد والمعتقدات ونمط العيش، والدور الذي يتعين على قطاع التربية والتعليم والتكوين أن يقوم به في خلق وتفعيل آليات النقل بين الأجيال..


وقدم الباحث د. فعراس عبد العزيز، من جهته، ورقة تناول فيها موضوعاً حمل عنوان “المعجم الحساني الجغرافي: أداة لحفظ الثقافة المجالية البيئية المبدعة لدى الإنسان الصحراوي”، سعى من خلالها إلى إبراز أهمية الثقافة المجالية البيئية المبدعة عند الإنسان الصحراوي من خلال اللسان الحساني، وذلك بهدف صيانتها وتثمينها.
كما أشار فيها إلى أن المعجم يحتل مكانة متميزة عند جميع الأمم، خاصة حينما يتعلق الأمر بالرغبة في المحافظة على تراث يتعدى الحمولة اللغوية إلى الحمولة الثقافية وتعزيز الشعور بالهوية، كما هو الشأن بالنسبة للثروة المفاهيمية الجغرافية البيئية المتوارثة والتي تزخر بها مختلف المناطق الجغرافية داخل نفس البلد أو بين البلدان التي تجمعها قواسم مشتركة كاللغة والهوية، وينطبق هذا الكلام على سياقات جغرافية شبيهة بالمجالات الصحراوية الغنية بتراثها المعجمي الحساني الجغرافي البيئي.
وفضلاً عن الجوانب الأدبية، يُضيف الباحث فعراس، فإن اللهجة الحسانية تحمل تراثا معرفياً قيماً خاصة في المجال البيئي الجغرافي، مجال الهيدروغرافيا، المناخ والنبات، الفلك والطبوغرافيا… حيث يحمل اللسان الحساني تصنيفا دقيقا لجميع المظاهر البيئية والتضاريسية الصحراوية، وهذا راجع إلى الإدراك المجالي الكبير عند الإنسان الصحراوي الذي وجه سلوكاته للتتناغم مع منظومته البيئية، سلوكات صديقة لبيئته، قائمة على ثقافة تدبير ندرة الموارد وليس تبديرها.
فسكان الصحراء البدو استطاعوا بمعارفهم التقليدية أن يتكيفوا مع قساوة المناخ سواء الحرارة، البرودة، الجفاف، العواصف الرملية… فأبدعوا ثقافة مدبرة للندرة المائية والنباتية والحيوانية، بعيدا عن كل تبذير. كما اعتمدوا على وسائل وأدوات ميزتهم في تغذيتهم وملبسهم، مسكنهم ونشاطهم الاقتصادي والثقافي لكونها متأقلمة مع هذه البيئة الحساسة.

