الناشر المغربي طارق سليكي لـ: “بيان اليوم”

تعد دار النشر سليكي إخوان التي يوجد مقرها بطنجة، من بين أنشط دور النشر المغربية، حيث استطاعت أن تنال ثقة أبرز الكتاب المغاربة، بالنظر إلى جديتها واستقامتها وحسها بالمسؤولية، فضلا بطبيعة الحال عن جودة الإخراج والطباعة. للاقتراب أكثر من سر نجاح هذه المؤسسة الناشرة، كان لبيان اليوم حوار صاحبها طارق سليكي، الذي تحدث عن بداية النشأة والمسالك والدروب الصعبة التي قطعتها هذه الدار لبلوغ مراتب المجد.

< كيف جاءتك فكرة تأسيس دار للنشر؟
> لعل البداية ترجع إلى أكثر من خمسة وعشرين سنة للوراء عندما كان الأخ الأكبر خالد سليكي يهيء ديبلوم الدراسات العليا، وقرر اقتناء أول حاسوب للاشتغال عليه وبعد ذلك ظهرت أولى الإمكانيات التي أتاحتها البرامج لإخراج البحوث والجرائد المحلية، فكانت هذه هي أولى البدايات، فقررنا أن ننشئ مؤسسة تشتغل في مجال الإعلاميات والطباعة والنشر، الشيء الذي جعل العلاقات منحصرة مع الباحثين والإعلاميين والمنشغلين بهم الثقافة والإعلام، ومن هنا بدأت الرحلة لندخل عالما سميناه بعد التأسيس مباشرة التالوث الذي سيشغلنا ونشتغل عليه وبه هو الإعلاميات والطباعة ثم النشر، هذا الأخير هو الذي سيصبح مجال الاهتمام رقم واحد.

< ما هي الكتب التي تقوم المؤسسة بنشرها؟
> نحن في الدار منفتحون على جميع مجالات المعرفة من الإبداع بجميع فروعه والفلسفة والنقد والدراسات والتاريخ وو.. لكن ربما في السنوات الأخيرة وبعد تقييم سنوات من العمل بدأنا نتوجه إلى ما هو تاريخ ودراسات وفلسفة أكثر من الإبداع وهي في الواقع إملاءات تفرضها طبيعة الأسواق التي تستقبل الكتاب العربي.

< هل لديكم خط تحريري لطبع الكتب؟
> في الواقع لم نرد يوما أن نتقيد بمجال معرفي معين ونتخصص فيه حتى يكون لنا حظ أوفر ومساحة أوسع في معاملاتنا والأسواق التي يمكننا ولوجها وطبيعة القراء.
الخط التحريري الذي ننهجه هو أن نبتعد عن كل ماهو أيديولوجي او تافه. ربما نخطأ أحيانا ونصيب أحيانا أخرى ولكن هذه هي طبيعة العمل.

< هل تحرصون على أن تكون هناك لجنة للقراءة والتحكيم؟
> أكيد للدار لجنة للقراءة في عدة تخصصات بل ولنا حكماء الدار نرجع إليهم وبفضلهم وبفضل مساندتهم ودعمهم اللامحدود لازال في القلب نبض.
هذه اللجنة تسهر على قراءة الأعمال وتقييمها وتوافينا بتقريرها وبعد ذلك نقرر صيغة النشر ووقت النشر.

