درب عمر: من معقل “سواسة” إلى إمبراطورية التنين

يعتبر درب عمر القلب التجاري النابض للعاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية، نظرا لموقعه في قلب المدينة ولكونه أكبر مركز تجاري لتجارة الجملة بالمغرب والذي يقصده التجار من مختلف جهات المملكة، غير أنه قبل عقد من الزمن، أصبح هذا القطب ملاذا لفئة جديدة من التجار قادمين من بلاد الصين محملين بأنواع كثيرة من السلع التي غزت قيسارية درب عمر ونشرت الرعب داخل نفوس التجار المغاربة وأثارت حنقهم لكونها تتسم بأسعار منخفضة مقارنة مع تلك التي يروج لها المغاربة. هاته الفئة التي تمكنت بعد مدة قصيرة من الانتشار بدرب عمر وأصبحت تحتل عددا من القساريات، نجدهم أيضا بين زنقة ستراسبورغ وزنقة محمد سميحة حيث اختاروا أن يكون لهم فيه ركنا آسيويا يصفه البعض ب” Mini china Town”.
يقول عبد الرحيم هباص 44 سنة حارس السوق الصيني بدرب عمر منذ بداياته، إنه كانت محلات القسارية فارغة حيث جاء شخص صيني يدعى “لي” هو الذي قام بكراء جميع محلات القسارية وثم كراؤها من طرفه للصينيين بعقود محددة المدة، ويضيف مسترسلا، في الأول حل أربعة تجار صينيين بعدها بدأوا يلتحقون بالسوق مثنى وثلاثا ورباعا حتى امتلأت القيسارية وبدأت تعرف سلعهم في المغرب، وبجودتها وثمنها المناسب أو المنخفض، فأقبل عليهم تجار بسطاء مثل (الفراشة) الذين أصبحوا الآن من الأغنياء وأصحاب محلات بفضل سلع الصينيين وما جنوا منها لدرجة أنهم أصبحوا يذهبون بأنفسهم لدولة الصين لاقتناء السلع، وحتى المساعدين الذين يشتغلون معهم استفادوا بدورهم من التعامل معهم وحتى تجار درب عمر يشترون منهم السلع ليبيعونها بدورهم نظرا لما تعود عليهم من فائدة وربح.
وأوضح المتحدث نفسه أن الصينيين يكثرون المحلات بمبالغ مرتفعة تصل لمبلغ 10 ألاف درهم بالنسبة للمحلات التي توجد بالواجهة وأما المحلات الأخرى فيكترونها بمبلغ يتراوح مابين 8 آلاف إلى 9 آلاف درهم، ولا يوجد أي تاجر صيني اشترى محلا بدرب عمر عكس ما يروج بين عموم المواطنين، مشيرا أن أصحاب الملك (الورثة )، حاولوا استرجاع المحلات بعد وفاة صاحب القيسارية حيث وقع خلاف بينهم مما اضطرهم للمحاولة مع التجار الصينيين لاسترجاع المحلات، ووصل بهم الأمر للقضاء، لكن محاولاتهم باءت بالفشل لأن التجار الصينيين رفضوا التخلي عن المحلات لأنهم لم يخلوا بأي بند من العقد الذي يضطرهم للتنازل عنها إلا إذا أراد أصحاب الملك أن يدفعوا لهم تعويضات باهظة.

