الجامعة القروية في دورتها الأولى بتارودانت تسلط الضوء على رهانات التنمية المستدامة بالمناطق الجبلية الفلاحة العائلية، مستقبل الشباب ووضعية المرأة.. في صلب الانشغالات

بيان24: محمد التفراوتي
نظمت جمعية «الهجرة والتنمية»، مؤخرا بتاليوين إقليم تارودانت، الدورة الأولى للجامعة القروية والتي شكلت أرضية للنقاش ولتبادل التجارب والخبرات بين الفلاحين والباحثين في مجال التنمية الترابية والقروية وكذا الفاعلين في المؤسسات الحكومية وفي الجمعيات والتعاونيات.
وتندرج الجامعة القروية في إطار برنامج «التنمية القروية المندمجة بالمناطق الجبلية بجهة سوس ماسة درعة بالمغرب». وهو برنامج وضعته جمعية «الهجرة والتنمية» بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية وبشراكة مع الجمعيات القروية والفاعلين في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وجمعيات المهاجرين والجماعات القروية وإدارات ووكالات التنمية. ويروم إلى تحسين مستوى عيش الساكنة القروية في المناطق الجبلية.
ومكنت الجامعة القروية، خلال يومين من التفكير والنقاش، من تدارس رهانات الفلاحة العائلية في تنمية المناطق القروية ومخطط المغرب الأخضر والفلاحة العائلية بين الطموح والواقع المحلي، ومستقبل للشباب في المناطق الجبلية وكذا دور المنظمات الفلاحية من أجل تنمية الفلاحة المقاومة للتحولات المناخية وللحفاظ على الموارد الطبيعية للجبال، ثم الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للمرأة القروية في المناطق الجبلية. فضلا عن عرض حول الاستراتيجية الوطنية لتنمية المناطق الجبلية بالمغرب.
وأضحت تنمية المناطق الجبلية ضرورة ملحة في جدول أعمال السياسات العمومية. وأفاد عبد الرزاق الحجري مدير جمعية «الهجرة والتنمية» أن التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة للمناطق الجبلية تشكل منذ حوالي 20 سنة، رهانا كبيرا بالنسبة لغالبية الدول عبر العالم وخاصة بالنسبة للدول السائرة في طريق النمو. وبذلك فإن الدول مدعوة إلى بلورة سياسات عمومية جديدة ومجددة لصالح تلك المناطق الهشة التي تتعرض لتأثير عوامل متعددة مثل التغيرات المناخية والاستغلال المفرط لمواردها الطبيعية، وكذا طرق وأساليب ضعيفة في التسيير والتدبير والحكامة.
ولبلوغ هذه الأهداف، تعبأت عدد من الدول ومن الفاعلين في المجتمع المدني عبر العالم من أجل التفكير والعمل، وذلك من خلال اتخاذ عدة مبادرات موجهة لدعم وتنمية المناطق الجبلية وموجهة بالخصوص لصالح سكانها. وقد تمثلت هذه المبادرات أساسا في تحسيس ومرافقة السكان ليواصلوا القيام بأنشطة اقتصادية وبإنتاج فلاحي ينبني على احترام البيئة. كما تركزت هذه المبادرات على الأنشطة البديلة والمستدامة والمكملة التي تسمح للسكان بضمان دخل كريم ودائم في مجالات السياحة البيئية والسياحة الجبلية.
وتغطي الجبال في المغرب مساحة 21 بالمائة من مجموع التراب الوطني ويعيش بها حوالي 20 بالمائة من السكان (31 إقليم و650 جماعة قروية). وتعتبر خزانا لموارد طبيعية هامة كما أنها تتوفر على إمكانيات فلاحية متعددة وعلى غابات ومراعي ومناجم تلعب أدوارا أساسية في حياة الساكنة القروية وفي اقتصاد البلاد. كما أنها مناطق غنية بثروة ثقافية وموروث ذي قيمة كبرى يمكنه، إذا ما تم استغلاله بشكل جيد وذكي، أن يشكل، في المستقبل، فرصة للتنمية بالنسبة للساكنة.
وبذل المغرب جهودا كبيرة وخصصت استثمارات ضخمة من أجل إخراج المناطق الجبلية من عزلتها وإدماجها في السياسة الوطنية للتنمية ولإعداد التراب الوطني. ورغم هذه الجهود والتحسن الملموس، ما تزال الساكنة القروية بشكل عام وساكنة الجبال بشكل خاص، تعاني من العزلة ومن نقص وصعوبة الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية.
