وجوه فنية راسخة في القلوب والذاكرة -الحلقة 19-

يضرب المغاربة منذ سنوات طويلة، موعدا خاصا واستثنائيا خلال شهر رمضان الأبرك، مع وجوه فنية مميزة ومتألقة تضفي طابعا خاصا على مائدة الإفطار العائلي، وتزيد من قوة الطابع الاستثنائي لهذا الشهر الفضيل، سواء عبر الشاشة من خلال الوصلات الفنية المتنوعة طيلة اليوم، أو عبر المواعيد المباشرة مع جمهور الركح أو السينما أو الحفلات…
وتتميز الساحة الفنية المغربية بصعود أسماء جديدة بشكل متواصل، إلا أن هناك وجوها فنية خاصة ألفها المغاربة وأصبح غيابها عن الساحة بشكل عام وخلال الشهر الفضيل بشكل خاص، يشعرهم بفجوة في أجواء رمضان.
ورغم أن الأسماء الجديدة منها ما تميز وأبدع ووصل إلى قلوب المغاربة، إلا أنه من الصعب جدا تعويض الوجوه التي كبر وترعرع معها جيل من المغاربة وشكلت جزءا كبيرا من ذكرياتهم، حيث إنه في الأخير يبقى للجيل الجديد دوره ومكانته في إغناء الساحة، لكن ما من أحدهم قد يعوض آخر أو يحتل مكانته، خاصة في الذاكرة والقلوب.
وحيث إننا نضرب موعدا خلال هذا الشهر الكريم مع إبداعات فنية متنوعة سواء عبر الشاشة أو المسرح والسينما وغيرهما، يساهم فيها خليط من أجيال متعددة، سنستغل هذه المناسبة بجريدة بيان اليوم، لنستحضر عددا من الوجوه الفنية المغربية التي غادرتنا إلى دار البقاء في مجالات التمثيل والغناء التمثيل والإخراج، التي بصمت الساحة الفنية الوطنية بعطاءات ظلت شاهدة على تفرد موهبتها، التي رسختها في سجل تاريخ الفن بالمغرب والعالم بمداد من ذهب.

الراحل عبد اللطيف هلال.. إكليل المسرح المغربي وعملته النادرة

فقدت الساحة الفنية المغربية أحد رجالاتها البارزين، عندما توفي يوم الخميس 27 يناير 2023، الممثل والمسرحي عبد اللطيف هلال عن عمر ناهز 82 سنة بعد معاناة طويلة مع مرض مزمن.

وكان الراحل عبد اللطيف هلال من أشهر الممثلين المسرحيين المغاربة الذين بصموا الساحة الفنية المغربية لأزيد من 40 سنة، إذ يعتبر أحد فناني الرعيل الثاني للحركة المسرحية بالمغرب.

وشارك الراحل في مجموعة من الأعمال الفنية البارزة، من بينها “بديع الزمان الهدماني” و”الحياة كفاح” و”أفغانستان لماذا”، بالإضافة إلى حضوره القوي في الدراما المغربية من خلال مجموعة من الأعمال من بينها “المرحوم” و”رصيف السكة” و”ظلال الماضي” و”التضحية” و”الأخطاء السبعة”.

في بداية الستينات من القرن الماضي، بدأ عبد اللطيف هلال التمثيل مع الهواة، وفي سنة 1967 سيحترف المسرح ويلتحق بفرقة “مسرح الناس” لمؤسسها الرائد والمبدع الأستاذ الطيب الصديقي. وقد استطاع في ظرف وجيز أن يخلق له اسما وسط الأسماء البارزة آنذاك، ومن ثم أصبح له حضور دائم على خشبات المسارح والشاشتين الصغرى والكبرى.

يعد الفنان الراحل عبد اللطيف هلال عملة نادرة في تجارب المسرح المغربي نقف عند بعضها انطلاقا من سنة 1963 رفقة المرحوم المبدع مصطفى التومي في مسرحيات “كاليغولا، الحقيقة ماتت، مونسيرا..”.

ثم مع أشهر فرقة عرفها المسرح المغربي وهي فرقة المعمورة التابعة لوزارة الشبيبة والرياضة من خلال المسرحية العالمية “هاملت” لشكسبير وبعدها مباشرة سيصبح دائم الحضور مع الأستاذ الطيب الصديقي إذ شارك معه في الأعمال التالية: خرافة المسكين، السفود، كان يا مكان، السحر الأحمر باللغة الفرنسية..

لكن ذاكرة المسرح المغربي والعربي تحتفظ له بأعمال متميزة أولها مسرحية “بديع الزمان الهمداني” والتي قدمت في عرضها الأول والأخير بالجزائر في إطار “المهرجان الإفريقي للمسرح”، كما تميز بمشاركته في الملاحم الوطنية رفقة الصديقي منها: نحن، خلود، المسيرة الخضراء، المولى إدريس الأكبر، النور والديجور، المغرب واحد.