قنبلة موقوتة

فالصينيون أصبحوا يتحركون في الاتجاه المعاكس خارج وطنهم، من خلال حرصهم على طلب التجارة في كل أصقاع الدنيا ولو في الفضاء التجاري البيضاوي “درب عمر”، والذي أصبحت سلعهم تغطي بعناية فائقة على جل محلات القسارية، ويرجع اكتساحهم بالأساس لهذا السوق إلى سلوك المستهلك وما يبحث عنه في المقام الأول، أي منتج بجودة عالية وثمن منخفض ويكون هذا متاحا في المنتجات الصينية. فمن السهل أن تلتقط العين البضائع الصينية الأكثر إقبالا من طرف المغاربة على مداخل المحلات. فهناك أسر غير قادرة على اقتناء أو شراء ما يبيعه التجار المغاربة ويجدون البضاعة بنفس شكلها وسعرها المناسب لقدراتهم الشرائية في المنتوجات الصينية التي أصبحت ملاذا للبسطاء للحصول على احتياجات منازلهم وبيوتهم بكل ما يلزمهم من مفروشات وملابس وديكور، وأدوات منزلية بأرخص الأسعار.
لقد أصبح شعار” صنع في الصين ” من العلامات التجارية البارزة في سوق درب عمر حيث حطمت أسعار السلع الصينية رقما قياسيا بسبب الانكماش الاقتصادي و ارتفاع معدلات البطالة، ما أدى إلى عدم وجود مستهلكين في السوق نتيجة تدني القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المنخفض وهي الاسر التي أصبحت المستهدفة من طرف الصينيين الذين باتوا المستفيدين المباشرين من ترويج سلعهم القادمة من بلد التنين.
“جوان شو آي ” 44 سنة أم لطفلة وهي من الصينيين الأوائل الذين قدموا إلى المغرب للاستثمار فيه منذ سنة 2004 أي ما يقارب 18 سنة، تحكي لبيان اليوم أنها لم تجد أي مشاكل بالمغرب منذ البدايات، بحكم أن الصينيين يتأقلمون مع جميع الأوضاع، كما أنه لم يشتك منهم أي تاجر مغربي، مضيفة أن “المعاملات بيننا جيدة والكل يعاملوننا مثلما يعاملون التجار المغاربة”.

وأكدت (جوان شو آي) أن وجود الصينيين بالقيسارية لم يكن محل توافق بين مواطنيها، بل كان بسبب المكتري الصيني للقيسارية الذي بدوره اكترى للتجار الصينيين محلات بعقود تصل ل 10 أو 20 سنة.
وأما بخصوص انتشار السلع الصينية خصوصا بدرب عمر، أردفت المتحدثة أن الصين بلد تصنيع جميع أنواع السلع سواء منخفضة الثمن أوالمرتفعة والزبون يكون له اختيار ما يريد و كما هو معروف أن التجار يتبعون متطلبات الزبائن الذين يفضلون سلع منخفضة الثمن ونحن نلبي هذه الرغبة.
ولفتت التاجرة الصينية إلى أن كلمة “سلعة الشينوا”، تعني في ذهن المتلقي أننا بصدد سلعة رخيصة، لكن هذه الفكرة، في نظرها خاطئة “لأننا نبيع السلع الجيدة مرتفعة الثمن والسلع المتوسطة منخفضة الثمن حتى أننا أصبحنا نفكر بالاستغناء عن السلع الرخيصة لأن ارتفاع سومة كراء المحلات، خصوصا بعد أزمة كورونا، تفرض علينا البحث عن تغطية التكاليف، مضيفة أن هذا الحال استمر لما يقارب 3 سنوات.
وأشارت (جوان شو آي) إلى ظاهرة الهجرة المضادة للصينيين والتي انطلقت منذ الأزمة الاقتصادية التي أصابت العالم بأسره سنة 2008 وما خلفته من أضرار على الاقتصاد العالمي، حيث غادر أكثر من 50 في المائة من الصينيين المغرب، وارتفعت هذه النسبة نتيجة أزمة كورونا، إذ لم يتبق إلا القليل منهم.
وشددت التاجرة الصينية على أن “هدف مواطنيها هو التجارة لاغير، وأن على التاجر أن يكون جادا في معاملاته، أما إذا كان غير ذلك فليذهب بعيدا لأن التلاعب وعدم الاستقامة في التجارة يؤدي بصاحبه مع الوقت إلى الهاوية وفقدان رزقه”.
(ماجن جو) هو الآخر من أوائل التجار الذين قدموا من إمبراطورية التنين الأحمر إلى درب عمر قصد التجارة وهو مسير مصنع أيضا، اختار المجيء للمغرب بحكم ما يتمتع به من أمان ونظرا لقربه من أوروبا، مضيفا أن “الشعب المغربي يعتبر من أحسن الشعوب الإفريقية على صعيد التجارة والعمل، ناهيك عن توفر كل مستلزمات العيش التي تشعرك أن الشعبين المغربي والصيني متقاربان فيما يخص المعيشة”.
وأوضح التاجر الصيني في حديثه لبيان اليوم أنه “في البداية لم تكن الثقة متبادلة بين التجار المغاربة والتجار الصينيين، لكن بعد مرور 3سنوات بدأنا نكسب هذه الثقة لدرجة أن المعاملات أصبحت تتم بدون أي ضمانات، ولا يوجد أي مشاكل بيننا فنحن نبيع وهم يشترون”.
وتابع مسير المصنع حديثه أن سبب اختيارنا لدرب عمر يعود لكونه منطقة وبؤرة للتجارة، لكن مؤخرا لم يبق الرواج على السلع الصينية كما كان عند مجيئنا في باديء الأمر، وذلك راجع لما خلفته جائحة كورونا ومخلفات الحرب الروسية الأكرانية التي نجم عنها ارتفاع جميع المواد الإستهلاكية والتي من ضمنها البنزين، فالمواطن المغربي راتبه ضعيف يتراوح بين 2500 درهم إلى 2700 درهم الشيء الذي يجعله غير قادر على اقتناء الأغراض الإضافية ويكتفي فقط بلوازم الحياة الضرورية.
وأوضح (ماجن جو) أن المصنع الذي يسيره والمتواجد بمنطقة عين السبع، يشتغل فيه فقط 30 عاملا مغربيا بعد أن كان عددهم يصل إلى 50 شخصا، مرجعا ذلك إلى تراجع النشاط التجاري، موضحا أن “هذا المصنع ينتج سلعا مغربية لأن تكاليفها رخيصة بالمقارنة مع السلع التي نأتي بها من الصين والتي أرهقتنا تكاليفها الجمركية والضريبية المرتفعة، حيث أنه إذا بعنا بسعر مرتفع لن نستقطب الزبائن وإذا بعنا بثمن رخيص لن نحقق أرباحا في مستوى طموحاتنا، فأغلبية الصينيين أغلقوا محلاتهم بسبب تكاليف الجمارك والضرائب فدولتنا لا تساعدنا فيما يخص التجارة بأي شكل من الأشكال بل فقط نعتمد على أنفسنا”.
وأشار صاحب المصنع إلى أن التجار الصينيين ينتظرون نهاية سنة 2022 لاتخاذ قرار البقاء أو المغادرة. فإذا تحسنت الأوضاع التجارية سيبقون مستمرين على نفس النهج، لكن إذا بقي الوضع كما هو عليه سيضطرون لغلق محلاتهم والمغادرة لبلاد أخرى، فالتكلفة تصل ل200 ألف درهم شهريا بين مصاريف المصنع وواجبات العمال وكراء المحلات وهذا كله يتطلب الربح الذي بات مستعصيا.