وتكتسي المناطق الجبلية بالمغرب أهمية كبيرة بالنظر إلى ما توفره من موارد مائية ومن غنى وتنوع بيئي وثقافي، وكذا نظرا للأهمية الكبرى التي توفرها كمكان للاستجمام والسياحة وللثقافة التاريخية. لقد استطاع السكان الذين يقطنون في هذه الجبال أن يبدعوا ويطوروا معارف وتقنيات تقليدية يمكنها أن تكون ذات نفع كبير بالنسبة للتأقلم مع التحولات المناخية وبالنسبة لتقوية القدرة على مقاومة الضغوطات الناجمة عن هذه التحولات.
ويواجه الفلاحون في الجبال العديد من الإكراهات تتمثل في التحولات المناخية وتوالي مواسم الجفاف ومحدودية الموارد المالية، وكل ما يستخدم في إنتاج السلع وكذا محدودية الوصول إلى التكنولوجيا والبحث العلمي وخدمات التوجيه والإرشاد والتربية، وكذا صعوبة الوصول إلى الأسواق بسبب ضعف البنيات الطرقية وعدم توفر وسائل النقل المناسبة.
وتحدث رئيس الجمعية المغربية للعلوم الجهوية (AMSR) البروفسور عبد اللطيف الخطابي عن تجربة مشروع بحث التكيف مع تغير المناخ في حوض تانسيفت (GIREPSE)، كمشروع طموح ينشد دعم ساكنة المناطق الجبيلة للتكيف مع الظروف الجغرافية الصعبة فضلا عن تغير المناخ بجميع أنحاء حوض تانسيفت مع تركيز البحث على الحوض الفرعي لأوريكا، وعبر تطوير إجابات فعالة ومنصفة تقلل مخاطر المناخ، وتحسين النظام المائي والإيكولوجي وتعزيز الخدمات البيئية.
وأوضح الخطابي مرامي المشروع البحثي الذي يهدف إلى تحسين القدرة على تكيف ساكنة المنطقة ومرونة النظم الإيكولوجية من خلال دمج وضع المناخ والأدوات القائمة على السوق من قبيل دفع مقابل الخدمات البيئية، وفي الاستراتيجيات وخطط العمل بيئية وتنموية. كما أن غنى السياق الاجتماعي والاقتصادي والبيئي المحلي، يضيف الخطابي، يفسح المجال لتنفيذ المشروع ويوفر الفرصة لنهج سليم لمجموعة من العناصر التي من خلالها يتم تحديد الإدارة المتكاملة للموارد المائية في البرنامج العملي وكذا محاولة وضعه في سياق يأخذ بعين الاعتبار القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وموازاة مع ذلك يهتم المشروع ببناء القدرات التقنية للأطراف المعنية والمؤسسات عبر التدريب والتوعية. كما يتم استثمار مقاربة النوع من خلال المشاركة الفعالة للمرأة في بلورة أفكار المشروع وتنفيذه. وينشد المشروع تعزيز قدرات صانعي السياسات والمجتمعات المحلية في التأقلم مع تغير المناخ و تقييم الخدمات البيئية في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية. كما أن الهدف العام من المشروع البحثي، يوضح الخطابي، هو صياغة مبادئ توجيهية استراتيجية للإدارة المتكاملة للموارد المائية (GIRE) في المغرب، مع استيعاب محددات التأثر بتغير المناخ والخدمات البيئية المتعلقة بالموارد المائية. ويشارك في إنجاز هذا المشروع مجموعة من المؤسسات البحثية الوطنية والدولية بتنسيق جمعية  (AMSR).
وناقش المشاركون وضع الفلاحة العائلية التي تعد النشاط الاقتصادي الرئيسي لسكان الجبال. وقد أطلق المغرب في 2008 برنامجا طموحا هو «مخطط المغرب الأخضر» الذي يولي أهمية خاصة للفلاحة التضامنية وخاصة من خلال محوره الثاني الذي يرمي، من بين ما يرمي إليه، إلى محاربة  الفقر في العالم القروي عبر الرفع البين لمستوى الدخل الفلاحي في المناطق الأكثر فقرا.
وتدارس المشاركون عبر ثلاث ورشات مواضيع «تقييم لإمكانيات المناطق الجبلية من أجل تحقيق تنمية مندمجة»، و»الجماعات المحلية ومسؤوليات التنمية المدمجة للشبان وللنساء في التنمية المجالية للمناطق الجبلية»، ثم «المساهمات وآفاق التنمية بالنسبة للفلاحة البيئية في المناطق الجبلية».
وشهد الملتقى استعراض تجارب عدة فاعلين وعرض مقاربة متجددة لدعم التنمية المستدامة للمناطق الجبلية  من خلال تجربة جمعية «تاركا تعاون».
يشار أن الملتقى شهد مشاركة مختلف الجهات المعنية بهذه الجامعة من مختلف التنظيمات الفلاحية النشيطة ومن الجماعات المحلية بالمناطق الجبلية بجهة سوس ماسة ودرعة تافيلالت، ومختلف المؤسسات التي لها علاقة بالتنمية القروية.

Related posts

Top