التدريس عن بعد في جائحة كورونا

لا شك أن كل متتبع للشأن التعليمي في ظل جائحة كورونا، تدور في ذهنه أسئلة كثيرة ولم يجد إجابة شافية حولها، أسئلة من قبيل، هل ستكون سنة بيضاء نظرا للتوقف الاضطراري للدراسة؟ كيف ستتم إجراءات الامتحانات الاشهادية؟ هل فعلا سيتم الاكتفاء فقط بنقط المراقبة المستمرة؟ أم أنه سيعتمد امتحان شريطة أن يمتحن المتعلمون والمتعلمات في الدروس التي أنجزت؟
قبل الخوض في الإجابة على هاته الأسئلة، لابد من تحديد الظروف الصحية التي تمر منها البلاد، بسبب جائحة كورونا، هاته الأخيرة التي بينت ثلة من الاختلالات على مستوى المنظومتين، الصحية والتعليمية، الذي يجعلنا نثير تساؤلات تهم التحولات العميقة التي مست المجتمع والنسق الثقافي العام،  هل فعلا ستستفيد الدولة من هاته الدروس المقدمة من لدن فيروس كورونا، ام انه ستحجب الشمس بالغربال ريتما نتجاوز هاته المحنة؟ هل ستعيد ترتيب المجتمع وجعل اهتمامها يصب على قطاعين حيويين كالصحة والتعليم؟  أم أنها ستتمادى إلى طرق آخر مسمار في نعش المنظومة التعليمية؟ 
بالرجوع على التساؤلات المركزية أعلاه، أكاد أجزم أن الدولة كما انتصرت السنة الماضية على أربع وخمسين يوما من الإضراب، ومرت الامتحانات في ظروفها العادية، مع العلم أن سنة بيضاء كانت واردة  في ظل توفر شروطها نتيجة الإضرابات التي خاضها الأساتذة، واليوم في ظل حالة طارئة لم تكن في الحسبان، توقفت الدراسة كليا مع الاستمرار في التدريس عن بعد، وهاته هي الطامة الكبرى، في ظل غياب وسائل ديداكتية ناجعة التي تجعل كل من  الأساتذة والمتعلمات والمتعلمين، يتخبطون بين مطرقة توفرهم على هواتف ذكية وسندان صبيب الانترنيت.
إن المدرسة باعتبارها القلب النابض للمجتمع، التي تقوم بأدوار وظيفية من تنشئة وتربية وإعداد مواطنين صالحين، لم يبق لها هذا الدور المنوط، بل تم تقزيم دورها ومكانتها الرمزيتين بتقزيم المكانة الرمزية للأستاذ، اليوم أصبحنا نتحدث عن رقمنة المحتويات المعرفية والدروس وإنشاء أقسام افتراضية، ليس الغرض منها وسيلة لتجاوز محنة كورونا فحسب، بل اعتمادها مستقبلا للقضاء على ماتبقى من المنظومة التعليمية.
إذا كنا نتحدث من منظور رؤية استراتيجية وطنية تتوخى الحديث عن مفاهيم من قبل العدالة الاجتماعية والانتقال النوعي من مجتمع قبلي إلى مجتمع المؤسسات ودولة الحق والقانون، فهذا الطرح ظل عالقا نظرا لوجود فوارق اجتماعية،  اتسعت بموجب الاعتماد التدريس عن بعد، الذي هو في الأصل البعد عن التعليم، نظرا لعدم استفادة تلاميذ العالم القروي من هاته التدابير الأولية المتخذة تحسبا لأي طرح ما من شأنه يدفعنا نحو الخروج بسنة بيضاء، وان كان هذا الأصح، نظرا للظروف الصحية التي تعيشها البلاد جراء هذا الوباء، في نفس الاتجاه، كان لزاما جعل العطلة عطلة رسمية وتوقيف هذه الإجراءات الاحترازية المتخذة مع فرض الحجر الصحي في ظل فرض حالة الطوارئ، لكن نتفاجأ أن الوزارة استمرت في التدريس عن بعد،  مما خلف تخوفا كبيرا في صفوف الآباء والمتعلمين، ليتم في الاخير  الرفع من نسبة النجاح في نهاية السنة وتبريره بنجاعة الأقسام الافتراضية والتدريس عن بعد ليتسنى لها تسريح الأساتذة الموظفون بموجب عقود مستقبلا وتعويضهم باقراص مدمجة وهذا ليس بغريب عن حكومة كهاته، وبهذا تكون اجهزت على ما تبقى من سلك الوظيفية العمومية، وهذه حقيقة واضحة كشمس لا يحجبها أي غيم.
وفي الختام لا أنسى أن انوه بالمجهودات المبذولة من لدن الجيش الأبيض_ الأطباء والممرضين_ لما يعانونه من حرب نفسية قاتلة جراء اصطدامهم المباشر مع الحالات المصابة، ثم هيئة التدريس بكل مكوناتها لما تقوم به في هاته الظرفية العصيبة، وكذا رجال الأمن أبناء هذا الوطن، ثم مهندسي النظافة الذين يبذلون قصارى جهدهم من أجل تنظيف شوارعنا من كل نجاسة.
* إعلامي وباحث في علم الاجتماع

عبد الباسط أباتراب

Related posts

Top