زيارة ملكية بأفق استراتيجي

جسدت زيارة جلالة الملك إلى دولة الإمارات العربية المتحدة تحولا بارزا في مسار تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، وسجل كل المراقبين قوة جدول أعمالها والاتفاقات التي أفضت إليها ومختلف الرمزيات المتصلة بالاستقبال الرفيع للعاهل المغربي، واندراجها ضمن بعد استراتيجي مهم، جسدته أيضا المشاريع المهيكلة التي اتفق على إنجازها.
تؤكد هذه الزيارة الملكية التاريخية ذكاء تدبير إعداد مثل هذه الخطوة الإستراتيجية، وبلورة مختلف مفرداتها بكثير من الدقة والتكاملية والإحكام، كما أنها تؤسس لمرحلة أخرى في العلاقات المغربية الإماراتية، ستكون لها، من دون شك، امتدادات في السنوات المقبلة ضمن الديناميات التنموية التي تباشرها المملكة، وقد تفتح الطريق لإبداع مسارات تكاملية أخرى مع باقي دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، قطر والكويت خصوصا).
العلاقات بين المغرب والإمارات بقيت دائما ودية وأخوية في مختلف الوضعيات الإقليمية والعالمية، وهي قوية أساسا بامتداد تاريخي يعود لعقود سابقة، ويكفي أن نعرف أن رئيس الدولة الحالي حضر المسيرة الخضراء وعمره لم يتعد 14 سنة، ويرتبط بالعائلة الملكية المغربية بكثير من المحبة والود، وفي نفس الوقت استمر المغرب دائما متضامنا ومؤيدا وقريبا من دول وشعوب الخليج، وحضرت الخبرة المغربية في كثير من ميادين ومراحل تطور هذه البلدان، ودائما كان الموقف الرسمي المغربي جديا وواضحا تجاه قضايا وانشغالات دول مجلس التعاون الخليجي.
هذا التميز المغربي قدره الإماراتيون دائما، واستوعبوا دلالته وصدقه، ودفعتهم عقلانيتهم التخطيطية والإستراتيجية المعروفة إلى الإصرار على الشراكة مع المملكة وتقوية التعاون الثنائي معها، والانطلاق من ذلك لتفعيل انطلاقة اقتصادية واستثمارية في إفريقيا وغيرها، وبالتالي جعل العلاقات المغربية الإماراتية قوية ثنائيا، ولها أيضا أفق استراتيجي واضح، وهو ما تبرزه نوعية وحجم المشاريع المتفق على إنجازها في المملكة.
صحيح أن التعاون الاقتصادي والتجاري لا يمكن أن ينجح من دون توافق سياسي واستراتيجي، ولهذا يلتقي البلدان في معظم الرؤى والمواقف السياسية والديبلوماسية الإقليمية والدولية، كما أنهما ينجحان دائما في تجاوز بعض عثرات الطريق أو التطورات السلبية التي تعترض مسيرتهما، وذلك على غرار اشتعال الحرب في غزة مؤخرا، وسجالات العلاقة مع إسرائيل، وسياقات ما عرف بـ”الربيع العربي”، وهما يركزان اليوم على استيعاب دروس ما حصل ويحصل، والسعي لتحويلها إلى فرص وامتدادات نحو مستقبل أفضل.
للبلدين ثابت الدفاع عن الوحدة الترابية ويضعانه خطا أحمر، وتجمعهما اليوم كذلك مساعي مشتركة للإسهام في وقف الحرب الإسرائيلية على غزة وعلى الشعب الفلسطيني، ويدركان معا، أيضا، أهمية إعداد تموقعات واضحة ومجدية لبلديهما في خارطة التبدلات الإقليمية والكونية، وضرورة الانتصار لمصالحهما وتنويع شراكاتهما…
واعتبارا للمشترك الإستراتيجي والسياسي الثنائي، وأيضا عراقة الصلات الإنسانية بين البلدين والشعبين، تسير دولة الإمارات مع المملكة المغربية على طريق الارتقاء بعلاقاتهما الثنائية، ومنحها أفقًا استراتيجيا مبتكرا وقويا.
علاقات الإمارات والمغرب أسس لها قائدا البلدين، الراحلان الشيخ زايد بن سلطان وجلالة الملك الحسن الثاني، وبواسطتهما تطورت عبر السنين، وتحولت إلى علاقات عائلية وشخصية بين الأسرة الملكية في المغرب وأسرة آل زايد في الإمارات، ورئيس الدولة الحالي يجسد نفسه متانة هذه العلاقات الثنائية والإنسانية العريقة، وجاءت الزيارة الهامة التي يقوم بها حاليا جلالة الملك محمد السادس لتعزز هذه الصلات القوية بين البلدين، ولتمنحها كذلك مضمونا عمليا واستثماريا واقتصاديا يرسخ التضامن والتعاضد والإسناد بينهما.
ومن المؤكد أن زيارة جلالة الملك محمد السادس إلى أبوظبي ومباحثاته هناك مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والبيان المشترك الصادر عقب ذلك، ستكون لها كذلك آثار على الاصطفافات الإقليمية وتبدلات الأوضاع في المنطقة، وخصوصا مسلسلات المساعي الرامية لتحقيق السلام والأمن في الشرق الأوسط، ودعم الشعب الفلسطيني…

محتات الرقاص

[email protected]

Top