وطالب (ماجن جو) من الحكومة المغربية تخفيض التكاليف الجمركية والرفع من أجور العمال، وتسجيلهم في الضمان الإجتماعي، وتشجيع الصناعة المحلية التي ستؤدي لتشجيع المصانع التي بدورها ستشجع العمال برفع الأجور.
وفي السياق ذاته يقول ياسين متوكل مساعد أحد التجار الصينيين بالمحلات التجارية الصينية منذ 5 سنوات، “إن الباعة الصينيين جديون في عملهم وتجدهم يتنافسون بينهم منافسة شريفة في التجارة فقط، وليس في حياتهم اليومية، وبخصوص غزوهم لدرب عمر فهذا راجع للثمن المتدني لسلعهم التي تشجع الزبائن على الشراء فهي في متناول جميع الطبقات، لهذا السبب يقبلون عليها، والعمل معهم جيد من جهة التعامل والثقة التي يولونها للمساعد ولا يضيعونك في شيء مثلا يدفعون لك راتبك في الوقت المحدد ويساعدونك ماديا ومعنويا وحتى أنهم يراعون ظروفك ويتعاطفون معك إذا كنت تمر بظروف شخصية وحتى أنهم يضعون الثقة فيك ويعطونك السلع التي تقدر قيمتها مثلا ب 20 ألف درهم دون أن تدفع لهم أي تسبيق أو مقابل، ينتظرونك حتى تبيع سلعتك وتدفع لهم بعدها، وأيضا يأمنوك على مبالغ مهمة طبعا بعد تجربتك عدة مرات في أشياء متعلقة بالسلع والمال، واذا كنت عند حسن ظنهم يولونك ثقتهم الكاملة”.
وأضاف ياسين متوكل أنه اشتغل مع التجار المغاربة، لكنه فضل الصينيين الذين، وفق ما استقاه من أخبار، يخططون لإنشاء مصانع في المغرب، معتبرا الأمر جيدا وسيساعد في تشغيل اليد العاملة، علما أن الصينيين ممنوع عليهم شراء المحلات بحكم أنهم يتوفرون فقط على عقود لها مدة معينة أو محددة وبالنسبة للمحلات التي يكترونها تكون بأثمان مرتفعة.

