
إن عددا من المنتخبين لم يكونوا من قبل سوى موظفين بسطاء، أو من صغار الفلاحين، بل إن بعضهم لا عمل له أصلا، ومع ذلك هم اليوم من كبار الملاك العقاريين، ومن أصحاب الملايين والسيارات الفارهة، وباتوا من ضمن… «الأعيان»، وإن سؤالا بسيطا حول مصدر تحولهم الاجتماعي والمادي هذا من شأنه أن يكشف الحقائق كلها، ويفضح حجم الفساد الذي يحول دون قيام الجماعات المحلية بأدوارها الحقيقية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لفائدة الساكنة.
وإن فساد عدد من المنتخبين لا يعوق فقط التنمية، ولا يتسبب فقط في إهدار إمكانات الجماعات المحلية، وإنما هو أيضا من الأسباب الحقيقية وراء عزوف المواطنات والمواطنين، وخصوصا الشباب، عن المشاركة في الانتخابات، وفي ممارسة السياسة بشكل عام، كما أنه نتيجة هذا الفساد لم يعد التدبير الجماعي والشأن الانتخابي المحلي جاذبين للكفاءات السياسية والعلمية الوطنية، وللفعاليات ذات المصداقية والنزاهة، وباتت الساحة، بالتالي، مفتوحة فقط لـ «شناقة» الانتخابات، ومحترفي شراء الأصوات، وهذه التداعيات لها كذلك مخاطر سياسية ومجتمعية ترتبط بمستقبل الديمقراطية المشاركاتية في بلادنا.
إن التحديات المطروحة على بلادنا اليوم في مجالات التنمية المحلية، وعلى مستوى تفعيل الجهوية، وتقوية انخراط المواطنات والمواطنين في قضايا الشأن العام، وتمتين ارتباط الشباب بالخصوص ببلادهم وتعبئتهم للمساهمة في صنع مستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كلها ترتبط أولا وقبل كل شيء بتقوية التخليق وسط الجماعات المحلية، وتحسين الحكامة العامة، وجعل الطاقات الوطنية ذات الخبرة والنزاهة تقبل على المشاركة في الانتخابات المحلية.
الملفات والتحقيقات التي انطلقت اليوم في كثير من جماعاتنا المحلية يجب أن تسير إلى نهايتها، ويجب أن تكون إشارات قوية للجميع، على أن الزمن تغير، وأن المغرب الحالي يجب أن يكون خاليا من الفساد والمفسدين.