رواد في تاريخ الإسلام .. آثروا الثورة على الثروة – الحلقة 10-

“…حفل التاريخ الإسلامي بأسمائهم بعد أن ارتقوا قمم العلوم وتوجهوا بها لخدمة الإسلام والمسلمين، آثروا حياة الثورة والنضال على حياة الترف والبذخ والرخاء…، حملوا فكرهم وعلمهم سلاحاً للدفاع عن القضايا الوطنية للأمة، فكتبوا وأبدعوا فكراً وديناً وشعراً وابتعدوا عن خانة “الغاوُون” فلا هم في كل واد يهيمون ولا يقولون ما لا يفعلون، عاشوا أحراراً مرفوعي الرأس دون أن تسمح أقلامهم أن تكتب نفاقا وتزلفا لحاكم أو سلطان، ودون أن يرفع سيفهم إلا نصرة للحق والمُستضعفين.. أحسنوا في تفسير الحرّية الغربية وقابلوها استئناساً بالليبرالية الشائعة في الغرب والدائرة علىكل لسان حينما رأوا فيها العدل والإنصاف…، أوضحوا أن السير في طريق التنمية والتطور واكتساب المعرفة يقتضي بالضرورة وجود دعامات الحرّية والعدل والمساواة التي تجد مصادرها في الشريعة الإسلامية حيث المنهج والدستور الكامل والشامل، حيث مصطفى كامل وأنور الجندي والشيخ علي الغاياتي والخطابي والمراغي والنديم وياسين وعلال الفاسي والبنا وإبن تاشفين وأبو الحسن الندوي وغيرهم من رجالات الفكر العربي والإسلامي، إنهم عمالقة الفكر والتنوير ورواد الأصالة الإسلامية،… إنهم “رواد وعمالقة مسلمون” آثروا الثورة عن الثروة…

أبو الحسن الندوي.. رائد الفكرة لخدمة الدعوة

المفكر الرحالة الذي جاب معظم البلاد الإسلامية وانفتح على أهم تياراتها الفكرية

هو الشيخ العلامة أبو الحسن علي بن عبد الحي النَّدْوي الهندي الجنسية، العالمي العطاء وشيخ الأمة  ولسانها الناطق بالحق وأحد مؤسسي رابطة الأدب الإسلامي العالمية ورئيسها الأول بعد أن شق براعمه بقرية “تكيه كلان” أحد الأقاليم الشمالية للهند يوم السادس من محرم 1333/1914.

انحطاط المسلمين وخسارة العالم

ما أن تلقف الطفل الصغير معالم الدين من والده الصالح عبد الحي الندوي حتى سارع إلى دراسة اللغة العربية على يد مُعلميه خليل محمد اليماني ومحمد تقي الدين الهلالي الذي بلّغه عوالم الأدب العربي والأجنبي بعد إتقانه للغة الإنجليزية والفارسية إلى جانب لغته الأورديه، يتلقف العلوم والأدب والدين متأثرا بفكر الإمام أحمد بن حنبل قبل أن ينطلق سريعا ليعمل مُعلما بدار العلوم بإحدى مدن الهند ومنها إلى الصحافة التي برع فيها بعد تأسيسه لمجلة الضياء ثم الندوة العلمية فمجلة التعمير والمعارف التي أخذت تمثل لسان حال المسلمين في شبه القارة الهندية قبل أن يحطُ الرحال سريعا في مختلف أرجاء المعمورة نظير كتاباته ومؤلفاته التي سبقت صورته وشخصه لدى العالم الإسلامي، وفي هذا يتحدّث العلامة الشيخ محمد الغزالي فيقول: “…كانت بداية معرفة الشرق العربي بالندوي قد تمّت عن طريق كتابه العظيم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) الذي أخرجه في العام 1951 في رحلة جاب فيها عواصم الشرق العربي مُستطلعا أحوالها الدينية والاجتماعية والثقافية، لقد كانت شهرته قد سبقته بكتابه الذي تناولته الأيادي والقلوب والعقول، فعندما قرأنا للداعية الجليل رسالته تلك التي سبقت مَقدمَه إلى مصر، ثم عندما قرَّت عيونُنا برؤيته وطابت نفوسُنا بعِشرته، تأكدنا جميعا بالحقيقةُ الكريمة وزِدنا بها إيماناً وهي أن الإسلام على اختلاف الأمكنة والأزمنة يصنع نفوسَ أتباعه على غرار واحد ويجعل المَشابِهَ قريبةً جداً بين نظرتهم إلى الأشياء وأحكامهم على الأمور..”.