< ماهو المجال الأكثر مردودية: الأدب، الفكر، الدين، العلوم..؟
> سؤال يصعب الإجابة عليه لأن المسألة متعلقة بالمكان، ولكن بشكل عام الدراسات والتاريخ يأتي في المقدمة.
< كيف هي علاقتكم بالجهات التي تدعم النشر؟
> ماذا تعني بالجهات الداعمة، هل تقصدون الوزارة الوصية وهي وزارة الثقافة، أم كل الجهات التي تدخل في دعم الكتاب من الوزارة والجامعة والجماعات المحلية وو..
فإذا كان قصدك وزارة الثقافة فيمكنني أن أقول أنها وبدون محاباة في الكثير من الأحيان أكثر حداثة ورفعت السقف عاليا حتى على الناشر المغربي، ولاينبغي لنا أن نغطي الشمس بالغربال ونحمل فشلنا على الآخر، الوزارة الوصية تدعم الكتاب وتدعم العديد من المعارض على المستوى الدولي، لكن في المقابل الناشرون مطالبون بأن يرفعوا هم كذلك سقف القطاع إلى مستوى الدول التي صنعت التاريخ.
وأعتقد أن الدعم يجب أن يكون مرهونا بجودة المشاريع وليس العكس. وثقافة الكتاب يجب أن تكون هم كل القطاعات وأن تفهم كل الوزارات الأخرى بدون استثناء أن الثقافة لا تنحصر فقط في مهرجانات الغناء. بل يجب أن تمتد إلى كل ماهو منتج للفكر والمعرفة بشتى تلاوينها.

< ما الصعوبات التي تواجهها كناشر؟
> الصعوبات التي تواجه الناشر بالدرجة الأولى هي الجهل بمهنته ووظيفته، وإيجاد حل حقيقي لمسألة توزيع الكتب، وانفتاح دور النشر على بعضهم البعض ومشاركة التجارب والاستفادة منها بحسناتها وسيئاتها.

< كيف تنظرون إلى علاقة الناشر بالموزع والكتبي؟
> كل يغني على ليلاه، الناشر ينتج ويخرج للمعارض من أجل إيصال كتبه للقارئ، وبذلك يكون صانعا لكل حلقات الكتاب من المادة الخام حتى يصل لمستهلكه النهائي، وهو بذلك يشتت مجهوده في شغل ليس له وهذه هي طامتنا الكبرى. أولا الموزع في المغرب شبه منعدم ولن أبالغ إن قلت لك إنه غير موجود، وبالنسبة للمكتبات فهي تقبل ما تريد وترفض ما تريد، وهنا أخص بالذكر أن المكتبات ترفض بعض أنواع الإبداع بشكل قطعي بحجة أن ليس هناك إقبال، وفي أحيان أخرى المكتبات لا تتعامل بموضوعية مع الدور في عرض الأعمال، لذلك نحن في حاجة إلى مصالحة حقيقية بين هؤلاء الشركاء على أن تكون العلاقة التي تجمعهم مبنية على المهنية وبعيدة عن العواطف والحسابات التافهة.
< ما هي الكتب التي ترون أنها تستقطب القراء أكثر؟
> إذا كان المغرب هو المعني بهذا السؤال أستطيع أن أقول لك أن الكتب المتخصصة سواء في القانون أو التاريخ أو الكتاب الأكاديمي النفعي يأتي في المقدمة، لأن أغلب القراء يقتنون الكتب التي يمكن أن تضيف لهم شيئا في مجال اختصاصهم.

< ما هي نسبة الكتب المترجمة التي تطبعونها؟
> الترجمة هي مقياس التقدم، لكن للأسف لازال هذا الجانب محتشما عندنا في الدار، إذ لا تتجاوز نسبة الترجمة عندنا 3% من مجموع ما نشرناه، إذ الترجمة تتطلب إمكانيات مادية هامة، نصيب الأسد يكون من نصيب المترجم وهو في أغلب الأحيان لايؤمن بالبعد الرمزي للنشر ولايؤمن بالمغامرة، لأن حقوق ترجمة الكتاب مع تكلفة الترجمة مع تكاليف الطبع يجعل العمل باهضا، خصوصا في حالة الطبع الذي لا يتجاوز الألف نسخة وهذا باب لايمكن ولوجه إلا من خلال مؤسسات داعمة.

< ما رأيك في النشر الالكتروني؟
> هذا واقع يفرض نفسه علينا كل يوم، ولامفر منه وربما سيحل جزءا كبيرا من مشاكلنا، هو الطريق المفتوح على كل البيوت، سيجعلنا نصل إلى أماكن يستحيل علينا الوصول إليها ورقيا، ولكن حقا نفكر في الموضوع بجدية، لم تتوفر الظروف والجهة المناسبة بعد، لكن مشروع له أولوية عندنا في القادم من الأيام.