معلمة تاريخية

يشار إلى أن هذا الصرح التجاري رأى النور منذ عام 1920، وترجع تسميته بدرب عمر لتاجر كان اسمه عمر دويدو الذي كان من أكبر تجار الحبوب، وكان يمتلك أراضي عديدة في زمن الماريشال ليوطي ما بين 1912و 1925، ومن بين هذه الاراضي تلك التي يقام عليها حاليا درب عمر.
أقام على هذه البقع الأرضية عددا كبيرا من المخازن والمحلات، خصصها لتخزين آلاف الأطنان من الحبوب بمختلف أنواعها التي كان يشتريها دويدو من عند المزارعين المغاربة في نهاية كل موسم فلاحي وكان يقوم بتصديرها لفرنسا زمن الحماية .
سبب اختياره لهذه المنطقة لم يكن اعتباطا بحكم قربها من ميناء مدينة الدار البيضاء وهو ما سهل عليه عملية التصدير. عندما أصبح عمر دويدو من الأثرياء الكبار جراء تجارة الحبوب والقمح وبعد أن بات كل المغاربة يعرفونه، بلغت أخباره المارشال ليوطي الذي أصبح شريكا له بنسبة 50 % وهو ما يسر له حماية لتجارته ومكنه من تصدير الحبوب لفرنسا.
هذا الدرب التجاري الشهير بالمملكة مازال يمتد إشعاعه التجاري على الصعيد الوطني بحكم أنه أكبر أسواق الجملة بالمغرب التي تحقق أرقام معاملات عالية جدا و يعتبر ” بطاقة ذاكرة”، بل معلمة من معالم الدار البيضاء والمغرب بأسره. وتظهر أهميته خلال الأيام التي توصد فيها دكاكين “درب عمر” أبوابها خاصة عقب مناسبة عيد الأضحى، حيث تصاب الحركة التجارية بالشلل التام، بسبب انصراف غالبية التجار من أجل قضاء عطلتهم السنوية التي تتزامن وعيد النحر. فكيف يمكن لهاته المعلمة أن تصبح محمية وامتدادا للتجار الصينيين؟
“كيفما كانت الأسباب سيبقى درب عمر هو درب عمر”. عبارة بدأ بها أمين تجار درب عمر، عبد الرزاق لزرق الحديث. هذا الأخير مارس حرفة كمساعد تاجر منذ سنة 1967، وكون نفسه بنفسه. فقد أوضح أن جميع المدن تمشي على نهج تجارة درب عمر، فكل ما يتعلق بالتجارة يخرج من هذا السوق الذي سمي بهذا الاسم نسبة إلى شخص كان اسمه عمر وكان يزاول مهنة التجارة و كان يتسم بالكثير من الجدية وكانوا الناس يثقون به كثيرا.
أما بالنسبة لغزو الصينيين لهذا المركز التجاري فهو راجع لكونهم وجدوا من يقتني سلعهم خصوصا من قبل الزبائن الذين يفضلون المنتوجات الصينية على المنتوجات المغربية. وهو ما اعتبره مجرد هوس المغاربة بالسلع الأجنبية التي يعتبرونها أجود من المنتوج المغربي، وحتى عدد من التجار المغاربة أصبحوا يفضلون اكتراء محلاتهم للتجار الصينيين عوض الإفلاس. بمعنى آخر ” كل تاجر ينظر إلى مصلحته”.