النْدوي والإخوان المسلمون

كان الندوي يتميز على الدوام بقربه من جميع التيارات الإسلامية المعاصرة التي تزداد صلته بها يوما بعد يوم سواء السلفية منها أو الصوفية أو الإخوانية بشكل أتاح له أن يدرس مناهجها ويتعرّف على أفكارها عن قرب قبل أن يتوصل في نهاية المطاف إلى التيار الذي أخذ يراه مناسبا ويراه الأصلح والأقدر للنهوض بحال الأمة الإسلامية حتى ذهب إلى القول في مذكراته: “.. أصبحتُ أَعتقدُ بعد زيارة بعض البلاد العربية والإطلاع على أحوالها أن حركةَ الإخوان المسلمين إذا قَوِيَتْ وانتظَمَتْ على خطوط ثابتة فإنها ستكون هي المنقذُ الوحيد بحول الله تعالى للعالم العربي من الانحلال والاندفاع القوي إلى الهاوية، لذلك أصبحتُ أُعَلِّقُ عليها أهمية كبيرة وأَحملُ لها بين جوانحي حُباً عميقاً..، كنت أرى حصونها أمتن من حصون الحجر لبناء أمة من العلماء الصالحين والدعاة المخلصين ..”.

روائع الأفكار وتأملات الفلسفة

يقول الإمام محمد الغزالي: “..لقد دعّمت الأحداث التي عاصرها الندوي (سقوط الخلافة الإسلامية) من إيمانه بأن الإسلام لا بد أن يتولى زمام الأمور لإنقاذ العرب والعالم مما يُحاك به من مؤامرات غربية، كان يؤمن بأن الحلّ الوحيد لمأساة الإنسان يكمن في تحوّل قيادة العالم إلى أيدي أمينة مؤمنة بقيم الإنسانية بعد أن اتخذ محور إصلاحه مكافحة الغزو الفكري وبثّ روح الاعتزاز بالإسلام والمسلمين ومقاومة الردّة وآثارها، يخاطب العرب ويركّز اهتمامه عليهم كونهم (على حدّ قوله) يحملون استعدادا روحيا ومعنويا وماديا لقيادة العالم الإسلامي، وبالتالي قيادة العالم أجمع نظير مواهبهم وكفاءاتهم العلمية والدينية، مُحددا لواجب العلماء والطبقة المثقفة في مقال منشور بمجلة البعث الإسلامي قائلا: إن مسؤوليّة العلماء والمفكّرين المسلمين في العصر الحديث بعد مواجهتهم للتحدّيات المعاصرة وإثباتهم أن الإسلام قادر على قيادتها وترشيدها والسموّ بها هي أن يفضّلوا الإسلام على كل جماعة ومؤسّسة ومدرسة وطائفة وحزب، وإذا رأوا أن بقاء الإسلام يتطلب أن نحمي جميع الأسماء واللافتات والشعارات والشارات والأحزاب والجماعات؛ فليكن ذلك موضع عنايتهم ولا يقعن تلكؤ منهم أو إحجام للحظة واحدة، وليكن مصلحة الدين والعقيدة مفضّلة على عمل كل مصلحة حزبيّة أو جماعيّة، وليكن واضحاً أن الدين والإيمان وازدهارهما هو الهدف سواء رجع الفضل إلينا أو لغيرنا من الإخوان في العقيدة والدين…”.

ويضيف الغزالي: “…أضحى الندوي وفي سبيل دعوته الإسلامية لا يكل ولا يمل… يطوف العالم برحلاته المكوكية حيث السعودية وسوريا ومصر والعراق قبل أن يعود إلى الهند وباكستان.. يؤلف الكتب ويلقي المحاضرات والدروس التي يقف فيها على مواطن الضعف والخطر الذي يحدّق بالأمة الإسلامية، يناضل من أجل قضية الإصلاح والتغيير بعد أن رأى أن المنهج الإصلاحي الذي نريده لا بد أن ينبع من تكوين الفرد تكوينا نوعيا..، يندهش كثيرا لأولئك المسلمين الذين اطمأنوا إلى تدريس أبنائهم بالمؤسسات العلمية الغربية غافلين عن هدف الغرب في القضاء على الهوية الإسلامية، داعيا في الإطار نفسه إلى إعادة صياغة المنهل العلمي الذي يتلقاه الشباب وتصفيته من خلال توحيد التعليم ليكون وحدة شاملة تجمع بين الوسائل والغايات مُتحفظا ومُحترزا في التعامل مع المرأة داعيا إياه بالدخول إلى المؤسسات التعليمية حتى يتحقق التكامل في المجتمع الذي تحياه مع الرجل إذ أن للمرأة قدرة للبلوغ والكمال كما الرجل..”.

