ذاكرة محمد حسن الجندي

أجمع نخبة من الفنانين والفاعلين في المجال المسرحي المغربي، على أن الراحل محمد حسن الجندي كان يعتبر من بين أهرام وأعمدة الانتاج المسرحي والسينمائي في المغرب، عبر قيامه بالعديد من الأعمال الفنية على المستوى المغربي والعربي.
وجاء هذا في جلسة أقيمت أول أمس الخميس حول “ذاكرة محمد حسن الجندي”، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، والتي شهدت مشاركة كل من هاجر الجندي نجلة الراحل، وأنور الجندي ابنه، والكاتب والباحث أحمد مسعاية والكاتب المسرحي والإعلامي الحسين الشعبي.

نجلة الراحل.. لم أستوعب فكرة رحيله

أكدت هاجر الجندي ابنة الفنان الراحل، أنها إلى حدود الساعة لم تستوعب بعد فكرة رحيل أبيها، حيث تشعر أنه ما زال يعيش معها ووسط عائلتها الصغيرة.
وأضافت الكاتبة والممثلة هاجر الجندي في معرض مداخلاتها، أن الراحل كان أبا لمجموعة من الفنانين المغاربة، الشيء الذي منح آل الجندي أسرة ممتدة تنبع بالعطاء والإبداع والمحبة، بحكم تواضعه وولعه بالمجال الفني بالمغرب سواء أكان مسرحا أو سينما أو كتابة.
وأشارت ذات المتحدثة، أن المحتفى به كان يكرر دائما مقولة أن الثقافة هي ما يبقى عالقا في الأذهان بعد القراءة والحفظ، بحيث أن الثقافة التي لا تعطي إسقاطا على سلوك الفرد في حياته اليومية لا يتوجب وجودها في ذهنه كقارئ وكباحث، ولا معنى لوجودها في الرفوف على مستوى الكتب.
وتمكن والدي تضيف نجلة الراحل، أن يمزج بين البعد الأمازيغي بحكم أنه ينتمي إلى منطقة أمزميز، وبين الدفاع عن اللغة العربية الجميلة في ظل موجات التعريب التي عرفتها أم اللغات.
واعتبرت في سياق مداخلتها، أن أباها محمد حسن الجندي قد صنع لها أسرة حقيقية ممتدة في الوطن العربي، بحكم معرفته بالعديد من الفنانين خارج المغرب، الذي مثله أحسن تمثيل في مجال السينما والدراما والمسرح.
وختمت هاجر الجندي مداخلتها بالقول: “كان لي الشرف أن اشتغلت مع والدي في عملين تلفزيونيين من إنتاج قناة محمد السادس للقرآن الكريم وهما مسلسل دعاء الأنبياء ومسلسل الشفاء”.

أنور الجندي.. تعمدت اليوم أن أرتدي قفطان أبي

وبدوره، أوضح نجل الراحل والممثل أنور الجندي، أنه في مقابلة تلفزيونية في إحدى القنوات العربية، حاولت الصحفية أن تستفزه بعدما أجاب بأنه لا يعيش في جلباب أبيه ولا قفطان أمه، مشيرا بالقول إن الصحفية قد فهمت بأنني عاق.
واستطرد الجندي خلال مداخلته في جلسة ذكرى الراحل محمد حسن الجندي قائلا: “تعمدت اليوم أن أحضر إلى هاته الجلسة مرتديا جلباب أبي الراحل الذي طالما كان الصديق والأخ ومنير طريقي في المجال الفني، في فترة الرعيل الأول من الفنانين”.
وحول ذات الموضوع، أكد الجندي، أنه سبق له أن اشتغل مع الراحل في سلسلة الملاحم، حيث كان يتقاضى أقل تعويضا ماليا في المجموعة التي ساهمت في إنجاح هذا العمل الفني لكونه كان ابن محمد حسن الجندي، الذي يعتبر واحدا من أعمدة وأهرام تاريخ المغرب في مجال السينما والمسرح والفن.
واعتبر ذات المتحدث، أن أباه قد هاجر خارج بلاده الأم من أجل البحث عن لقمة عيش، في مرة أولى رفقة عبد الهادي بلخياط وعزيز الفيلالي، قبل أن يعود ويهاجر مرة ثانية إلى قناة الـ”بي بي سي” التي اشتغل فيها كمقدم لبرنامج كشكول المغرب.
وبعد مرور سنوات، يضيف نجل الجندي قائلا: “في يوم من الأيام، سمع الراحل الملك الحسن الثاني صوت والدي في إذاعة الـ”بي بي سي”، الشيء الذي دفعه إلى السؤال عن كيفية رحيله عن الإذاعة الوطنية التي ترعرع واشتغل فيها لمدة سنوات، ليأمر بعد ذلك بعودة محمد حسن الجندي إلى المغرب ويمكنه من منصبه الذي فقده قبل الرحيل إلى قناة الـ بي بي سي”.
وأشار الجندي، أن أباه مات حزينا حيث أن ما يقارب 90 في المائة من أعماله الفنية والسينمائية لم يشاهدها الجمهور المغربي، في إشارة إلى رفضه العديد من المرات تلقي مبالغ مالية من أجل احتضان أفلامه التي تملك شعبية واسعة على المستوى المغاربي.
وأفصح نجل الراحل في ختام مداخلته، أنه سيقيم حفلا تأبينيا لأبيه في ضواحي مدينة باريس يوم 31 مارس القادم، داعيا، كل الفنانين الذي عاصروا الراحل على الحضور بكثافة إلى هذا الحفل، من قبيل المحجوب الراجي أمينة رشيد نعيمة إلياس وآخرين.