وقال عبد الرزاق لزرق إن الصينيين بدرب عمر ” لو لم يجدوا الربح لما أتووا للمغرب، فهم لا يشتغلون بنية صالحة بل غايتهم جمع المال وتهريبه للخارج. وهذا شيء خطير جدا بحيث يمكن أن يأتي الصيني مثلا بسلعة تساوي 10 دراهم ويبيعها ب 8 دراهم، يعني بالخسارة. ونحن ليس بيدنا فعل شيء، فالمسألة تتعلق بالسلطة التي يجب أن تراقب هاته الفئة. فبعضهم دخل للمغرب للتجارة وليس لديه المبلغ الكافي للترويج وبعد التجارة في المغرب أصبح مليونيرا، لماذا لا تبحث السلطات عن كيف تحصل على هذه المبالغ ؟ وما هي غايته عند دخوله للمغرب؟. لهذا فالمسألة تتعلق بالسياسة العامة، فبلدنا المغرب دولة مفتوحة وجلالة الملك عمل ثقته في المواطن المتشبث بالملكية لأنها هي الضمان الوحيد لاستقرار البلاد. ولهذا يجب الدفاع عن الوطن ما استطعنا. فاليوم صناعة النسيج المغربية تعدت القيمة التجارية لأثواب الصينيين الذين غايتهم غزو العالم بأسره وليس فقط المغرب أو درب عمر. لكل ذلك علينا ما أمكن الدفاع عن الوطن بالغالي والنفيس”.
وعن مستقبل التجارة المغربية يرى لزرق أنها بيد التجار أنفسهم الذين فضل كبارهم الرحيل نحو وجهة أخرى كمقاولين أو رجال صناعة بسبب الأزمة الإقتصادية وما خلفته من تبعات. إذ يمكن للتاجر أن يظل في محله 24 ساعة بدون فائدة وبدون أن يجني شيئا بسبب تراجع القدرة الشرائية، فهناك أسواق أكثر خطورة على بلادنا، مثلا بنواحي بن سليمان يوجد سوق مليء بأثواب تدخل بطرق غير قانونية، بالإضافة إلى كون المواطن تجلبه الأثمان الرخيصة، ولهذا يجب مراعاة مصلحة الاقتصاد الوطني بصفة عامة”، مشددا على أن الدولة يجب أن تستشير أصحاب المهن ذووا الخبرة التي لها دور كبير رغم أهمية الدراسة والتكوين”.
ولفت أمين تجار درب عمر إلى أنه يتوصل بشكايات من التجار الصينيين و المغاربة تتعلق بالمنازعات المتعلقة بالسلع وسعر السوق وغير ذلك، تتم معالجتها وحل الخلافات بما يرضي جميع الأطراف.

