غرامات التأخير على أداء فواتير الماء والكهرباء يثير استياء وغضب المواطنين

أثارت عودة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، تطبيق الغرامة على المواطنين الذين يتأخرون في أداء الفواتير، بعدما تم تعليقها خلال السنتين الأخيرتين بسبب انتشار جائحة فيروس “كورونا”، استياء وغضب العديد من المواطنين، خاصة لما تطرحه هذه الغرامات من إشكالات قانونية، في ظل فرضها دون أي إشعارات مسبقة للمعنيين، وفي وقت لا يتوصل العديد من المستهلكين بالفواتير من الأصل إضافة إلى الانقطاعات المتكررة للمياه الصالحة للشرب عن عدد من المدن المغربية. وكان المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب “ONEE” قد تعهد نهاية السنة الماضية، بالشروع في إعادة تطبيق تغريم زبنائه المتأخرين عن تسديد فواتيرهم خلال الأجل القانوني، وفق الشروط نفسها التي كان معمولا بها قبل تعليقها بسبب جائحة “كورونا”. وفي وقت يعبر فيه المغاربة عن غضبهم من هذه القرارات على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، ويلوح فيه آخرون باللجوء للقضاء، حاولت جريدة بيان اليوم بعد تأكدها من فعلية فرض هذه الغرامات، التواصل مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب – قطاع الماء، للوقوف على السند القانوني الذي يعتمده في سن هذه الغرامات، كما تم التواصل مع الأستاذ محمد ألمو المحامي بهيئة الرباط والناشط الحقوقي، للوقوف على مدى قانونية هذا الإجراء. 

عقدة الاشتراك

وفي هذا الصدد أوضح المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، أن تطبيق غرامة التأخير على أداء فواتير استهلاك الماء الصالح للشرب وخدمة التطهير السائل يعد إجراء مسطريا معمولا به على الصعيد الوطني من طرف المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. وتابع المكتب في جواب خاص لجريدة بيان اليوم حول “تطبيق المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب غرامات التأخير على فواتير الاستهلاك والسند القانوني الذي يعتمده في ذلك”، أن هذا الإجراء منصوص عليه في عقدة الاشتراك المبرمة مع الزبون، مبرزا أن هذه العقدة تنص في فصلها الخاص بتعليق تزويد الماء على أنه: “تؤدى فواتير الماء والتطهير والإيصالات الاجتماعية داخل الآجال المحددة في الفواتير، وعند انقضاء الآجال القانونية، تطبق غرامات التأخير طبقا للمساطر الجاري بها العمل بالمكتب”.

إجراء اضطراري

واستطرد المكتب في رده على سؤال بيان اليوم: “وهكذا فإن تفعيل الغرامات يعتبر كآخر إجراء اضطراري لاستخلاص الفواتير المستحقة في الآجال المحددة كما أنها تمكن من تفادي فسخ عقدة الاشتراك، وما يترتب عنها من مصاريف إضافية لإعادة التزويد من طرف المشترك المتأخر عن أداء ما بذمته من مستحقات تجاه المكتب”. وأشار المكتب في الجواب ذاته، إلى أن “تطبيق الذعيرة لا يتم تفعيله بطريقة تلقائية، بل إن المكتب يراعي الاكراهات التي قد تعاني منها بعض المراكز خاصة مشاكل التغطية أو البعد عن نقط الاستخلاص بحيث يتم تمديد آجال تطبيق الذعيرة متى توفرت الشروط لذلك”.

تسهيل الأداء

وأضاف المكتب أنه وبحكم مجال تدخله في توزيع الماء الشروب بالمدن المتوسطة والصغرى وكذا الوسط القروي، قد أولى عناية خاصة بوسائل الأداء عبر: توفير أكثر من 5.000 نقطة استخلاص لتقريب الخدمات من الزبناء موزعة على كافة المراكز لتمكين الزبون من أداء ما بذمته بمقربة من مقر سكناه حتى وإن لم يتوصل بعد بالفاتورة وذلك عبر الإدلاء برقم العقدة التي تربطه بالمكتب أو بفاتورة سابقة. تسخير وكالات متنقلة عند الاقتضاء في الأسواق الأسبوعية والمناطق النائية التي قد تعرف مشاكل في التغطية لاستخلاص الفواتير.  إحداث تطبيقات للدفع الالكتروني وقنوات لاستخلاص الفواتير نذكر منها الموقع الرسمي للمكتب على الرابط الإلكتروني https://Onee-bo.tasshilat.ma. عقد إذعان

