مغاربة يبيتون في العراء..

في كل مدينة، تنشأ قصص مأساوية عن الأشخاص الذين يعانون في صمت ظروفا قاسية، يجدون أنفسهم مهمشين ومنسيين، يصبح التشرد والتسول جزءا من حياتهم، ومنظرا يخدش مشهد الحياة اليومية، وتحز قساوته في نفس المغاربة.
قد نرنو إليهم من بعيد أو قريب لنمضي إلى مشاغلنا اليومية، لكن المأساة تظل لصيقة بهم، التي لا يشعر بها إلا الضحايا. في كل مدينة نزورها، نرى مشاهد تؤلم القلب. أطفال في سن الزهور ونساء ورجال كبار السن يتسولون في الشوارع والأحياء الفقيرة، بعضهم يسعى للحصول على لقمة العيش بصدق، في حين يلجأ البعض الآخر إلى السرقة، مما يعرضهم للخطر والإدمان.
للتقرب من هؤلاء المهمشين، جالت بيان اليوم شوارع الدار البيضاء الرئيسية، ومحطات نقل المسافرين سواء عبر الطرق أو السكك الحديدية.
في كل من هذه الأمكنة، يثير الانتباه تواجد أطفال صغار يتسولون للحصول على قوت يومهم، ويضطرون للنوم في الشوارع، مما يعرضهم للبرد والأمطار ويهدد حياتهم بالأمراض المميتة.
وفي نفس الأمكنة، وقفنا على رجال ونساء من مختلف الأعمار يتوسلون الناس دراهم معدودات. مبرراتهم عديدة، منهم من يدعي الحاجة لعلاج مرض ألم به أو بأطفاله، ومنهم من يتحجج بأسباب لا تخطر على بال، لكن آخرين ذهبوا رأسا إلى الدافع وراء تسولهم والذي يتمثل في عدم توفرهم على مأوى يقيهم برد الشتاء، وأمطاره التي تبلل ثيابهم وأغطيتهم.
بيان اليوم تعقبت المحرومين من مأوى، فوجدت أعدادهم في ارتفاع مخيف، يثير القلق والاهتمام في آن واحد. في أغلب شوارع الدار البيضاء، ينامون على الرصيف مفترشين الورق المقوى. تشكل الأمطار الغزيرة والبرد القارس مصدر معاناته، فيضطرون للبحث الدائم عن مأوى مؤقت ودفء زائل. يتوجب عليهم النوم في الهواء الطلق أو بجوار المحلات التجارية في محاولة للتحمل والبقاء على قيد الحياة. الوضع المأساوي لهؤلاء المشردين يظهر بوضوح في مظاهرهم الخارجية، حيث تعكس عيونهم اليأس والضياع والتعب، مما يثير الحزن والاستياء في قلوب المارة.
عزة النفس تمنع بعضهم عن الحديث، والفضول يكسر أحيانا الحاجز. وقد حاولت بيان اليوم سبر أغوارهم ومعرفة سبب معاناتهم. كثيرون تجنبوا الميكرو الذي قربناه من أفواههم وقليلون تحدثوا على مضض.
من بينهم عمر عبد الصمد الذي اكتفى بالتعبير عن إحباطه ومعاناته الشديدة التي لا يلوح لها أفق نهاية.
يقول عبد الصمد لبيان اليوم اخترت العيش في الشارع بالرغم من أن لي أسرة. اخترت الشارع كملاذ لأنني مدمن على تعاطي المخدرات. أمضي ساعات النهار في التسول لكسب قوتي اليومي ودريهمات تكفيني لشراء المخدرات أو (السيليسيون) أو الخمور أو غيرها من الأمور.
حاولنا تعقب الحديث إلى مجموعة أخرى تفضل التشرد بالأحياء الراقية للمدينة. كان الحذر والخوف من الميكرو قاسمهم المشترك. كانوا أطفالا تقل أعمارهم عن 16 عاما ذكورا وإناثا، يتوافدون على منطقتي المعاريف وآنفا من جميع نواحي الدار البيضاء، لأنها تضم محلات المأكولات الخفيفة التي يقبل عليها زبناء كثر خلال أوقات الذروة، وهو ما يجعلهم يكسبون مبالغ مالية لا بأس بها. بيد أنهم عوض الرحيل، يقضون لياليهم غير بعيد، سواء أمام عتبات المنازل أو في بعض الفيلات المهجورة. وقد بات هؤلاء المشردون يشكلون خطورة تتمثل في تعاطيهم للمخدرات واعتراضهم سبيل المارة، بهدف الاعتداء عليهم أو سرقتهم، إضافة للهجوم على المنازل غير المأهولة، وهو ما يجعلهم يشكلون مجموعات كبيرة، تتسبب في خلق حالة من الخوف والهلع لدى ساكنة مجموعة من المناطق، وخصوصا خلال الفترة المسائية أو الليل.