عزوف اضطراري

إن التراجع غير المسبوق في توافد الزبائن على البضائع المغربية راجع بالأساس إلى التداعيات الاقتصادية والصحية للأزمة الخانقة الناجمة عن ڤيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” والتي لا تزال تلقي بثقلها على المستهلكين.
ومن عوامل هذا التراجع أيضا انخفاض القوة الشرائية، ومراجعة الأولويات من حيث الاستهلاك، وكذلك تراكم القروض البنكية على المهنيين، وواجبات كراء المحلات ومستودعات تخزين السلع والبضائع التي تكون قيمتها مرتفعة بالنسبة للتجار، بالإضافة إلى أداء مستحقات العمال. كلها أسباب تفسر الركود التجاري، وتراجع عدد المستهلكين، ونفاذ بعض السلع بسبب توقف العجلة الاقتصادية.
بهذا الصدد، يقول أحمد أوزين، تاجر يزاول المهنة منذ ما يقارب 40 سنة، إن درب عمر يعتبر أحد أهم المراكز التجارية ذات الصيت الكبير في كافة أنحاء المغرب، لكن هذا المحور التجاري المهم في العاصمة الإقتصادية، تأثر بشكل كبير بالإقبال على السلع الصينية وما تلا ذلك من إهمال للمنتوج المغربي.
فالمغرب، بحسب أحمد أوزين، كان يشتغل جيدا في مجال التجارة لدرجة أنه كان يصدر المنتجات والسلع المغربية بكميات كبيرة لدول أخرى، وكانت تتميز بقيمة كبيرة في هذا المجال، بحيث أن تجار درب عمر كانوا يتعاملون كثيرا مع معامل مغربية كبيرة يضرب بها المثل في الستينات حتى الثمانينات، لكن الأوضاع تغيرت أواخر التسعينات حيث بدأ يلاحظ تراجع في هذا القطاع، ولم يبق الإقبال كما كان على المنتجات المغربية، بحكم أن أغلبية المعامل الخاصة بالمغاربة والتي كانت تساهم في تشغيل اليد العاملة وكانت منبع السلع التي يتاجر بها تجار درب عمر أغلقت لعدة أسباب اقتصادية وسياسية متعلقة بالدولة.
نتيجة لذلك، يضيف أوزين، أصبحت المعامل العشوائية تصنع السلع كالتي توجد بتيط مليل (الدار البيضاء) وتدفعها لنا لكن ليس بالجودة المرغوبة، في حين أن السلع الصينية هي التي غزت الأسواق المغربية لعدة أسباب منها أن دولتهم تساعدهم ماديا وتقدم لهم تسهيلات تشجعهم عل التجارة، وحتى أغلب التجار المغاربة أصبحوا يذهبون بأنفسهم لبلد الصين لاقتناء ما يلزم من السلع والمنتجات الصينية. وهذا كله سببه انخفاض ثمنها بالمقارنة مع السلع المغربية والإقبال عليها أكثر لأن سلعهم تتميز بالجودة وبالثمن المنخفض، فالتجار الصينيون يتحدون فيما بينهم فيما يخص التجارة وأي مكان يكون فيه الربح يلجأون إليه بدون تردد . هذا الوضع أدى إلى الركود بسبب تراجع المنتوج المغربي وقلة الإقبال عليه، الناجم عن ضعف التجارة وارتفاع الأسعار من منبعها أي من المصانع التي تنتج السلع المغربية، والتي هي بدورها تصنعها بمواد مرتفعة الثمن، مما دفع تجار درب عمر لكراء محلاتهم للباعة الصينيين لكي تعود عليهم بالفائدة والمنفعة عوض أن تظل مفتوحة بدون جدوى.
من جانبه، يرى محمد أوزين تاجر بدرب عمر، ورث الحرفة أبا عن جد منذ 1986، أنه قبل 20 عاما كانت معامل كبيرة كماناطيكس، وبوڤلطيكس وماجيطكس، تصنع وتزود محلات درب عمر بالمنسوجات التي تقوم ببيعها بالجملة. هاته المصانع أغلقت لأسباب عدة منها ارتفاع أسعار المواد الأولية وكذا بروز خلافات بين الورثة، بعد موت صاحب المصنع، والذين أصبحوا يفضلون الاشتغال في العقار بدل الالتزام بمصاريف وواجبات المصانع والعمال والضرائب التي تثقل كاهلهم.
أما بخصوص غزو التجار الصينيين لدرب عمر فهذا راجع، حسب التاجر، ” للتسهيلات التي توفرها لهم دولتهم ما يمكنهم من إدخال منتجات رخيصة للمغرب، وكذلك راجع لوفرة اليد العاملة الصينية المؤهلة، وربما هم معفيون من الضرائب لأن مشاكل الضرائب هي التي تجعل المنتوج المغربي يتراجع”.
ورغم أن المنتوج المغربي ذو جودة عالية يضاهي جودة السلع الصينية وأكثر، لدرجة أنه كان يصدر لبلدان أخرى خصوصا دول الخليج، إلا أن ارتفاع ثمنه وتراجع القدرة الشرائية للمواطن حالت دون ذلك. ومن وجهة نظره، فالمواطن له يد في هذا التراجع بحكم امتلاكه لمنازل اقتصادية أصبح يفضل أن يقتني منتوجات عصرية يغيرها كل تلاث أشهر مثلا، ليس كالمنتوج المغربي الأصيل الذي يظل لسنوات عديدة. بمعنى أن الزبون أصبح يرغب دائما في ما يواكب العصر والموضة.

