ثقافة التضامن

تتناقل وسائل الإعلام الدولية بين الفينة والأخرى أخبار قيام هذا النجم الرياضي أو ذاك بأعمال خيرية، إلى درجة لا يخلو أسبوع من مثل هذه المبادرات الإنسانية التي تنم عن وعي كبير بالدور المطلوب من أفراد عاديين داخل مجتمعاتهم، تحولوا بفعل إلى نجوم تضيء سماء الرياضة العالمية.
بروز هؤلاء النجوم يدر عليهم أموالا طائلة مستخلصة من رواتب ومنح مغرية وعائدات إشهار ضخمة ومشاريع تجارية تقدر أرباحها بملايين الدولارات، أرباح تتأتى بفضل مجهود شخصي وإيمان بالقدرات الفردية، تكافئ صاحبها على قدر مجهوداته.
وإذا كانت الأمثلة على الصعيد الدولي كثيرة وكثيرة جدا، فهناك نجوم كبار يقدمون الدليل الساطع على تشبعهم بثقافة التضامن، قريبين من هموم وواقع المجتمعات سواء تلك التي نشئوا فيها أو بلدان الإقامة، بل هناك من يتفاعل بالإيجاب حتى مع قضايا تضامنية وإنسانية عبر العالم، ولنا في النجم البرتغالي الكبير كريستيانو رونالدو، خير المثال على رقي في التفكير والتعامل، إذ يقدر قيمة مساهماته في القضايا الخيرية بملايين الدولارات.
ولرصد كل الأمثلة الحية والساطعة عبر العالم نجد صعوبة كبيرة للقيام بذلك، نظرا لكثرة مساهمات نجوم الرياضة الدولية عبر العالم، فإننا نحصر في هذا الحيز مثالان حيان عربيا وإفريقيا، بالرغم من أنهما ليسا الوحيدين جهويا أو قاريا.
الدولي السنغالي ونجم ليفربول الإنجليزي ساديو ماني، وبعد تشييده لثانوية بمبلغ 270.000 يورو، شرع في بناء مستشفى كبير ببلدة بومبالي بالسنغال.
ماني -وكما قال في إحدى المناسبات-، لا يحتاج لعشر سيارات من طراز فيراري، وعشرين ساعة من الألماس، وطائرتين، وهو الذي عانى من الجوع، واشتغل في الحقول الزراعية، ولعب كرة القدم حافي القدمين، لم يذهب إلى المدرسة، واليوم لديه فرصة لمساعدة الناس، ولم يتردد ولو لحظة واحدة في القيام بذلك، بنى المدارس والملاعب، ووفر الملابس والأحذية والطعام للأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع، ويفضل أن يحصل أصدقاؤه ومواطنو بلاده على القليل مما يملك.
في الجانب الآخر هناك المصري محمد صلاح الذي أشرف على ثمانية أعمال خيرية بارزة، جعلته أحد النجوم الشباب في قائمة «فوربس»، من بينها إنشاء معهد ديني أزهري بمبلغ ثمانية ملايين جنيه مصري، ووحدة حضانات، ووحدة تنفس اصطناعي بقرية نجريد مركز بسيون مسقط رأسه، إضافة إلى تخصيص رواتب شهرية لفقراء قريته، منذ انتقاله إلى صفوف بازل السويسري، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، لتصل هذه المساهمة إلى نحو 50 ألف جنيه.
وعقب انتقاله إلى صفوف بازل بشهور قليلة، أسهم في تطوير فصول مدرسته الابتدائية، بالإضافة لتبرعه لإنشاء مسجد داخل المدرسة، كما أسهم في إنشاء وحدة غسيل كلوي للمرضى من أبناء قريته.
وتبرع النجم المصري أيضاً بمبلغ كبير لجمعية ترعى أسر اللاعبين القدامى، وبخمسة ملايين جنيه لصندوق “تحيا مصر”، للمساهمة في علاج مرضى التهاب الكبد الوبائي، كما حرص على التبرع بمبالغ وصلت إلى خمسة ملايين جنيه لمستشفيات ومراكز أيتام بمدينة طنطا.
وذكرت تقارير إخبارية مصرية أخيراً أن محمد صلاح تبرع بـ12 مليون جنيه لمستشفى سرطان الأطفال 57357، ما يمثل قيمة جهاز زرع نخاع العظم.
ونحن نرصد هذه الأمثلة الحية الناصعة عربيا وإفريقيا، يتساءل الكثيرون عن مساهمة نجوم الرياضة المغربية، والحقيقة أن الأمثلة وعلى قلتها لا ترقى للأسف إلى مستوى الأمثلة الحية التي قدمنا جزء من نشاطها طيلة السنة، والأغلبية الساحقة لا تستحضر نهائيا ضرورة المساهمة في الأعمال الخيرية التضامنية والإنسانية، وحتى المشاريع التجارية التي ينخرطون فيها تقتصر على المقاهي والبناء، كما أن الجميع وبدون استثناء يتهافتون على مأذونيات النقل “لكريمات” والهبات من قبيل الأراضي ورخص الصيد وغيرها من نماذج الريع.
للإشارة فالعميد السابق للمنتخب المغربي المهدي بنعطية أهدى لأطفال قرية نائية شاشة تلفزة مسطحة من أجل متابعة مباريات كاس إفريقيا للأمم التي جرت الصيف الماضي بمصر، وجاءت مبادرته “العظيمة” بعد أن انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة لهؤلاء الأطفال وهم يتابعون مباراة المنتخب المغربي على هاتف نقال.
وعلق سي المهدي علي المبادرة قائلا: “عندما نرى هذا لا يمكن إلا أن نفعل كل ما في جهدنا، من أجل إسعادكم يا صغاري سنفعل كل شيء”.
انتهى كلام العميد بنعطية، وبعده، أما بالنسبة لنا “فما بقى ما يتقال” …

محمد الروحلي

الوسوم ,

Related posts

Top