– 4 -الثقافة الحسانية ورهان التدوين والتوثيق

أما الجلسة الثالثة، فقد تمحورت حول “الثقافة الحسانية ورهان التدوين والتوثيق”، أطرها الباحث د. بوزيد الغلى، تصدَّرتها مداخلة للباحث محمد دحمان بورقة بعنوان “ذاكرة المكان في الثقافة الحسانية”، هذا مجملها:
(قد يتبادر إلى الذهن أن المجتمع الصحراوي هو عبارة عن جماعة من الرحل الظواعن لا علاقة لها بالمكان وإنما يقوم عيشها على الترحال الدائم بحثا عن الماء والكلأ. لكن الواقع أننا بصدد مجتمع مستقر اجتماعيا لكنه مترحل جغرافيا، وقد خلد المكان في مختلف إبداعاته وإنتاجه الثقافي خاصة منه الشعر الشعبي الحساني” لغن”. لذلك ستركز هذه الورقة على متن من هذا الإبداع لاستجلاء أهم معالم علاقة الصحراوي بالمكان، وكيف يمكن لهذا المنتوج الأدبي أن يكون مصدرا لتوثيق تلك العلاقة وتثمين ذاكرة المكان في الثقافة الحسانية، وذلك عن طريق تداركه، لكيلا يطاله النسيان والإهمال، عن طريق الجمع والتدوين والتسجيل والدراسة. فهو شاهد على الأطلال وعلى أسماء الأماكن وعلى الذكريات والأحداث الاجتماعية والسياسية والطبيعية وما اسم “حاسي الطنطان” عنا ببعيد).
وجاءت مداخلة الباحثة دة. للا زوليخة بابا معنونة بـ “الثقافة الحسانية ورهان التدوين” اعتبرت فيها أن الثقافة الحسانية إحدى الثقافات الإنسانية التي تزخر بعدة مكونات تؤرخ لإنسان الصحراء، الذي يعتبر ذاكرة إنسانية تجسد معالم هذه الثقافة، التي تتميز بالإبداع وتمجِّد لطبيعة هذا الكائن الذي انبثق من هذه الأرض القاحلة، وترعرع عليها متفوقا على كل العوامل المناخية القاسية، التي جعل منها عاملا إيجابيا في تكوينه، ومنطلقا لإبداعاته. غير أن الحديث عن الثقافة الحسانية يقودنا إلى سؤال التدوين، فهي ثقافة تتميز بطابعها الشفهي، الذي يشكل عائقا أساسيا أمام التعريف بها. فرغم كل المحاولات والجهود المبذولة في هذا الصدد، فإنها لازالت في حاجة إلى التدوين، خاصة وأن الكثير من معالم هذه الثقافة هو بصدد الاندثار، وهو رهين ذاكرة المشايخ.. تلك الذاكرة الراحلة وهذا ما يؤكد أن الثقافة الحسانية تعاني الكثير من العوائق وتواجه الكثير من التحديات، وهي بحاجة إلى النهوض بها وبذل مجهودات إضافية تعمل على وضعها في إطارها الذي يليق بها خاصة وأنها تحمل في طياتها إرثا إنسانيا غاية في الأهمية. إنها ثقافة غنية بخطابها اللغوي وخطابها القيمي والتراثي، فاللهجة الحسانية لهجة بليغة وقوية في تعبيرها ومعانيها، تختزل المعاني في ألفاظها حيث تقول كل شيء دون الحاجة إلى قول كل شيْ. كما أنها لا تعمد إلى القول المباشر، إنها لهجة رمزية إيحائية تدفع المتلقي إلى اكتساب مخيلة واسعة وقدرة كبيرة على الاستيعاب.
وعلى هذا الأساس – تضيف الباحثة زوليخة – فإن الثقافة الحسانية، الغنية بمكوناتها ومكنوناتها، لا تزال بحاجة إلى المزيد من المجهودات من أجل إخراجها من شرنقة الشفاهية إلى عالم التدوين.