واقع لا مفر منه

ورغم مجهودات الحكومة المغربية التي أعدت قانونا عرضته على أنظار البرلمان بخصوص الإجراءات التي تعتزم تطبيقها من أجل التصدي للسلع المستوردة والتي ألحقت ضررا بالإنتاج المحلي، لكن انخراط المغرب في اتفاقية التبادل الحر وفي منظمة التجارة العالمية قد يحد من فعالية أي قانون حمائي للسلع وحتى مبادرة ” الحزام والطريق ” التي انضم لها المغرب تحول دون ذلك،هاته المبادرة التي وقعها المغرب مع الصين في عام 2017, حيث صارعت السلطات الصينية بعدها إلى منح المغرب ” صفة الدولة المحورية ” وذلك وعيا منها بموقعه الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا ، والتي تلزم بكين بموجبها حث الشركات الصينية على الاستثمار في المغرب في مجالات متعددة، وعلى إثرها تزايد حجم التجارة بين البلدين بنسبة 50%، وأن مخطط الحزام والطريق الذي يضم 140 دولة، سيجعل من المغرب النقطة المحورية للصين من أجل الاستثمار ضمن مجموعة من مناطق العالم، فاليوم أضحت البضائع الصينية تعرف إقبالا كبيرا على الصعيد العالمي، وأصبحت كبريات الشركات العالمية تجد صعوبة كبيرة في منافسة السلع الصينية بل تحولت إلى السلعة الأكثر رواجا في العالم.
وحول هذه التدابير وما ينتج عنها من مزاحمة للسلع المغربية، يقول الدكتور بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية حقوق المستهلك، في حديث لبيان اليوم، إن السوق المغربي عرف غزوا لا مثيل له مند بداية القرن من طرف المنتجات الآسيوية، و كم من مستهلك تهافت عليها إلى أن فطن لسوء جودتها. و أصبح المنتوج الآسيوي نموذجا للمنتوج ذى جودة رديئة. و رغم ذلك ما زال المستهلك المغربي يقتني هذه المواد نظرا لسعرها المتواضع و المناسب لقدرته الشرائية.
فالسوق الآسيوي، يقول الدكتور بوعزة الخراطي، و خاصة الصيني، يعرض للبيع منتجات تختلف في جودتها و ذلك لتلبية مطالب المقتني أي المستورد المغربي، و بالتالي فالمسؤول عن إدخال مواد ذات جودة متدنية هو المغربي المستورد و كذلك الجمارك، لأن هذه المؤسسة مسؤولة على الحفاظ عن هدر المال المغربي في شراء مواد سهلة الإتلاف و خطيرة على صحة المستهلك الذي تقع عليه مسؤولية حماية نفسه بنفسه لأن المثل المغربي يقول ” عند رخصو تخلي نصو ” وبالتالي العدول عن اقتناء هذه المنتجات غير الصحية و لا جودة لها.
وأوضح بوعزة الخراطي أن المنتجات الآسيوية ظهرت في المغرب في بداية القرن الحالي وعرفت انتعاشا وطلبا ملحوظا من طرف المغاربة نظرا لسعرها المنخفض وكذلك لكونها تلبي حاجيات المستهلك المغربي، لأن الصينيين يأتون بالمنتجات المطلوبة والتي يستعملها المستهلك، ولكن يتبين بعدها أن مدة صلاحية هذه المواد قصيرة وجودتها منعدمة، مشيرا إلى أن قبول هذه السلع من طرف المستهلك يعود أولا لوفرتها، ولتواجدها في كل الأسواق، وثانيا لسعرها المنخفض الذي هو في متناول المستهلك، وثالثا لتلبيتها رغبة المستهلك خاصة فيما يخص الأشياء الأكثر استعمالا في المنازل.
واستطرد رئيس الجامعة المغربية لحماية حقوق المستهلك قائلا إن هناك طبقة معينة من المجتمع المغربي تقتني هاته المنتوجات بالطبع لسعرها المتدني، وهو ما يطرح إشكالية “الوفرة المالية”، ذلك أن غالبية السيدات، يضيف المتحدث، لا يشتغلن، بل يأخذن المال من عند أزواجهن لشراء احتياجاتهن، فيبحثن عن الأشياء الرخيصة من أجل توفير القليل من المال بغرض اقتناء الذهب. فهذا أيضا يعتبر عاملا غير مباشر يدخل في هذا الإطار.
لذلك فإن دراسة اقتناء المواد الآسيوية تعتبر دراسة سوسيو-اقتصادية تفرض على الاختصاصيين في السوسيولوجيا وكذلك في الاقتصاد التطرق بإسهاب إليها.
ونبه بوعزة الخراطي إلى الفرق الشاسع في الجودة بين المنتوجات الموجهة لأوروبا وتلك التي يتم توجيهها للسوق المغربي، متسائلا ” هل الصين تبيع لنا سلعا للاستهلاك بطريقة قانونية أم هناك خلل؟”..