ومشاركات الممثل الراحل عبد اللطيف هلال عديدة ومتعددة نذكر منها رفقة الأخوين البدوي الذي قدم معهما “غيثة والبخيل” ومع عبد العظيم الشناوي “بنت الجيران، وانكسر الزجاج”، ثم مع المؤلف المتميز المرحوم عبد السلام الشرايبي والمخرج عبد الرحمان الخياط “زبيدة وبنت الخراز”، ومع الأستاذ محمد الخلفي “بين البارح اليوم”، ومع نجم الدراما العربية الممثل محمد مفتاح مسرحية “راس العام”.

ومن مشاركاته على الشاشتين الصغرى والكبرى، سجل حضوره المتميز في الدراما المغربية من خلال الأعمال التالية: “المرحوم، رصيف السكة، ظلال الماضي، التضحية، الأخطاء السبعة، المنحرف، النويعرة، المدعوون”.

كما شارك الفنان عبد اللطيف هلال قيد حياته في الدراما العربية في عدة أعمال منها: “عرب لندن” للمخرج السوري أنور قوادري، “صقر قريش” و”ربيع قرطبة” مع المخرج السوري حاتم علي.

وفي السينما شارك في عدة أعمال مغربية وأجنبية من بينها الفيلم الروماني “دراعي أفروديت” و”الرسالة” للمرحوم مصطفى العقاد، و”أين تخبئون الشمس” للمغربي عبد الله المصباحي رفقة نادية لطفي، عادل أدهم ونور الشريف، “الحياة كفاح” مع الموسيقار عبد الوهاب الدكالي وإخراج محمد التازي، “أفغانستان لماذا” لعبد الله المصباحي، “مكتوب” لنبيل عيوش، “جارات أبي موسى»” لعبد الرحمان التازي.

 

وكانت آخر إطلالة للفنان المغربي على الجمهور المغربي قبل رحيله، بعد غياب طويل، من خلال مسلسل “سوق الدلالة” للمخرجة جميلة البرحي بنعيسى، الذي يسلط الضوء على حي الحبوس في الدار البيضاء.

ورغم مشاركته في عدد لا يستهان به من المسرحيات والملاحم مع فرق الهواة والمعمورة والطيب الصديقي وغيرها لم تنصفه السينما المغربية وصناعها، خصوصا في فترة التراكم الفيلموغرافي الذي بدأ يشهده المغرب تدريجيا منذ التسعينيات.

فإذا وزعنا أفلامه السينمائية على العقود الستة من عمر تجربته الفنية كممثل سنلاحظ أنه اشتغل بمعدل فيلم طويل واحد في كل عقد. وهذا يعني أن هناك جيلا من رواد التشخيص المسرحي ببلادنا لم يستفد من خدماته..

ويشار إلى أن أول وقوف للراحل قيد حياته أمام كاميرا السينما كان في فيلم “الحياة كفاح” (1968) للراحلين محمد التازي بن عبد الواحد وأحمد المسناوي، وهو أول فيلم مغربي طويل ساهم في إنتاجه المركز السينمائي المغربي وصوره مدير التصوير محمد عبد الرحمان التازي وركبه الموضب الراحل عبد السلام الصفريوي. اضطلع عبد اللطيف هلال في هذا الفيلم بدور رئيسي إلى جانب بطله عبد الوهاب الدكالي وبطلته ليلى الشنا. وقد شارك في هذا الفيلم أيضا كل من مصطفى منير والراحلان عزيز موهوب والحاج فنان وآخرين. تتمحور قصة هذا الفيلم، في قالب بوليسي لا يخلو من تشويق، حول شاب موهوب يحب الغناء والموسيقى (عبد الوهاب الدكالي) يهاجر من قرية بالريف إلى مدينة الدار البيضاء من أجل البحث عن فرص لتأكيد ذاته كمطرب وملحن. في خضم هذا البحث عن الذات يتعرف على شابة جميلة وغنية (ليلى الشنا) تعجب به وبفنه، إلا أن هناك شابا قريبا منها يطمع فيها وفي مالها (عبد اللطيف هلال) يعمل كل ما في وسعه للتفريق بينهما.

إن الفنان الراحل عبد اللطيف هلال كان رجلا مثقفا وقد كان يشتغل في مهنة نبيلة، وهي سلك التعليم، واستقال منها ليتفرغ للمسرح، وبقي وفيا له حتى وفاته رغم إغراءات التلفزة والسينما.

وهو ممثل متعدد المواهب، فقد لعب التراجيديا، وأجاد فيها ولعب الكوميديا وتألق رفقة نجومها، كما أن إخلاصه للتمثيل لم يتركه يذهب لممارسة الإخراج كما فعل بعض مجايليه.

عبد الصمد ادنيدن

Related posts

Top