– 5 -الثقافة الحسانية ورهان التنمية

أدار هذه الجلسة الباحث ذ. محمد فاضل الفيرس، وقد شهدت مداخلتين: الأولى للباحث د. اسليمة أمرز بعنوان “التراث الثقافي الحساني وتشكلاته الفرجوية- الفرجة المشهدية وتمفصلات الذاكرة”، شكلت كوة تواصل نحو تجسير أفق البحث وربط امتداده واختياراته، بأشكال التراث الثقافي الحساني بشقيه المادي واللامادي المكون لأي فرجة حسانية، من خلال الكشف عنها وتحليلها، ومن ثمة، التعريف بها وتقديمها على نطاق أوسع. وأيضا بالعمل على رصد ملامح تشكل تلك الفرجة المشهدية المتجددة، وتحققاتها المعاصرة في المسرح الحساني سواء على مستوى النص أو العرض.
وهنا، – يُضيف الباحث أمرز – تأتي المقاربات الإبداعية وبخاصة المسرحية في سعيها إلى تثمين التراث الثقافي غير المادي وصونه، ومحاولات الاشتباك به، وإعادة تناوله وفق تصورات مغايرة وتشكل مشهديات متجددة، من أجل الاحتفاء أولا بكل الفضاءات التي يرسخها في وعينا الجمعي، وثانيا بالكشف عن أساليب اشتغال التعبيرات الإنسانية والجماليات التراثية التي تحوم على مسألة صون الهوية (الذات)، بكل خصوصيتها وآثارها المتعددة، وبتاريخها وماضيها وحاضرها ومستقبلها. وثالثا من أجل تعزيز الرأسمال اللامادي، من خلال عمليات الحفاظ والتثمين، وإعادة ابتكار التعبيرات التراثية والأشكال الشفهية نحو بعث جديد.
وإذا كان المسرح الحساني على شاكلة باقي المسارح العربية قد تعامل في مستهل محطاته مع نصوص مسرحية غربية، وحاول أن يستنبتها في تربته، فدخل في نقاش دائم مع ثقافة الآخر/ الغرب، فنيا ونقديا، فإنه ظل دوما في مختلف أطواره ينهل من التراث الثقافي وذاكرته الشعبية وخصوصياته الثقافية وتعدد أنساقه التواصلية. فاستحضر الشعر الحساني سيما لكطاع، والحكايات الشعبية والأمثال.. واشتغل على فرجاته الشعبية وطقوسه المرتبطة بـ (الرقص الشعبي) و(الألعاب التراثية) و(الزواج) و(الفنون الغنائية) و(فنون القول) في سعيه نحو خلق أشكال إبداعية تستمد من الخصوصية الثقافية روحها، ولا تغفل الاعتماد على كل التقنيات المسرحية الحديثة.
من هنا، ألا يمكن اعتبار الفرجة المسرحية ذاكرة جماعية للإنسان والمكان، من شأنها أن تكون مجالا لتثمين مختلف صنوف التراث الشعبي؟
في حين كانت المداخلة الثانية للباحث د. محمد الأمين ماء العينين بعنوان “الثقافة الحسانية ومكانتها في مجال الاقتصاد الثقافي”، قدَّم فيها مجموعة من المفاهيم المتصلة بالاقتصاد الثقافي، قبل أن يتحدث عن هيمنة الفكر الليبرالي الذي دفع بالدولة إلى تقليص النفقات بحثا عن النجاعة، والتخفيف من بنيتها الإدارية الكبيرة المكلفة، بدأت تطفو علي السطح أسئلة بخصوص القطاعات التي كانت إلى عهد قريب لا تدخل في مجال الدراسات الاقتصادية. من بين هذه القطاعات قطاع الثقافة وخاصة الثقافة الحسانية التي بدأت تظهر ملامح اقتصاد متكامل ببنياته المندمجة من عرض عبر مقاولات تستثمر في المجال وطلب يتسع ويكبر شيئا فشيئا وسوق رائجة تنمو يوما عن يوم وتشغل يد عاملة نشطة بأجور تتفاوت ودعم لا بأس به من الدولة. مضيفاً كون هذه الثقافة التي تعرف منافسة حادة، بين المباشرة والغير مباشرة والتي أصبحت تتعاظم مع انتشار وسائل الإعلام الكثيرة ووسائل التواصل الاجتماعي، تستدعينا اليوم، أكثر من ذي قبل، للتفكير فيها وفي قابليتها للتنافس عبر محاولة مقاربتها كرأسمال وفهم تركيبته وكيفية حمايته وتنميته وتسويقه داخليا وخارجيا.

– 6 -توصيات الندوة

خلصت ندوة “الثقافة الحسَّانية: رهانات حفظ الذاكرة وصيانة التراث غير المادي” إلى استصدار مجموعة من التوصيات ساهم بها الباحثون المشاركون، إضافة إلى أخرى تمَّ إدراجها من خلال المناقشة التي عقبت الجلسات العلمية، وقد قام الباحث د. بوزيد الغلى بتجميعها وتصنيفها، وهي كالآتي:

1- على المستوى المؤسساتي والتشريعي:
– الدعوة إلى تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية وضمان تمثيلية كافة الجهات الصحراوية في الهيأة .
– خلق مقر مؤسسة ألمكَار الطنطان في مدينة الطنطان.
– دعوة مؤسسة ألمكَار إلى تبني فكرة إنشاء مركز للتوثيق في أفق إحداث معهد ملكي للثقافة الحسانية.
– الدعوة إلى إدماج المكون الثقافي الحساني في البرامج والمخططات الاقتصادية المحلية والجهوية.
– حث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين على تفعيل إدماج الحسانية في المناهج والمقررات المدرسية مع تشجيع التأليف للطفل بالحسانية من خلال إصدار دليل الأنشودة الحسانية للأطفال، وحث مراكز التوثيق التابعة للأكاديميات على دعم وتشجيع مشاريع البحث والابتكار في مجال الثقافة الحسانية.
– دعوة قطاع التكوين المهني إلى اعتماد مسوغات تتعلق بالتراث الحساني والمهارات المتصلة به (في الطعامة، في نسح الخيام…).
– دعوة القطاع المعني بالواحات إلى إدراج واحات الطنطان ضمن مخططات تنمية الواحات وشجرة الأركان.
2- على مستوى البنية التحتية:
– تعزيز شبكة المؤسسات الثقافية بإحداث المتاحف المتخصصة في التراث الحساني (متحف الفنون، متحف الألعاب الشعبية، متحف الزينة والملابس التقليدية…).
– إنشاء ودعم البنية الثقافية ومؤسسات التنشيط الثقافي بتنسيق الجهود بين المجالس المنتخبة والوزارة الوصية على قطاع الثقافة بما في ذلك إحداث دُور العرض الفني والمسرحي والمكتبات وتفعيل الخزانات الوسائطية.
– تشجيع البحث الأكاديمي في مجال الثقافة الحسانية، وإحداث مراكز علمية متخصصة فيه، وتجميع الجهود المتفرقة والفردية وتوجيهها وتأطيرها ومواكبتها.
– استحضار هذا المكون في التخطيط الحضري وبرامج الرقي بجمالية المدن والتجمعات السكانية بالجهات الجنوبية الثلاث، وعند إعداد تصاميم التهيئة والتأهيل وتشكيل المَشاهد الحضرية، وإبرازه في الهوية البصرية للمجالات الترابية المختلفة بها.
– الدعوة إلى فتح المركب الثقافي بالطنطان، الذي من شأنه أن يساهم في دعم وتنشيط العمل الثقافي.
– حث وزارة الثقافة والشباب والتواصل – قطاع الثقافة على إحداث مديرية إقليمية بالطنطان تشرف بتنسيق مع مؤسسة ألمكار الطنطان على تنظيم أنشطة ثقافية منسجمة مع روح المهرجان الذي تعتبره اليونسكو تراثا عالميا.
– دعوة قطاع الثقافة إلى إعادة النظر في هيكلة لجان الدعم والأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي، وذلك باعتماد تمثيلية للحسانية في تلك الهيكلة.

3- على مستوى جهود الصيانة والتوثيق:
– العمل على التعجيل بالقيام بإحصاء علمي شامل للتراث الثقافي الشفهي منه والمخطوط.
– الدفع قُدُما بمبادرات جرد وتوثيق التراث اللامادي بما فيه التقاليد والعادات والممارسات والمهارات والمعارف وأشكال التعبير المختلفة.
– تشجيع مشاريع ومبادرات رقمنة التراث الحساني من خلال إعداد دفاتر تحملات على غرار المعمول به في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني.
– التعجيل بإنقاذ وصيانة وتثمين التراث المادي والتاريخي والمواقع الأركيولوجية والمناظر الطبيعية، وجعلها رافعة للتنمية المحلية ومصدرا لتوفير فرص الشغل والدخل.
– العمل على إحياء مسارات الترحال وطرق القوافل وقصور الواحات من خلال تنظيم التظاهرات والبرامج الثقافية والرياضية والفنية وإدراجها في مسالك السياحة الثقافية والطبيعية وتنظيم الرحلات الداخلية.
– حث المجالس المنتخبة على المساهمة في ترقية وتثمين التراث الحساني المادي واللامادي من خلال تخصيص ميزانيات معتبرة لدعم المؤلف والكتاب الحساني وإنتاج كبسولات تعريفية بهذا المكون الثقافي على مستوى كل جماعة.
– دعم المقاولة الثقافية ماديا ومعنويا من خلال تشجيع التكوين وتأهيل مواردها البشرية، ومصاحبة هذا النوع من المقاولات من أجل ضمان حسن الترويج والتسويق داخليا وخارجيا.
– دعم ومصاحبة حرفيي قطاع الصناعة التقليدية والرفع من مردوديتهم وتحسين شروط المصاحبة المهنية من أجل نقل مهاراتهم إلى الأجيال الصاعدة.
– دعوة مؤسسة ألمكار إلى العناية بالكنوز البشرية الحية وتكريمها.
– إنشاء منصة إلكترونية تعنى بأرشفة ذاكرة ألمكار الطنطان توفر قاعدة بيانات تهم ثقافة الرحل وكل عناصر التراث الحساني، وتعمل على ترصيد منجزات كل نسخ المهرجان.
– إنشاء معاهد موسيقية تعنى بالتكوين في مجال الموسيقى الحسانية.
– إنشاء مكنز للألعاب التراثية بالصحراء.
– تدوين أسماء الأماكن باعتبارها عنوانا للانصهار الثقافي بين مختلف المكونات، وضبطها من خلال الخرائط.

إعداد: ابراهيم الحَيْسن / منسق الندوة

Related posts

Top