الطريق إلى الإسلام

لقد وجدته في الأحوال كلها مستقيما على الحق عاملا لله زاهدا حقيقيا زُهد العالم العارف بالدنيا وأهلها، هكذا وصف الشيخ علي الطنطاوي العلامة الندوي خلال زيارته له عام 1954 بمسقط رأسه بقرية تيكه قبل أن يضيف بالقول “…لقد رأيت فيه متعلما ورمزا من رموز الدعوة الإسلامية…، طاقة فعّالة وجذوة لم تنطفيء، ينطلق في تشخيص العلّة لتراجع المسلمين فكريا وثقافيا وسياسيا قبل أن يطرح للأمة العلاج عبر توظيف السيرة النبوية توظيفا فعالا جاعلا من كتابه (الطريق إلى السنة النبوية) المنهاج الأسمى لتحقيق تلك الغاية بكافة الأبعاد التاريخية والحضارية والإنسانية والعقائدية والتكاملية بين العلوم، كان كاتباً غزير الإنتاج، صاحب منهج متميّز عن غيره من المفكّرين والباحثين المعاصرين بسبب معرفته لعدّد من اللغات كالعربيّة والأورديّة والانجليزيّة والفارسيّة،له سعة اطّلاع على مصادر الحضارات غير الإسلاميّة فضلاً عن تعمقه في التاريخ الإسلامي حتى بلغت مؤلّفاته مائة وستّة وسبعين ما بين رسالة وكتاب وبحث، تميّزت كلّها بالغوص العميق في تفهم أسرار الشريعة والتحليل العميق لمشاكل العالم الإسلامي…”.

ملامح المشروع الندوي

ويستطرد القرضاوي في تلخيصه لأهم جوانب المشروع الفكري والدعوي للعلامة الندوي بالقول “…لقد ارتكز الندوي على عشرين ركيزة لتثمين مشروعه الفكري والتي جاء تعميق الإيمان بالله وتوحيده إلها معبودا على رأس تلك الركائز والمقومات حيث إعلاء الوحي على العقل وتوثيق الصلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية والدعوة إلى البناء لا الهدم وإحياء روح الجهاد في سبيل الله واستيحاء التاريخ الناقد لفكرة الغربية والحضارة المادية أو الجاهلية الحديثة (كما أطلق عليها)،  مُنهيا إياها بالدعوة إلى تأكيد دور الأمة المسلمة بغية استمرارها نبراسا للهداية والشهادة على الأمم، ركائز عمد إلى تثبيتها في مختلف مؤلفاته التي على رأسها كتابه الشهير (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)، والطريق إلى المدينة ورجالات الفكر والدعوة في الإسلام وغيرها، لقد عبّر عن فلسفته للإسلام في كلمات قليلة واضحة وبليغة وموجزة ورائعة حيث يقول: إن الله ابتعثنا لِنُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام..”.

نهاية الطريق

ويختم الشيخ القرضاوي وصفه للندوي بالقول حين وفاته: “…لقد تميّز الندوي عن غيره من العلماء بخمس صفات التصقت بشخصه دون غيره، كان إمام ربّاني إسلامي قرآني مُحمدي عالمي….، لقد بقيت السلفية عنده توحيدا خالصا لله لا يشوبه شرك، يقين عميق بالآخرة لا يعتريه شك، ايمان جازم بالنبوة لا يداخله تردّد ولا وهم، ثقة مطلقة للقرآن والسنة مَصدري العقائد والشرائع والأخلاق والسلوك حتى وفاته في الواحد والثلاثين من ديسمبر 1999 أثناء اعتكافه بمسجد قريته (تيكة) شمال الهند وهو في حضرة المحراب للصلاة بعد أن شرع بقراءة سورة الكهف عن عمر يناهز السادسة والثمانين تاركا لنا إرثا حافلا من التراث الفكري والديني والأدبي، رحل بعد أن ترك لنا وصيته التي قال فيها: “….إسمعوها مني صريحةً أيها العرب: بالإسلام أعزَّكم الله، لو جُمع لي العربُ في صعيدٍ واحد واستطعت أن أوجّه إليهم خطاباً تسمعه آذانهم وتعيه قلوبهم لقلتُ لهم: أيها السادة إنَّ الإسلام الذي جاء به محمد العربي صلى الله عليه وسلم هو منبع حياتكم ومِنْ أُفُقه طلع صبحُكم الصادق، وأن الـنبـي صلى الله عليه وسلم هو مصدر شرفكم وسبب ذكركم وكل خير جاءكم فإنَّما هو عن طريقه وعلى يديه، أبى الله أن تتشرفوا إلا بانتسابكم إليه وتمسُّكِكُم بأذياله والاضطلاع برسالته والاستماتة في سبيل دينه، ولا رادَّ لقضاء الله ولا تبديل لكلمات الله، إن العالم العربي بحرٌ بلا ماءٍ كبحر العَروض حتى يتخذ محمد صلى الله عليه وسلم إماماً وقائداً لحياته وجهاده، وينهض برسالة الإسلام كما نهض في العهد الأول، ويخلـِّص العالَم المظلوم من براثن مجانين أوروبا الذين يأبون إلا أن يقبروا المدنيَّة وقضوا على الإنسانية القضاء الأخير بأنانيتهم واستكبارهم وجهلهم ويوجِّه العالم من الانهيار إلى الازدهار ومن الخراب والدَّمار والفوضى والاضطراب إلى التقديم والانتظام، والأمن والسلام، ومن الكفر والطغيان إلى الطاعة والإيمان، وإنه حق على العالم العربي سوف يُسألُ عنه عند ربه فلينظر بماذا يجيب..، فرحم الله شيخنا العلامةّ”.

 إعداد: معادي أسعد صوالحة

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في المغرب

Related posts

Top