من جهته، شدد المحامي بهيئة الرباط محمد ألمو، على أن الزيادات أو الغرامات التي تفرضها المؤسسات المكلفة بتوزيع مادتي الماء والكهرباء على المواطنين بدعوى أنها تشكل دعائر عن التأخير في أداء الفواتير، هي غير قانونية بحكم حجم المبالغ المفروضة التي تبدأ من 30 درهما أو تتجاوزها أحيانا عن كل فاتورة مفروضة تم التماطل بخصوص أدائها، وأيضا غير قانونية لكونها مفروضة من طرف أحادي. وأضاف المحامي والناشط الحقوقي ذاته، في تصريح لجريدة بيان اليوم، “أننا أمام عملية تعاقدية بين المواطن والمؤسسة المزودة لهذه المادة، ومناط هذا التعاقد هو التزامات متبادلة، أساسها تزويد المواطنين بالماء والكهرباء مقابل أدائهم واجبات عن حجم الاستهلاك، وبالنسبة للدعائر أو مبلغ الدعيرة فهي غي مضمنة بالعقد”.  

واستطرد الأستاذ ألمو: “وحتى وإن ضمنت هذه الدعائر أو أشير لها بالعقد فلا يجب أن تصل إلى هذا الحد (30 درهما) أو تتجاوزه، كما أنها قبل كل شيء حتى لو ضمنت فهي تعتبر إذعانا وشروطا إذعانية يمكن التملص منها والدفع بعدم الامتثال لها لأنها تخالف النظام العام، حيث إن الأمر يتعلق بمواد حيوية وحاجيات ضرورية غير مفتوحة أمام باب التعاقد التجاري الواسع، وهي خاضعة لوصاية الدولة”.

اختصاص قضائي

وأوضح المستشار القانوني والمحاضر في مجال حقوق الإنسان نفسه، أن من يمكنه أن يفرض الغرامات على الأداء أو التعويض عن التماطل هو القضاء، مبرزا أن “القوة التي تتمتع بها هذه المؤسسات الخاصة بتوزيع الماء والكهرباء وتستغلها لفرض هذه الدعائر وإجبار المواطنين على الامتثال لها وعدم معارضتهم فيها أو اللجوء إلى الوسائل القانونية للتصدي لها، تكمن في قطع هذه المادة الحيوية، وبالتالي يضطر المواطن إلى أداء ما بذمته، خاصة أنه حتى وإن لجأ إلى المساطر القانونية سيضطر إلى دفع تكاليف أكبر من المبالغ المستحقة والدعائر المفروضة، وهو ما دفع إلى التطبيع الملاحظ مع هذه السلوكيات المخالفة للقانون، لدرجة أن البعض أصبح يعتقد أنها سليمة”. 

عقود تعسفية

وتساءل ألمو مستنكرا عما إذا كنا أمام عقد بمفهومه القانوني، أي اتحاد إرادتين واتفاقهما على بنوده وشروطه، مستدركا: “طبعا لا، فنحن أمام عقد إذعان وشروط إذعانية تضعها الجهة المكلفة بتزويد المواطنين بمادتي الماء والكهرباء مسبقا، ولا تجعلها محلا لأي منازعة أو مراجعة من طرف الأفراد، وتكون صادرة عنها بإرادة منفردة، وتفرضها على المواطنين، ولا يمكن لأي كان رفضها، حيث إن المنازعة فيها أو رفضها يعني رفض التزود بالماء والكهرباء، وبالتالي نحن لسنا أمام عقد قانوني، ولا يمكن لهذه العقود التعسفية الإذعانية أن تجد مسارا للتطبيق أو يمكن الاحتجاج بها، لكونها غير قابلة للتطبيق، لأنه حتى عندما نتحدث عن غرامة التأخير، يجب تحديد مفهوم هذا التأخير ومدته حتى يكون الجزاء بهذه القوة وبهذا المبلغ الضخم”. واعتبر المحامي ألمو أن القضاء باعتباره حامي حقوق الأفراد ويسعى إلى التطبيق السليم للقانون وهو من يفسر العقود ويعطي الشرعية لها وما إن كانت مقبولة أو لا، سيتصدى لهذه الشروط الإذعانية والتعسفية وسيقوم بإلغائها أو تعديلها إذا ما لجأ إليه أحد المواطنين، مشددا على أنه “لا يمكن لهذه الجهات أن تصرف إرادتها المنفردة وتفرضها على المواطنين وتعتبرها قانونا منزلا يجب أن يحتكم له الجميع وأن نضع رقابنا تحت مقصلة هذه القعود الإذعانية، وتفعل بنا ما تشاء، هذه الأمور يجب أن تعاد فيها النظر، لأننا لسنا أمام مسألة تعاقدية اختيارية وتعددية يمكن للمواطن أن يختار، بل نحن أمام مادة حيوية يتم فرض شروط تعسفية على المواطن للاستفادة منها”.