والغريب أن الظاهرة في تصاعد مستمر مقابل دعوات صماء تدعو للوقوف معا كمجتمع والعمل بجد لإيجاد حلول شاملة لهذه الظاهرة، من خلال توفير الدعم الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للأفراد المتضررين، وإنشاء برامج تأهيلية وتوجيهية لمساعدتهم على الخروج من دائرة التشرد والتسول.
بهذا الخصوص، أكدت كنزة العود، نائبة رئيس جمعية “رواد المغرب الشباب”، أن التشرد يمثل تحدياً صعباً وحرجاً لأشخاص تخلى عنهم أفراد عائلاتهم، أو دفعت الظروف القاسية إلى معانقة الشارع وجعله منزلا، مضيفة أن الظاهرة في تزايد بشكل مقلق وخطير.
وأوضحت كنزة العود، في مقابلة مع جريدة “بيان اليوم”، أن للدولة دوراً في التدخل لتوفير الرعاية اللازمة من خلال المنظمات والجمعيات، وتوفير فرص الدراسة والعمل للمتشردين للمساعدة في إعادتهم إلى الحياة الطبيعية. وأشارت المتحدثة إلى أن الجهود المبذولة من قبل الجمعيات لإيواء المتضررين من التسول في أحياء وشوارع الدار البيضاء لا تكفي، مع تصاعد هذه الظاهرة بشكل مقلق وخطير، مما يمكن أن يزيد من حدة أنواع العنف، الإدمان، والانحراف، خاصة بالنسبة للأطفال الصغار. لذا يجب أن يتم التدخل بشكل صارم للتصدي لهذه القضية والقضاء عليها.
من جانبه، يسلط ياسين العمري، أستاذ وباحث في علم الاجتماع بكلية الآداب وعلوم الإنسانية بالمحمدية، الضوء على مشاكل الأسرة وتأثيرها السلبي على المجتمع.
ويشير ياسين العمري لبيان اليوم إلى أن التسول والتشرد يعتبران ظاهرتين اجتماعيتين يتكرر سلوكهما في المجتمع، مما يؤدي إلى تهديد بعض الأفراد وقهرهم، بما في ذلك استغلال الأطفال في التسول وحرمانهم من الحصول على التعليم. يُعد التسول ظاهرة شائعة تؤثر على المجتمع بشكل كبير، حيث يمكن رؤيتها بشكل يومي في الأماكن العامة مثل المساجد، وتتنوع أسبابها بين الفقر والحاجة الحقيقية للمساعدة أو البحث عن مصدر للدخل.
وفي تصريحه لجريدة “بيان اليوم”، يؤكد العمري أن التشرد والتسول أصبح من أبرز المشكلات الاجتماعية التي انتشرت بشكل كبير في الوقت الحالي، حيث تعتبر المشاكل العائلية من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى تشردهم إلى الشوارع. ويشدد على ضرورة تقديم استجابة شاملة من قبل الجهات المعنية والمجتمع لمواجهة هذه المشكلة، من خلال توفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين، إلى جانب إتاحة فرص العمل والإسكان المناسب لهم.
وتقول مروى العمراني، عضوة مسؤولة في جمعية “رواد المغرب الشباب”، إن هناك أسبابا متعددة قد تدفع الأشخاص لممارسة التسول، وبعضها يكون بسبب ظروف صعبة لا يمكن التحكم فيها. فقد يجد الشاب نفسه في الشارع بعد وفاة والديه وتشرده، وربما تكون لديه قصة معقدة من الهجرة والتخلي والانحراف. علاوة على ذلك، يمكن أن نرى امرأة عجوز تخلى عنها أبناؤها وتوفي زوجها، مما يدفعها إلى اللجوء للشارع والنوم فيه نتيجة للإهمال الذي تعانيه من عائلتها. لذا، يجب علينا التعامل معهم بلطف وإنسانية للتخفيف من العنف الذي يتعرضون له، والتحدث معهم بطريقة تظهر لهم أنهم محترمون ويستحقون الدعم والرعاية، والعمل على إيجاد حلول بناءة لمساعدتهم، بدلاً من معاملتهم بقسوة وإهمال.
من جانبه، أكد عمر نظيف، باحث ومختص في علم النفس الإكلينيكي والعصبي بالجامعة الدولية بمدينة الدار البيضاء، على ضرورة معرفة سبب الانحراف والتشرد لمساعدته في التعامل مع مشاكله النفسية أو النفسية الجسمانية. قد يعاني الشخص من إجهاد ما بعد الصدمة أو قلق أو أعراض اكتئابية جعلته يلجأ للشارع، وهذا هو الشيء الأول الذي يجب أن نركز عليه لمساعدته في فهم معاناته العقلية واضطراباته النفسية. ثم أوضح أن في المرحلة الثانية، كون أن العلاج الجماعي يمكن أن يكون مفيدا من الناحية النفسية، مما يتيح للمريض الشعور بالانتماء وعدم التمييز أو الرفض من قبل المجتمع.

