الغلاء لم يتراجع…

بعد انصرام شهر رمضان، واصلت أسعار المواد الاستهلاكية ارتفاعها واستمرت معاناة الأسر المغربية جراء الغلاء وتدهور القدرة الشرائية، ومن ثم تأكد فشل الحكومة على هذا الصعيد، وفي الوفاء بما أعلنته من وعود وتطمينات عشية بداية الشهر الكريم وأثناءه.

لقد تابعنا اجتماعات الحكومة ورئيسها مع المنتجين الزراعيين ثم مع فاعلين آخرين، وتابعنا إقدام الحكومة على رفع الرسوم عن الآليات الفلاحية المستوردة، ونقل التلفزيون حملات السلطات لمراقبة الأسواق ووضعية التموين والتصدي للمضاربات، كما تابع الجميع الضجة المتصلة باستيراد أبقار البرازيل، وكل هذه القرارات الحكومية تأكدت محدوديتها، ولم يبرز أي أثر ملموس لها على أرض الواقع.

وبالرغم من تراجع طفيف لأسعار بعض المواد بعينها، فإن الأمر لم يصل حد العودة إلى الواقع الطبيعي، والغلاء بقي ملموسا  بالنسبة لأغلب المنتجات والسلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، وأنين فئات واسعة من شعبنا استمر، وعبرت عنه احتجاجات هنا وهناك، كما يتواصل الاحتقان والقلق إلى اليوم.

إن الفشل الحكومي في معالجة معضلة الغلاء وضعف أثر ما تتخذه السلطات من تدابير على هذا المستوى، يفضحان افتقار هذه الحكومة للجرأة ولرؤية واضحة للمسألة الاجتماعية.

وحتى الإجراءات الحكومية المعلنة، ومع أنها جزئية ولم تحدث أي أثر ملموس في الأوضاع المعيشية لشعبنا، فهي خلفت قلقا وخشية من أن تكون استغلت لمراكمة اغتناء بعض رجال الأعمال على حساب قوت المغاربة.

وقد نقلت كثير مصادر وعديد مجالس حديث قصصا وتخوفات بهذا الشأن، وبعضها كان يتطلب فتح تحقيقات جدية إدارية وقضائية.

المؤشرات الواضحة اليوم على أرض الواقع في منظومة معالجة الحكومة الحالية لغلاء المعيشة ومشكلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية، تكشف إصرارها على الحلول السطحية والجزئية وعدم المس بمصالح وأرباح الأثرياء واللوبيات.

وعندما تسود هذه المقاربة العاجزة في سياق دولي مطبوع بأزمة واضحة وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتقلبات الأسواق، فإن الأمر يتحول إلى تواطؤ حقيقي على حساب المسألة الاجتماعية وحق شعبنا في الأمن الغذائي والعيش الكريم، وعلى حساب الاستقرار الاجتماعي لبلادنا.

الحكومة تردد كل مرة الحديث عن المشروع الملكي المتعلق بالحماية الاجتماعية وتختبئ خلفه، كما لو أن ذلك يعفيها من أي سياسة اجتماعية أو برنامج حكومي لفائدة الأسر الفقيرة والطبقات الهشة، ومن ثم لم نسمع لها أي حديث عن رؤية متكاملة بشأن الوضع الاجتماعي وتحسين ظروف عيش المغاربة، وهي بذلك أعفت نفسها من التفكير في ذلك، وبقيت مرتمية في حضن المصدرين ولوبيات السوق والمستوردين وأثرياء الأزمة تزيد من اغتنائهم على حساب أغلب المغاربة.

وفي السياق نفسه، فإن الغلاء والتضخم كشفا، في الفترة الأخيرة، عن ارتباك في العلاقة بين مؤسسات وطنية (مندوبية التخطيط، بنك المغرب، الحكومة…)، وعن ضعف تجاوب الحكومة مع مطالب ومبادرات أحزاب المعارضة، ومع البرلمان، وكل هذا يحيل على جانب آخر من الأزمة، أي تراجع الحوار السياسي العمومي، وضعف التقدير لأدوار الأحزاب والنقابات والبرلمان….

وحتى من داخل الحكومة وأغلبيتها بدا الارتباك واضحا أيضا، وتابع المغاربة تصريحات متناقضة لعدد من الوزراء في أكثر من قضية، وخصوصا في موضوع التصدي للغلاء وملف المحروقات، كما تجلى بشكل فاضح أيضا ضعف كفاءة مجموعة من الوزراء في تدبير عدد من الملفات القطاعية، وهو ما  لم تنتقده أحزاب المعارضة وحدها، وإنما أيضا أصوات وازنة من داخل تحالف الأغلبية وفرقها البرلمانية.

هذا التهلهل التدبيري والسياسي للأغلبية الحكومية، وإقدام عدد من الوزراء على قرارات مزاجية وصبيانية تدوس على القانون والدستور في قطاعاتهم، وانعدام أي رؤية جدية ومتكاملة لمعالجة معضلة غلاء الأسعار والتضخم، كل هذا يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا، ونفهم لماذا يحس شعبنا بالقلق والخوف من المستقبل.

إن الاستقرار والسلم الاجتماعيين ليسا ترفا أو أمرا ثانويا، وإنما ضرورة لكل تقدم نريده لبلادنا، وحكومتنا الحالية أكدت، في أكثر من مرة، أن الأحزاب التي تقوم على اللوبيات الريعية لا تفكر في هذا الأمر أو في تحسين شروط عيش الشعب، ولكنها تفكر في تحقيق مصالح المتحلقين حولها والماسكين بمقاعدها الانتخابية والتمويلية.

لنفكر إذن في مستقبل بلادنا، وفي مصلحة شعبنا، وفي العيش الكريم  للمغربيات والمغاربة.

محتات الرقاص

[email protected]

Related posts

Top