نزع العداد

في سياق متصل أشار محمد ألمو أنه بالنسبة لنزع العداد يجب أن تسبقه إجراءات الإشعار، موضحا أن “الإشعار ليس هو رمي ورقة الإنذار من أسفل الباب، بل يجب الإشعار والتوفر على ما يفيد توصل المواطن بالإنذار، ويكون هناك أجل كافي واضح في الإنذار ينذر المعني أنه في حالة عدم أدائه سيتم إزالة العداد”.

نتائج كارثية

وقال ألمو إن أن عملية إزالة عداد الكهرباء الفجائية تترتب عنها نتائج كارثية، حيث إن صاحب المنزل قد يكون في سفر ويكون لديه في الثلاجة مواد ثمينة أو بعض المواد التي قد يتسبب تلفها إثر انقطاع الكهرباء في تعفنات يمكن أن تؤثر بيئيا وصحيا من قبيل الأسماك، كما أن هناك من لديه أدوية في الثلاجة لأمراض مستعجلة، فضلا عن الأجهزة المنزلية، والحاسوب حيث إن هناك من أصبح يعمل عن بعد، فضلا عن أن هناك من لديه أجهزة طبية تستغل بالكهرباء وبالتالي هذه الخطوة يمكن أن تتسبب في نتائج كارثية”. وأكد ألمو على أن نزع العداد وقطع الماء والكهرباء دون إشعار بأجل كافي لا يقل عن شهر مسألة تخالف القانون، مشددا على أن ما تقوم به هذه المؤسسات غير قانوني وإذا لجأ المواطنون للقضاء فالتطبيق العادل له هو إنصاف هؤلاء المواطنين وقد يتم الحكم بتعويضات لهم جراء هذا العمل غير القانوني.

تراكم المستحقات

في سياق متصل، يذكر أن ONEE شار في بلاغ سابق له، إلى أن الإجراءات المؤقتة والمرتبطة بالجائحة، أدت إلى تراكم مبالغ مهمة من المتأخرات لدى زبائن المكتب، كما أدت أيضا إلى مراكمة مجموعة من المشتركين لعدة فواتير مما أثقل كاهلهم وصعب عليهم تسوية وضعيتهم. وفي ظل هذه الظروف، فقد عمد المكتب حسب البلاغ ذاته، إلى تأجيل إعادة تفعيل غرامة التأخر لشهور عدة بعد انتهاء فترة الحجر الصحي وعمل على منح كافة التسهيلات والتحفيزات للأداء وإعادة جدولة المستحقات للمنخرطين الذين عبروا عن رغبتهم في ذلك. إلا أنه ورغم هذا التمديد المطول، يضيف المكتب، لم تستجب شريحة عريضة من المشتركين لهاته التراخيص المؤقتة لتسديد ما بذمتها من مستحقات مع تداعياتها السلبية على خزينة المكتب حيث وصل المبلغ الغير المستخلص حوالي 650 مليون درهم دون الأخذ بعين الاعتبار المستحقات عن سنة 2023، الأمر الذي دفع بالمكتب إلى إعادة تفعيل الإجراءات المعمول بها بصفة تدريجية، ابتداءً من فاتح يناير 2023، ومن ضمنها تطبيق غرامة التأخر على الفواتير التي استوفت أجلها والمتعلقة بسنة 2022 وماقبل. وذكر المكتب بأن الهدف من اللجوء إلى هذا الإجراء يتمثل أساسا في استخلاص مستحقات المكتب حتى يتسنى له الوفاء بالتزاماته لضمان استمرارية تزويد المواطنين بهذه المادة الحيوية في أحسن الظروف.

عبد الصمد ادنيدن

 

Related posts

Top