أحمد مسعاية.. الراحل دائم الدفاع عن اللغة العربية

ومن جانبه، قال أحمد مسعاية، إنه بمجرد ذكر مكون اللغة في المجال الفني، يتبادر إلى ذهنك الراحل محمد حسن الجندي، بلغته الفخمة وفصاحته التي طغت على كامل أعماله الفنية، ودفاعه المستمر عن اللغة العربية كشرط أساسي من شروط نجاح العمل الفني.
وأضاف الأستاذ والباحث في جلسة خصصت لذكرى الراحل محمد حسن الجندي، أنه قد تواصل مع أنور الجندي من أجل إدراج اسم أبيه في دليل المسرح المغربي رفقة كل من عبد الله العمراني وعزيز موهوب في فرقة الأمل، الشيء الذي سيعمل على إدراجه في باقي النسخ القادمة.
وناشد ذات المتحدث، شباب المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، بضرورة التعرف وقراءة سيرة وأعمال الراحل، بحكم أنه كان واحدا من الأساتذة القلائل الذين درسوا في فترة تواجد الجيل الأول من الفنانين، متمنيا، أن يتواصل مسلسل إحياء ذاكرته وصونها من الضياع، عبر أرشفة الأعمال الفنية التي قام بها خلال مساره الحافل بالعطاء، شأنه في ذلك شأن الطيب الصديقي والطيب العلج.
وختم مداخلته المقتضبة، بكون أن محمد حسن الجندي كان يتوفر على خصلة الاعتراف، حيث أن جميع كتاباته كانت لا تخلو من ثقافة الاعتراف بعبد الله شقرون الذي كان يعتبره الأب الروحي له.

الحسين الشعبي.. تنظيم ملتقيات تمجد لذاكرة الفن

وأكد الحسين الشعبي في معرض حديثه حول الراحل محمد حسن الجندي، أنه وجب تنظيم ملتقيات ودورات ومواسم سنوية تحمل اسم العظماء، كالطيب الصديقي وأحمد الطيب العلج، الشيء الذي سيساهم في حفظ وصون الذاكرة الفنية والتاريخية لهاته الشخصيات التي بصمت أسماءها في الميدان الفني.
وأضاف الكاتب المسرحي والإعلامي قائلا: “الجندي يملك ذخيرة من الأعمال الفنية سواء في السينما والمسرح والكتابات، بحكم أنه ليس كسائر الفنانين، إذ تجد في غالب الأحيان فنانا نجما وله اسم ساطع، لكن مع ضعفه على المستوى الثقافي”، مشيرا بالقول: “الراحل لم يكن أكاديميا ولم يدرس السينما ولا المسرح، لكن قرأ وبحث ووصل إلى كل الأهداف التي كان يرمي لها في مساره الفني”.
ويعتبر الراحل – يضيف الشعبي- من أول الفنانين الذين استطاعوا استثمار الثقافة الشعبية في الدراما الإذاعية في ستينيات القرن الماضي، بالرغم من صعوبة إيصال الرسالة إلى المستمعين، مستعملا المؤثرات الصوتية، ومتسائلا: كيف استطاع أن يقنع مؤسسة عمومية في الاستثمار في الموروث الشعبي؟
وبخصوص ذكرى الراحل محمد حسن الجندي، اعتبر الحسين الشعبي أن الجندي كان مصرا على أن يخلق نمطا مسرحيا متفردا في الإلقاء، مستفيدا من الخبرة التي راكمها في التجارب الفنية ومن سيرته الطويلة في المجال.
واستطرد الكاتب المسرحي الحسين الشعبي قائلا، “إن الراحل ذات مرة أكد لي أنه أمازيغي من نواحي أمزميز، لكنه كان دائم الانتصار للغة العربية التي تعطيه مصدر إلهام وإحساس للتعبير. مشيرا إلى أن الرجل لا يبيع نفسه، الشيء الذي جعله يتوارى عن الشبكة العنكبوتية.
وختم الحسين الشعبي حديثه بالتأكيد مرة ثانية، على ضرورة خلق تقاليد سنوية، حول الفنانين الذي أعطوا الكثير لهذا المجال، من خلال المنتديات واللقاءات والمهرجانات.

> متابعة: عادل غرباوي

Related posts

Top