تجمع المئات الأحد في محيط مرفأ بيروت إحياء للذكرى الرابعة للانفجار الذي هز العاصمة اللبنانية وتسبب بمقتل أكثر من 220 شخصا، لكن هذه المرة على وقع مخاوف من اندلاع حرب بين حزب الله واسرائيل.
ورفع المتظاهرون صور الضحايا، مطالبين بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن انفجار 4 آب/أغسطس 2020، فيما لا يزال التحقيق معطلا وسط تعقيدات سياسية وقضائية.
ومنذ اليوم الأول، عزت السلطات اللبنانية انفجار 4 آب/أغسطس 2020 إلى تخزين كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم داخل المرفأ من دون إجراءات وقاية إثر اندلاع حريق لم تعرف أسبابه. وتبين لاحقا أن مسؤولين على مستويات عدة كانوا على دراية بمخاطر تخزين المادة ولم يحركوا ساكنا.
وتقدم موكب المسيرة في بيروت أهالي ضحايا المرفأ الذين شكلوا تجمعا يطالبون عبره بتحقيق العدالة.
وقالت صونيا عودة ربة المنزل البالغة 53 عاما “نريد أن نعرف من فجرنا، من أخذ أولادنا، من أخذ شبابنا”.
وتساءلت فيفيان حداد وهي واحدة من بين آلاف أصيبوا بجروح في الانفجار “أين العدالة؟”، وأضافت “أربع سنوات ولم يتم إلقاء القبض على المجرم”.
وشددت بعزم “سنواصل المطالبة بالعدالة، لو لأربعين عاما. نريد أن تعلق المشانق، شبعنا كذبا بعضنا على بعض. نريد أن نرتاح وأن نعيش”.
عند موعد الانفجار الساعة 18:07، وقف المتظاهرون دقيقة صمت تكريما لأرواح الضحايا، فيما أطلقت سيارات الإسعاف أبواقها تزامنا مع إطلاق البواخر الراسية في مرفأ بيروت لصافراتها.
وفي ظل عدم التوصل إلى أي نتائج ملموسة بالتحقيقات بعد أربع سنوات، اعتبرت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جنين هينيس-بلاسخارت في بيان السبت أن “الغياب التام للمحاسبة عن كارثة من صنع الإنسان كهذا الانفجار يعد أمرا مذهلا”.
ورأت أن “المتوقع من السلطات المعنية أن تعمل بلا كلل لإزالة جميع العوائق أمام التحقيق – سواء كانت هيكلية أو سياسية – ولكن ما يحدث هو العكس تماما”.
وكتب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من جهته على موقع اكس باللغة العربية “مرت أربع سنوات على الانفجار ولا أزال أفكر دائما في اللبنانيين”، مؤكدا “التزام فرنسا الراسخ اتجاه لبنان، ومطالبتنا بتحقيق العدالة لجميع الضحايا”.
وفي كلمة ألقتها خلال التظاهرة، عددت سيسيل روكز وهي واحدة من المحامين المدافعين عن الضحايا والتي فقدت شقيقها بالانفجار، أسماء المسؤولين السياسيين والأمنيين الذين عرقلوا التحقيق القضائي في الجريمة وأساؤوا استخدام نفوذهم.
وقالت إن المشكلة تكمن في “تواطؤ القضاء بأعلى المراكز مع الفاسدين”، مؤكدة أن “المجرمين لا يخيفون الشرفاء”.
وإثر الانفجار، عينت السلطات القاضي فادي صوان محققا عدليا ، لكن سرعان ما تمت تنحيته في شباط/فبراير 2021 إثر ادعائه على رئيس الحكومة حينها حسان دياب وثلاثة وزراء سابقين بتهمة “الإهمال والتقصير والتسبب بوفاة” وجرح مئات الأشخاص.
واصطدم خلفه القاضي طارق البيطار بالعراقيل ذاتها مع إعلان عزمه على استجواب دياب، تزامنا مع إطلاقه مسار الادعاء على عدد من الوزراء السابقين، بينهم نواب، وعلى مسؤولين أمنيين وعسكريين.
وامتنع البرلمان السابق عن رفع الحصانة عن النواب المذكورين، ورفضت وزارة الداخلية منحه إذنا لاستجواب قادة أمنيين ورفضت قوى الأمن كذلك تنفيذ مذكرات توقيف أصدرها. وغرق التحقيق بعدها في متاهات السياسة ثم في فوضى قضائية بعدما حاصرت بيطار عشرات الدعاوى لكف يده، تقدم بغالبيتها مسؤولون مدعى عليهم.
وخلال أكثر من ثلاث سنوات، تمكن البيطار من العمل رسميا لنحو ستة أشهر فقط، تعر ض خلالها لضغوط أنذرت بأزمة غير مسبوقة في الجسم القضائي، خصوصا بعدما أحبط مدعي عام التمييز السابق غسان عويدات محاولته استئناف التحقيقات مطلع العام الماضي.
وكان البيطار استأنف تحقيقاته في 23 كانون الثاني/يناير 2023 بعد 13 شهرا من تعليقها، وقرر الادعاء على ثمانية أشخاص جدد بينهم عويدات، وحد د مواعيد لاستجواب 13 شخصا مدعى عليهم.
لكن عويدات تصدى له بالادعاء عليه بـ”التمرد على القضاء واغتصاب السلطة”، وأصدر منع سفر في حقه، وأطلق سراح جميع الموقوفين في الملف.
إزاء ذلك، تراجع البيطار عن المضي بقراراته. لكنه يعتزم استئناف “إجراءاته اعتبارا من الأسبوع المقبل”، وفق مصدر قضائي.
وقال المصدر إن المحقق العدلي “سيحدد مواعيد دورية لاستجواب جميع المدعى عليهم الذين لم يمثلوا أمامه بعد (…) وفي حال امتنعوا سيصدر مذكرات غيابية بتوقيفهم”.
لم يعلق المسؤولون اللبنانيون على ذكرى الانفجار، في وقت تعيش البلاد توترا خشية تصعيد بين إيران وحزب الله وإسرائيل.
ودعت دول غربية وعربية عدة كان آخرها فرنسا، رعاياها إلى مغادرة لبنان، على وقع فصل جديد من فصول التصعيد بين حزب الله وإسرائيل، والذي بلغ ذروته بعد عشرة أشهر من تبادل القصف عبر الحدود اللبنانية بين الطرفين على خلفية الحرب في غزة.
وجاء التصعيد الأخير بعد اغتيال إسرائيل القيادي في حزب الله فؤاد شكر بضربة في الضاحية الجنوبية لبيروت الثلاثاء. وتلى ذلك اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية في طهران في عملية نسبت أيضا إلى إسرائيل. وتوعدت إيران وحلفاؤها بالرد على الاغتيالين.
خلال التظاهرة في المرفأ، قال وليم نون الذي خسر شقيقه من عناصر فوج إطفاء بيروت الذين هرعوا لإطفاء النيران في المرفأ، “السيد حسن (نصرالله) حنون على الجنوب وقاس على بيروت”، متهما حزب الله بعرقلة التحقيق وتهديد القاضي البيطار داخل قصر العدل.
أ.ف.ب