وأضاف في تصريحه لجريدة “بيان اليوم” أن هناك عدة عوامل تدفع الفرد إلى أن يجد نفسه بلا مأوى، مثل الانفصالات العائلية، والإدمان، وخصوصا الأمراض العقلية. يمكن أن تؤثر هذه المشاكل على جميع الطبقات الاجتماعية وجميع الفئات العمرية. هناك أيضا المراهقون الذين يهربون للبحث عن هويتهم، خاصة عندما يمرون بأزمة هوية. لدى المراهقين فرص أكبر لمحاولة المغادرة أو تجربة شيء جديد. وبالتالي، يمكن أن تؤثر جميع هذه العوامل على مسار حياة الفرد وتؤدي به إلى وضع صعب، أو حتى إلى الشوارع.
ورغم ما يقال وما اتخذ أو لم يتخذ من إجراءات، تظل ظاهرة التسول والتشرد تحديًا اجتماعيًا يتطلب تعاون المجتمع بأسره والجهود المشتركة للحكومة والمؤسسات الخيرية والأفراد لتقديم الدعم والحلول الشاملة. إن معالجة جذور هذه الظاهرة، مثل الفقر والبطالة والتمييز ونقص الإسكان، تعتبر أساسية للحد من انتشارها. يتعين علينا أن نتعاون بجدية لخلق مجتمع أكثر شمولًا وعدالة، حيث يحظى الجميع بفرصة لحياة كريمة ومستقرة.
الظاهرة تتطلب منا أن نفتح أعيننا وقلوبنا لمعرفة مدى حاجتهم الماسة للتضامن والتعاون والتعاطف مع الأشخاص الذين يعيشون في حالات التشرد والتسول.

< دنيا بنلعم(صحافية متدربة) < تصوير: طه ياسين شامي

Top