بيان اليوم

خطأ
  • خطا فى تحميل بيانات التغذية.

الدعم العمومي للثقافة والفنون

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث ينص الدستور على أهمية الشأن الثقافي والفني في أكثر من متن، على عكس الدساتير السابقة

حيث تم تغييب الثقافة والفنون بشكل مهول.. وليس المجال هنا متاحا لعرض كل الأسيقة والمتون التي تنص على الفعل الثقافي في الدستور المغربي الجديد، لأن الأمر يحتاج إلى دراسة استقرائية وتحليلية مستفيضة، بقدر ما يهمنا اليوم في هذه المقالة القصيرة إثارة فكرة محددة تتعلق بإلزامية دعم الثقافة والفنون من قبل الدولة ومؤسساتها وفق منطوق ومنطق الدستور.. وهنا لابد من الوقوف على الفصل 26 من الباب الثاني من دستورنا الجديد الذي يقول: «تُدعم السلطات العمومية بالوسائل الملائمة، تنمية الإبداع الثقافي والفني، والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة. كما تسعى لتطوير تلك المجالات وتنظيمها، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة». وينص الفصل 25 الذي قبله على أن «حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها». ويضيف مؤكدا أن «حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة».
تتالي هذين الفصلين ليس اعتباطيا، الأول ينص على الحرية والحق في الممارسة، والثاني ينص على الحق في الدعم العمومي.. وهما حقان مترابطان ومتلازمان ومتداخلان، وكلاهما يكمل الآخر.. بحيث يكون الحق في الفعل الثقافي مرتبطا بالحق في دعم الدولة، حتى لا يكون الدعم العمومي مشروطا باختيارات سياسية أو فكرية معينة..
ومن جانب آخر، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ترفع الدولة يديها عن دعم الثقافة وتنميتها، لأن الممارسة الثقافية عموما مبنية على قناعات واختيارات حرة بأهداف قيمية ومجتمعية، غير تجارية محضة، حتى ولو كانت تنحو منحى ربحيا، سواء كانت في إطار جمعوي أو فردي تطوعي، أو في نطاق مؤسساتي أو مقاولاتي... فالكاتب الذي يطبع مؤلَّفه على نفقته، إنما يقوم، في هذا الفعل الثقافي كمواطن فرد، بما تقوم به دار النشر كمقاولة ثقافية، فكلاهما يبتغي ترويج الثقافة من جهة والبحث عن الربح من جهة أخرى، وحتى من لا يتوخى الربح لا يتمنى الخسارة على كل حال.. وهو عمل مشروع، لكنه من دون دعم الدولة، سيكون مهددا بالانقراض.. وكذا الشأن بالنسبة للفنان الفرد أو المقاولة الفنية الذي يكون مجال اشتغالهم قريبا أو يشكل جزء من الصناعات الثقافية والفنية، في المسرح في السينما في الموسيقى في التلفزيون.. إلخ..
وإلزامية دعم الدولة هي الضامن الأساسي لبقاء واستمرارية الفعل الثقافي والفني في المجتمع بما هو فعل اجتماعي يستهدف الساكنة، ولهذه الساكنة حق على الدولة التي من واجبها أن توفر لها وتضمن لها سبل ومسالك ممارسة حقها في الولوج إلى الثقافة والفنون... ومن ثمة فدعم الدولة لا يستهدف المواطنين الممارسين فحسب، لكنه يستهدف وينبغي أن يستهدف أساسا المواطنين المستهلكين.
وعلى عكس ما هو سائد، فحينما يتعلق الأمر بدور الدولة في توفير الدعم العمومي للثقافة، لا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن أن المصدر الوحيد لهذا الدعم يتمثل في السلطة الحكومية في الثقافة، أي وزارة الثقافة لوحدها.. كما لا ينبغي أن يفهم من الدعم مجرد توفير صناديق للمال العام يوجه مجال صرفه للإنتاج الثقافي فقط.. الأمر أوسع من ذلك بكثير.
فمن جهة أولى، مسألة الاهتمام بدعم التنمية الثقافية مسألة عرضانية تشمل عدة متدخلين، من وزارات الثقافة، الشباب والرياضة، الاتصال، التربية الوطنية، التعليم العالي، السياحة، الأوقاف، الهجرة، الداخلية، الخارجية.. ومؤسسات عمومية أو شبه عمومية كالتلفزات العمومية، المركز السينمائي المغربي، المسرح الوطني محمد الخامس، المكتبة الوطنية، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مراكز الأبحاث والدراسات التابعة للدولة، المتاحف.. وعلى المستوى المحلي، ثمة دور هام وحاسم يتعين أن تلعبه الجماعات الترابية من بلديات ومجالس المدن ومجالس الأقاليم والجهات، والوكالات الحضرية، ووكالات تنمية الجهات.. هذا فضلا عن البرلمان بغرفتيه، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجالس العلمية، والإطار الدستوري المرتقب إنشاؤه والمتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية...
ومن جهة ثانية، مسألة الدعم لا تنحصر فقط في دمقرطة صرف المال العام لتأمين مشهد ثقافي نشيط ومنتج، وإنما يتوسع مجال دعم التنمية الثقافية ليشمل ملء الخصاص والفراغ المهول الذي يعرفه القطاع الثقافي في مجال التقنين والتشريع، ومجال ضعف بنيات الاستقبال وانعدام التجهيزات الضرورية، ومجال تكوين وتأهيل الموارد البشرية.. وهذه المجالات الثلاثة لوحدها تشكل ورشا كبيرا يحتاج إلى أكثر من متدخل، وأكثر من ولاية جماعية أو برلمانية أو حكومية، من ثمة ضرورة وضع مخطط تنموي استراتيجي تشرف عليه مؤسسات الدولة كما هو الشأن بالنسبة للمخطط الأخضر في القطاع الفلاحي، أو الأزرق في القطاع السياحي، ولم لا المخطط «الملون» في القطاع الثقافي.

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته


blog comments powered by Disqus
 
الرئيسية أعمدة حديث الإثنين الدعم العمومي للثقافة والفنون

الجزيرة