< ما مدى تأثير الكتب الرقمية على نشاطكم؟
> الكتب الرقمية لايمكن إلا أن تؤثر بشكل إيجابي على النشر بشكل عام، فهي تخلق قراء جددا اكتشفوا لوعة ومتعة القراءة بالصدفة ستجعلهم يشترون ويبحثون عن الكتاب الاليكتروني. في عدة مجالات، صار هو البديل الحقيقي كالموسوعات، لم يعد الورق يستوعبهم لأن الاليكتروني يتيح مجال التصحيح والتحيين ومرافقة الفيديوهات والصوت وو.. في حين أن الورقي مكلف ويتجاوز بسرعة. وبالنسبة لأنواع أخرى من الكتب وفي غياب موزع يتجاوز الحدود يبقى الكتاب الرقمي هو الأمثل.

< ما هي نصيحتك لكاتب يود نشر كتابه الأول؟
> لن أسميها نصيحة ولكن ما أعتقد فيه، المبدع بشكل عام ينتج أفكارا ويريد مشاركتها مع الآخر، والناشر حلقة وصل لايمكن تجاوزها للوصول لهذا الآخر، الناشر، كما أعتبره، شمعة تحترق ليحيا الكاتب والقارئ، الجميع يذكرون الكاتب ولكن نادرا مايذكر الناشر.
< ما هي نصيحتك لمن يفكر في إنشاء دار للنشر؟
> أعتقد أننا في حاجة إلى المزيد من دور النشر في كل ربوع المملكة، أن يكون مؤمنا بالمغامرة والنفس الطويل أن يكون الكتاب شغفه، إنشاء دار النشر يعني أنك تساهم في صناعة التاريخ.

< هل هناك تعاون بين الناشرين في ما بينهم؟
> كما أشرت من قبل، لازات العلاقة بين دور النشر فيها نوع من الالتباس، ليس بشكل عام، هناك علاقات جد وطيدة مع البعض وفيها تعاون وتواصل بشكل مستمر، إلا أن في عمومها غير مرضية البتة، نأمل مستقبلا في تأسيس جسور حقيقة تجعلنا نبحث عن تقاطعاتنا أكثر من الأشياء التي نختلف فيها، وربما بدأت خيوط جد إيجابة تطفو على السطح من خلال اتحاد الناشرين المغاربة الذي يضم أغلبية الدور المغربية، إذ هناك مشاريع جادة في طور الصياغة سيفصح عنها المكتب التنفيذي قريبا.

< ما هي المجالات التي يوجد فيها خصاص من حيث التأليف؟
> ربما المجال الذي لايزال يعرف خصاصا كبيرا هو كتاب الطفل، بجميع أعماره، بحاجة إلى ثقافة مغربية قحة وليست كتبا مستوردة بثقافة مستوردة، إذا كنا نفكر في المغرب المأمول فيجب الرهان على الطفل أولا فهو مستقبل البلاد ولا ينبغي الرهان على الصدفة والحظ، الثقافة صناعة وجيل المستقبل يصنع الآن، كتاب الطفل ثم الطفل وبعدأه يأتي الكبار.

< هل هناك انفتاح على السوق الخارجي؟
> حياة واحدة لاتكفي، والاكسير المتاح لأن تعيش أكثر من حياة واحدة هو الكتاب والانغماس في عوالمه، عوالم مغرية يمكن أن تنتشلك من كل أنواع البؤس والخوف من مواجهة الحياة والإخفاق.
عرف المغرب خلال العقدين الأخيرين حركة ثقافية مثيرة للاهتمام وذلك بتضافر عدة عوامل لايمكن إغفالها، بدءا بالكاتب أو المبدع الذي بدأ يعي ويثق إلى حد بعيد في إمكاناته وضرورة تجاوز المحيط الذي يعيش فيه والإيمان بمشاركته الأفكار مع ذلك الآخر حيثما وجد، ومن ثم ظهور مؤسسات ناشرة وعابرة للقارات مؤمنة بأن تصدير الأفكار وجه من وجوه إثبات الذات وممارسة الهيمنة.

> حاوره: عبد العالي بركات

Related posts

Top