وأضاف الخراطي أن الجامعة المغربية لحماية حقوق المستهلك ترصد بحث المستهلك عن المنتوج الأقل تسعيرة في السوق، مثلما ترصد غض الجمارك الطرف على مصدر المنتجات التي تلج السوق، وضعف الأطر الخاصة بالمراقبة في نقط العبور ما ينتج عنه ” كم هائل من منتجات مختلفة الجودة يؤدي المستهلك المغربي ثمنه ليس فقط ماديا بل أيضا من ناحية السلامة”. ولعل في منتوج الشاحن “الشارجور” وآلات تسخين الماء خير مثال على السلع التي تفتقد شروط السلامة وأدت إلى مقتل العديد من الأشخاص.
وحول المنتجات الغذائية بالمغرب قال الخراطي إن المكتب الوطني لسلامة المنتوجات الغذائية يسهر على مراقبة سلامة المنتوجات الغذائية، لكن لا وجود لمؤسسة متخصصة في مراقبة السلع الصناعية بدليل أنه على الصعيد الوطني لا تتوفر وزارة التجارة والصناعة على العدد الكافي من الموظفين للقيام بمهامها.
وطالب بوعزة الخراطي بإحداث مؤسسة مستقلة لمراقبة المنتوجات الصناعية الخدماتية لتفعيل القانون 24/09 المتعلق بالموضوع، وللتصدي للسلع المستوردة والتي ألحقت أضرار بالإنتاج المحلي، مشددا على ضرورة توفر الجودة في المنتوج المستورد والذي لا يتم إنتاجه محليا، تفاديا لاستيراد منتجات رديئة .
وعاب الخراطي على المسؤولين التفريط في المنتوج الوطني الذي يعاني المنافسة الأجنبية، ما يؤدي إلى إغلاق أبواب الشركات على غرار ما وقع لأحد أكبر معامل إنتاج الورق وعلى غرار ما شهدته البلاد عقب جائحة كورونا التي أبانت عن هشاشة الاقتصاد الوطني، منتقدا الإقدام على خوصصة أكبر شركة في شمال افريقيا لإنتاج الورق، والتي تم تفويتها بثمن بخس.
وانتقد المتحدث غياب الحس الوطني عند بعض المسؤولين الذين لا تهمهم المحافظة على السيادة الوطنية ولا حماية المنتوج الوطني، رغم مبادرات تحفيزية كان آخرها حملة made in morocco “صنع في المغرب” التي قام بها وزير التجارة والصناعة، والتي تفرض على الفاعلين الاقتصاديين، يضيف المتحدث” مواكبتها من خلال الحرص على جودة المنتوح محلي الصنع حتى لا يتوجه المستهلك إلى أسواق أخرى كما هو الحال بالنسبة لسوق الملابس التركية التي غزت السوق المغربي لأن سعرها مناسب وجودتها مرتفعة مقارنة مع المنتوج المغربي”.
ولا يقتصر أمر غياب الروح الوطنية، يقول بوعزة الخراطي، على النسيج الذي يصدر المغرب أحسن نماذجه مقارنة مع ما يروج داخل السوق الداخلية، بل يطال أيضا السياحة التي تلجأ إلى المغاربة لإنعاشها وقت الأزمة، وسرعان ما تصنفهم في الدرجة الثانية بعد التعافي، ناسية أو متناسية كغيرها من القطاعات أن ضمان الاستمرارية يمر أساسا عبر المستهلك المغربي وليس المستهلك الخارجي.
وخلاصة القول، واعتمادا على ما استقيناه في هذا التحقيق من تصريحات وآراء متقاربة وأحيانا متضاربة، نرى أن المغرب مطالب بالالتفات أساسا إلى السوق الداخلية وتطويرها وحمايتها، وذلك بتوفير الشروط الضرورية لنجاح الترويج لعلامة “صنع في المغرب ” حتى تكون السلع المغربية قادرة على التنافس في السوق الدولية وليس فقط على المنتوجات الصينية.
هذه الشروط تتلخص، بنظرنا، في تشجيع الكفاءات والخبرات، وتدعيم تكافؤ الفرص، ومحاربة استغلال النفوذ، وتطوير وتحسين التنافسية الاقتصادية من خلال تطوير بيئة الأعمال والتخفيف من العبء الضريبي، وتيسير الحصول على تمويلات، وكذلك عدم الاعتماد الكلي على التجارة الخارجية وجعلها أساس الاقتصاد الوطني لكون المنافسة الدولية مدمرة جدا، كذلك يجب تظافر الجهود للتقليص من مستوى الفساد والرشوة الذي يهدد نجاح المغرب في جعل علامة “صنع في المغرب” تغزو الأسواق العالمية، وتحد من منافسة السلع الصينية التي تكاد تجعل سوق درب عمر خبرا من الماضي.

● نادية الجورمي (صحفية متدربة)

Related posts

Top